مقالات ودراسات

محمد التهامي العماري يكتب: نقد النقد المسرحي المغربي أو السباحة ضد التيار.. قراءة في كتاب: السيميائيات – التداولية المسرحية للناقد أحمد بلخيري


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

محمد التهامي العماري

 

لقد عرف النقد المسرحي في المغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة انتعاشا ملحوظا تجلى في ظهور الكثير من الباحثين والنقاد الشباب، وصدور عدد من البحوث والدراسات والمونوغرافيات، ومناقشة العديد من الأطاريح الجامعية في مختلف مراكز الدكتوراه بالجامعات المغربية.

 

والتي انصبت على جوانب متباينة من العمل المسرحي، موظفة مناهج ومقاربات متنوعة من حيث مرجعياتها الفكرية والمعرفية والإبستمولوجية، وهو تنوع لا يعكس بأي حال من الأحوال ظهور مدارس أو اتجاهات نقدية أو حساسيات واضحة المعالم. ذلك أن النقد المسرحي المغربي ما يزال في طور النشأة والتأسيس. ولعل هذا ما يستلزم، حتى تكون الأسس التي ينبني عليها صلبة، تتبعا نقديا، ومراجعة علمية متواصلة، تنبه إلى مواطن قوته وضعفه، وتكشف عما قد يعتوره من فتور وضعف، وما قد يلتبس به من أوهام وتصورات باطلة.

في هذا الإطار يدخل مؤلف الناقد أحمد بلخيري الأخير الموسوم بـ”السيميائيات – التداولية المسرحية ودراسات مسرحية أخرى”، الصادر في طبعة أنيقة عن دار الأمان بداية هذه السنة (2024). وهو كتاب يقع في 223 صفحة من القطع المتوسط، ويتألف من ستة مباحث وتقديم وثلاثة ملاحق. وقد جاءت مباحثه كالآتي: 1-سيميائيات المسرح: المفهوم والتطبيق، 2-الفرجة و المسرح في المغرب: مقاربات، 3-التداولية المسرحية: الرغبة والإنجاز، 4-النقد المسرحي المعياري، 5-الجمهور المسرحي في المعجم المسرحي وفي المغرب، 6-النقد المسرحي العربي: أجيال واجتهادات. أما الملاحق فضمّت حوارا أجري مع المؤلف، وتقديما للفصلين الأول والثاني من كتاب “سيميائيات المسرح” للباحث الفرنسي من أصل بولوني طاديوز كوفزان.

يقع المبحث الأول في ست وعشرين صفحة، افتتحه الناقد بتحديد مفهوم المنهج، وإبراز الأهمية التي يحظى بها في مجال العلوم، ثم انتقل للحديث عن نشأة المنهج السيميائي، ولاسيما سيميائيات المسرح، عند الغربيين أولا، ثم كيف شق طريقه إلى النقد العربي بعامة، والنقد المسرحي بخاصة.

بعد هذا التمهيد، دخل المؤلف إلى صلب الموضوع، بحيث قدم قراءة نقدية لثلاثة كتب سعت إلى التعريف بهذا المنهج الجديد، وتقديمه للقارئ العربي، وهي: “علامات الأداء التمثيلي في العرض المسرحي” لأكرم وليم أراميا، و”سيميولوجيا الممثل بوصفه حاملا للعلامات” لأحمد شرجي، و”سيميائيات المسرح لمحمد التهامي العماري”، وهي كتب ما يجمع بينها هو أن مؤلفيها باحثون أكاديميون، وأن موضوعها هو سيميائيات العرض المسرحي، أو هذا ما يزعمه أصحابها على الأقل. لعل هذا ما جعل الأستاذ بلخيري يلح في تحليلها على مدى تمثل أصحابها للفروق القائمة بين سيميائيات النص الدرامي وسيميائيات العرض، ونجاحهم من ثمة في تقديم مفاهيم سيميائيات العرض وإجراءاتها المنهجية والآليات التي استحدثتها في أصولها الغربية على نحو صحيح، وتطبيقها بشكل ملائم في تحليل فرجات مسرحية.

وقد نحا الأستاذ بلخيري في قراءته لهذا المتن النقدي منهجية تقوم على تقديم الكتاب، وتتبع تمثل صاحبه للمنهج الذي يقدمه، مع تمحيص بعض المفاهيم والأفكار والمعارف التي يوردها، والتنبيه إلى ما يشوبها من خلط أو تحريف أو تناقض أو سوء فهم، شافعا كل ذلك باستشهادات موثقة. ومما انتهى إليه في هذا المبحث هو أن الفرق بين سيميائيات النص وسيميائيات العرض ما يزال ملتبسا في الأذهان بحيث تجد الباحث يصرح بأنه يحلل العرض المسرحي بينما ينصب تحليله على النص الدرامي.

