مقالات ودراسات

حصريا في “المسرح نيوز”.. د. جمال ياقوت يكتب “صفحات من دفتر المحرقة” ..(3) مستشفى الهرم!

شاهد عيان على محرقة بني سويف

المسرح نيوز ـ القاهرة ـ صفحات من دفتر المحرقة| د. جمال ياقوت

ـ

 

(3) مستشفى الهرم

ظللت على هذا الحال من الساعة العاشرة حتى الرابعة فجراً … الألآم تعصف بي … أفقد الوعي على أثرها … أستفيق على آلام جديدة … أتناول بعض المسكنات … أفقد الوعي مرة أخرى … كنت أشعر أن طاقتي قد إنتهت تماماً … وأن جميعأفعالي حركياً تتم بالقصور الذاتي … لقد فقدت السيطرة على جسدي تماماً … وأنا في خضم هذه الحالة، جاء شخص ماوطلب مني أنأصعد علي الترولي لكي أذهب الي سيارة الإسعاف …  تنفست الصعداء … أخيرا سأغادر هذا العفن …. وقفت … اتجهت الي الترولي … فقدت السيطرة علي جسدي تماماًفهويت علي الأرض … وعاودت الكرة مرة أخري حتي جاء من يصيح فيهم حرام عليكم الراجل تعبان لازم تشيلوه … لا أعرف إن كان حاتم حسن هو الذي صرخ فيهم  … أم محمد العمروسي … ساعتها بدأت أفقد الكثير من وعيي… وسافرت خارج حدود الواقع .. غبت عن الوعي للحظات … لكني شعرت بصبحي السيد يجلس بجواري في سيارة الإسعاف … سألته عن صالح  … ومحسن … وحسن … وكل الذين راحوا في لمحة البصر فرد بابتسامة باهتة كذبتها أحبال صوته التي كسرها الحزن … كلهم بخير … ولم ينسي أن يزيل كلامه بجملته المعهودة … زي الفل.

كنت محظوظا للغاية لان رحلة العذاب من بني سويف للقاهرة كانت وقت الفجر  …لا شمس ولا حرارة تلحف الجروح … وتفعل بي مافعلت بآخرين ماتوا بسبب حرارة الشمس …  وصلنا الي مستشفي الهرم بعد أن ضل السائق الطريق أربع مرات … هناك وجدنا استقبالاً فوق العادة  … احضروا جميع ممرضات المستشفي ليكونن تحت إمرة العدد القليل الذي وفد من بني سويف … قضيت في هذه المستشفي أربعة أيام لم تخلو حجرتي من ممرضة في أية لحظة … ولم ألق إلا كل ما ههو حسن من المعاملة …وجاء زوار بالمئات من الأصدقاء والفنانين والأساتذة المحترمين من الذين أعرفهم ومن هؤلاء الذين أراهم للمرة الأولى في حياتي … الغريب في الأمر أن كل من كان يدخل حجرتي كانت تعلو وجهه ابتسامة جميلة وجملة كثير ما تكررت

  • الحمد لله انت زي الفل … كنا خايفبن ألا الموضوع يكون خطير … لكن الحمد لله … إنت عال العال

اقنعني الجميع بايعاز من أيمن الخشاب أنني بخير … وقف أيمن علي بابا الحجرة وحذر جميع زواري، وهدد آخرين منهم زوجتي – أن من يبكي أو ينصب جواً من الكدر سيكون مصيره الطرد والحرمان من الزيارة … وراح الجميع يتقنون أدوارهم ببراعة حتي أني والله صدقت أن ما أمر به ما هو فعلاً إلا هفوة عابرة سرعان ما سأصحو منها … ولن يمر أيامإلا وأكون في بيتي بين أسرتي وأصدقائي  …  وهذا هو ما لم يحدث بالطبع.

عندما أتذكر اليوم الأول في مستشفي الهرم تمر الصورأمام عيني مشوشة … أحيانا أستطيع تمييزها بوضوح تام … وأحياناً أخري أشعر بتداخل الصور مع بعضها حتي أني أفقد القدرة علي تمييزها.

 

داخل المستشفي كانت هناك حالة من الطوارئ القصوي، الجميع في انتظارنا وهم متأهبون لنجدتنا وإسعافنا وإتخاذ ما يلزم من إجراءات ، هذا ما أحسست به منذ الوهلة الأولي التي وطأ جسدي المستشفي محمولاً علي الترولي، أخذوني مباشرة إلي حجرة العمليات، في البداية كنت أشعر بكل شيئ؛ محاولات مستميتة لنزع خاتم الزواج من إصبعي، جاءوا بمقص لم يفلح في اختراق جانب الخاتم السميك ثم جاءوا بمنشار صفيح وأنا أصرخ من فرط الألم، و لما يأست المحاولات جاءوا ببنز حديد ولما لم يفلح هو الآخر، أخذت الألآت تتناوب علي إصبعي ومعها تناوب المتبرعون واحداً تلو الآخر، وأنا أصرخ من فرط الألم، بدوا وكأنهم يخلعون إصبعي من جسدي الواهن وليس الخاتم، كانت الصرخات تخرج مكتومة واهنة من فرط من ألم بي من تعب،بعد عشرات المحاولات، وعشرات المحاولين، نجحوا في انتزاع الخاتم بعد أن كاد قلبي يتوقف عن الحركة،  طلبت ممن حولي أن يضعوا الخاتم في جيب بنطلوني الذ ي أرتديه خوفاً عليه من الضياع، وبعدها بدأت عمليات زرع جهاز في وريد الرقبة لاستقبال المحاليل والعلاج، أحسست بأني أغيب قليلاً عن الوعي، و مع إفاقاتي القليلة أدركت أنهم يمزقون البنطلون الذي أرتديه ولم يكن الظرف يسمح لي حتي بالتساؤل، لماذا يمزقون ملابسي؟ وأدركت بعدها أن تمزيق البنطلون وملابسي الداخلية كان أسهل من محاولة خلعهم من علي جسدي بطريقة آدمية، لم أكن لأستطيع الاعتراض ولا حتي السؤال فالأمر كاد يخرج من يدي لحظة أن تأرجح ذهني بين الغفوة والإفاقة، و علمت بعدها أنهم القوا بالبنطلون وبداخله خاتم الزواج في سلة المهملات،  أمر محزن للغاية.

 

غبت عن الوعي قليلاً وبعدها وجدتني نائماً في حجرة انفرادية، نائماً علي ظهري يخرج من جانبي الأيمن أنابيب علوية تخرج من رقبتي وموصلة بزجاجات معلقة علي حامل بجاني وكذا أنبوبة سفلية تنتهي بكيس بلاستيكي لزوم التبول، ووضعوا ملاءة بيضاء تستر جسدي العاري تماماً إلا من “بامبرز” ألبسوني إياه في غرفة العمليات… بامبرز؟ هل تخيلت يوماً ما أنني سألبس بامبرز … بالطبع لا .. لكنها خيارات القدر التي لا نملك أمامها إلا الاستسلام.

تلفت حولي فوجدت أيمن الخشاب الذي فأجاني بابتسامة عريضة …

  • كده اقدر أقول إني مطمن … من ساعة ما عرفت وأنا قلقان … لكن الحمد لله إنت أحسن مما توقعت .. يا راجل بلاش دلع .. دي حاجة بسيطة

و ابتسم .. واطمئن قلبي لابتسامته الكاذبة التي اتقنها من أجل الحفاظ على نفسيتي. علمت من أيمن بعدها أن وجهي كان منتفخاً بدرجة محيت معها كل ملامحي ولم يتم التعرف علي إلا من خلال الاسم المكتوب علي باب الحجرة …. ياه .. كم كانت متقنة تلك الكذبة التي حاول أيمن اتقانها وتلقينها لجميع الزائرين … وإذا كان من الصعب على الإنسان أن يكذبفي موقف كهذا؛ فأعتقد أنه من المستحيل أن تقنع الآخرين بان يتخلوا عما تراه اعينهم،  وأن يختلقوا واقعا أجمل مما يرونه تخفيفا عني … أدركت بعد أن علمت بحقيقة حالتي الصعوبات الجمة التي تحملها أيمن من أجلي، و هو وإن فعل الكثير طوال فترة وجودي بالمستشفي؛ إلا أن هذا الموقف المرتبط بمستشفي الهرم كان أكثر الأفعال تاثيرًا في نفسي، لانه هو الذي  أحدث الكثير من التوازن فيما يتعلق بحالتي النفسية.