ويخلص المؤلف في نهاية هذا المبحث إلى أن: “…سيميائيات المسرح يمكن أن تعتبر اليوم مدخلا لعلم المسرح عند العرب. فهذه السيميائيات، إسوة بالسيميائيات العامة، بشتى فروعها، حددت موضوع اشتغالها، وأدوات الاشتغال أيضا. ولا شك أن ضبط منهج الدراسة والتحليل ضروري قبل الانتقال من التصور النظري إلى التطبيق.” (ص 38)

ويشغل المبحث الثاني (الفرجة والمسرح في المغرب: مقاربات) خمسا وعشرين صفحة، ويشرع كسابقه بالتحديد الاصطلاحي، إذ سعى بداية إلى تحديد دلالة مصطلح فرجة من الوجهة اللغوية والاصطلاحية، قبل أن ينتقل إلى مناقشة قضية ما إذا كانت الفرجات الشعبية في الثقافة المغربية أشكالا مسرحية أم ما قبل مسرحية، وذلك انطلاقا من كتابي المرحوم حسن المنيعي: “أبحاث في المسرح المغربي” و”المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة”. وبعد تتبع دقيق للمصطلح في الكتابين، ونظر في السياقات التي ورد فيهما، خلص إلى أن تصور حسن المنيعي لهذه القضية خضع للتطور. فالاحتفالات والفرجات الشعبية التي عدت مسرحا في الكتاب الأول، صارت “أشكالا ما قبل مسرحية” في الكتاب الثاني. ويمكن “تفسير هذا التحول الفكري -حسب بلخيري- بكون المؤلف تعرف على مصطلح “ما قبل المسرح” بعد تأليف كتاب “أبحاث في المسرح المغربي […] لكن المصطلح ورد في كتاب “هنا المسرح العربي، هنا بعض تجلياته”، من خلال استشهاد مأخوذ من محمد عزيزة “الإسلام والمسرح”. لهذا يبدو أن هذا الكتاب كان سببا في ذلك التحول.” (ص 48)

ومن الكتب التي وقف عندها الأستاذ بلخيري في هذا المبحث أيضا كتاب محمد التهامي العماري “مدخل إلى قراءة الفرجة المسرحية”. فبعد عرض محتواه، وإبراز المحاور والمستويات التي حددها لمعالجة الفرجة المسرحية من الزاوية السيميائية، أبدى بعض الملاحظات حوله، لعل أهمها هي اقتصاره على الجانب النظري دون تجاوزه للتطبيق.

هذا التطبيق على الفرجة المسرحية عثر عليه المؤلف في بحث الناقدة نوال بنبراهيم الذي يحمل عنوان: “تلقي المسرح: المغرب نموذجا”، حللت فيه الباحثة فرجة “الأسود واللبؤات” المستمدة من احتفالات الطريقة العيساوية. وبعد تقديم محتوى الكتاب، وتتبع الخطوات التي نهجتها الناقدة في مقاربتها لهذه الفرجة، أبدى الأستاذ بلخيري بعض الملاحظات والاستدراكات حولها، من ذلك ترددها بين مصطلحي التمثيل والمسرح. فهي قد ذكرت المسرح في عنوان الكتاب، لكنها استعملت في المتن عبارة “مشهد تمثيلي” بينما أعرضت عن استعمال مصطلح فرجة.

وسيرا على النهج الذي سلكه في المبحثين السابقين، يفتتح المؤلف المبحث الثالث بتدقيق اصطلاحي انصب على التداولية بشكل عام، والتداولية المسرحية على وجه الخصوص، واستجلاء الفرق أيضا بين تداولية النص وتداولية العرض، قبل أن ينتقل إلى تفحص مدى تمثل النقاد لهذا الفرق، وذلك انطلاقا من كتاب للباحث عمر الرويضي بعنوان “تداولية الخطاب المسرحي: نحو قراءة براغماتية للعرض المسرحي”. وبعد تحليل مكونات عنوان الكتاب، خلص الأستاذ بلخيري إلى أن مؤلف الكتاب استعمل مصطلحين للإحالة على نفس المفهوم، هما: براغماتية وتداولية، كما نوه إلى أنه حصر موضوع التحليل في العرض المسرحي. على أن استقصاء محتوى الكتاب كشف خلطا بين النص الدرامي والعرض، واضطرابا في تمثل مفاهيم التحليل التداولي للعرض، ومستوياته وإجراءاته المنهجية. بل إن تمحيص محتوى الكتاب قاد إلى الكشف عن كثير من الأغلاط المعرفية والأخطاء اللغوية، بل استهتارا بضوابط البحث العلمي وأعرافه، من قبيل ضعف التوثيق وتحريف الاقتباسات والتصرف المشين فيها، واضطراب الترجمة… وتنبغي الإشارة في