 

أما أخي محمد الذي قضي معي اليوم  الأول فقد لمحت حيرته وقلقه و توتره … ظل جالساً علي الكرسي المجاور للسرير طوال المساء، ما أن أتلفت إلا وأجد عينيه مفتوحتين تطلب الاستجابة لمساعدتي … في الصباح طلبت منه أن يغادر المستشفي .. رفض .. أصررت .. أقنعته بأن وجوده في المكتب أهم من وجوده بالمستشفي .. ورحل إلي الإسكندرية بغير اقتناع ولا انقطاع عن زيارتي، وطلبت منه ألا يذكر ما حدث لأمي لأني أعلم أنها ستصر علي الحضور إلي القاهرة، وهو ما كان سيرهق صحتها المعتلة.

 

أوناس كثيرون جاءوا خلال الأيام الأربعة التي قضيتها في مستشفى الهر،  أصدقاء من الإسكندرية والمحلة والقاهرة و البحيرة والزقازيق و المنصورة، لم أكن اعلم أني أعرف كل هؤلاء ولا أن هذا الكم من الناس يكن لي كل هذا القدر من الحب … شعور جميل يعتري الواحد منا وقت الأزمة فيشعر بقرب انفراجتها.

 

في مستشفي الهرم عشت لقطات لا يمكن نسيانها،  كانت اللقطة المتكررة .. شخص يدخل إلي الحجرة راسماً ابتسامة عريضة علي وجهه و يقول

  • إنت زي الفل .. الحمد لله … و شك سليم .. يا دوب حاجة بسيطة في ايدك و كلها كام يوم و تبقي زي الفل

 

من هؤلاء استمديت الكثير من شجاعتي علي مواجهة الموقف، هؤلاء كان ورائهم أيمن الخشاب الذي فرض رقابة صارمة علي زواري و أرغمهم علي أن يبدو في صورة مطمئنة

 

لقطة أخري لناهد عز العرب و هي تقف مشدوهة غير مصدقة ..لمحت في عينيها أسئلة كثيرة

  • هل هذا الراقد بلا حراك هو فعلاً جمال ياقوت الذي كتبت عن عرضه “مس جوليا” منذ أيام قلائل في مجلة الإذاعة والتليفزيون ؟ هل هذا هو جمال ياقوت الذي كان معي هو و زوجته وطفليه بالمعمورة منذ أيام قلائل؟

 

وتذكرت عينيا مع عينيها تلك الساعات الطوال التي بدأناها في التاسعة مساءً وانتهت قرب مطلع الفجر، كانت ناهد في المعمورة حيث تقضي مصيفها السنوي ودعتني لقضاء يوم معها، فذهبت أنا وزوجتي وطفلاي باسنت و عبد الرحمن، و كان مع ناهد ابنة أختها .. أتذكر اسمها .. ناهد …

  • إتنين ناهد في عيلة واحدة ؟

 

كان هذا تعليقي لناهد لحظة أن عرفت اسم الطفلة … طفلة في غاية اللطف و الجمال .. لعب الأطفال الثلاثة كثيراً و نزلنا .. جلسنا في كافيتيريا علي البحر … ثم جاءت أخت ناهد من القاهرة لتلحق بنا …  قضينا ساعات طوال في المعمورة …. سهرنا حتي الفجر.. بعد أيام لمملمت حقائبي وغادرت إلي بني سويف …. نظرت إلي ناهد الواقفة أمامي كانها في مشهد “ستوب كادر” نطقت عينانا كلمة واحدة …

  • معقولة .. هو الموضوع بجد .. حريقة … و مستشفي .. و محاليل .. و تشوهات .. أحنا بنحلم ؟

 

وفرض الواقع الجواب …نعم حدث الحريق .. وها أناذا راقداً في المستشفي …..  رأيت ناهد وهي تحاول أن تبدو قوية، رأيت عينيها وهي تفشل في أن تعكس بساطة حالتي، رأيت الدموع التي جمدت في عينيها، رأيت رعشة جسدها،  لمست خوفها،  أحسست رعبها … أدركت قرارها بألا تعاود الكرة لتزورني أو حتي لتزور غيري، لم تقف طويلاً … استنفذت طاقة التمثيل التي تملكها في دقائق قليلة، لم تعد قادرة علي تمثيل دور المطمئن .. كادت أن تنهار … لملمت فتات تماسكها وكبريائها وخوفها علي ثم هرعت نحو الباب تاركة اياي في أشد حالات القلق عليها.

 

مرت أيام مستشفي الهرم ومعها الكثير من الذكريات المرة و لكن هذا لا يمنع من وجود لحظات تصحب ابتسامة حلوة عندما تأتي إلي الذهن، فلا يمكن ان أنسي مثلاً منظر الصديق السكندري خالد محروس عندما جاء إلي غرفتي و بمجرد أن رآني أخذ يبكي ثم أغمي عليه ووجدني أقول له

 

  • قوم يا بني و بطل تمثيل …. ما فيش فايدة فيك …….. هاتفضل هجاس طول عمرك

فاستفاق خالد في الحال ولم أغضب منه لسببين أولاً لأني أعلم انه يكن لي من الحب ما يجعله يغمي عليه إذا رآني في هذا الشكل المشوه … وثانيهما أنه من حقه كممثل أن ينتهز أي فرصة لإخراج مواهبه إلي النور.

 

ياسر عبد العزيز شخصية سكندرية لها مزاق خاص يحتاج منك عندما تتكلم أن تضبط ايقاع صبرك حتي لا ينفذ سريعاً وهو شخص له منظومته الفكرية التي غالباً ما تتعارض مع من حوله، و بالرغم من ذلك فهو إنسان طيب إلي أقصي درجات الطيبة وأسعد لحظات شلتنا هي تلكاللحظات التي تشهد مواجهات ساخنة تتسم بالعناد الشديد بين إيهاب يوسف و ياسر عبد العزيز،  أما أحلي لحظات الكوميديا فنشهدها عندما يقرر أيمن الخشاب استفزاز ياسر والكوميديا هنا لا تكمن في براعة الخشاب في ضبط المشهد الاستفزاوي، ولكنها تكمن و بقوة في أن ياسر لا يتاثر بهذا الاستفزاز البارع، و هو هنا عكسي تماماً لأني من أسرع الناس قابلية للإستفزاز.

 

أصدر ياسر فرمان بأنه سيبيت معي غداً وفي اليوم التالي جاء متاخرأ أربعة ساعات فقط وهذا يمثل أقصي درجات الإلتزام بالنسبة لياسر، ولحظي الجميل جاءت لحظة تغيير النوبتجية وياسر لم يكن موجوداً فخرجت الممرضة من الغرفة وأصبحت وحيداً، وساعتها احتجت لأشياء كثيرة بمجرد أن أصبحت بمفردي، كنت عطشاناً أحتاج شربة ماء، ملاءة السرير انزلقت من علي جسدي، ولا أستطيع لمسها بيدي المهترئة، النور يؤذي عيني، التكييف عالي جداً، و أخذت أنادي علي الممرضات

  • يا للي بره …. يا اللي بره

ولا احد يرد .. و اعتقدت للحظة أن ياسر عبد العزيز موجود بالخارج … وأخذت أنادي عليه

  • ياسر … يا سر

و لم يرد أحد فأخذت أصرخ بأعلي صوتي و لم أسمع إلا صدي صوتي الذي بدا مع تكراره المكان وكانه غابة مهجورة …. و عندما تهالكت أحبال صوتي وجدت ياسر يقف علي باب غرفتي و هو يرسم علي وجهه ابتسامة باهتة …

  • جيمي .. عامل إيه يا حبيبي؟

فنظرت إليه و استفزني بروده إلي درجة لم أستطع معها إلا أن اقول له بنفس درجة الهدوء

  • الحمد لله .. أنا بخير .. ياسر ممكن تديني أشرب ؟

و لما جاء الليل نظرت إلي ياسر الذي راح في نوم عميق علي كرسي بجوار سريري…… وأخذت ذكريات مواقف ياسر الكوميدية تتواثب علي رأسي و بين الموقف والآخر أنظر إليه وهو نائم في وضع غير مريح علي الإطلاق … ياااااه  …. الدنيا لسة بخير .

 

أما ممرضات مستشفي الهرم فقد اجتمعت فيهن صفة صغر السن، والجمال، والحنان، والطيبة الآسرة و أتمني أن تتاح لي فرصة زيارة هذه المستشفي لأقدم الشكر لكل ممرضاتها الحسناوات ما عدا واحدة فقط كانت تلازمني طوال الليل، و لم تجد وسيلة تقضي بها علي ملل الليل إلا الحديث في التلفون مع “الواد بتاعها” و لم تتوقف إلا عندما نهرتها بشدة بعد أن رجوتها العديد من المرات دون جدوي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق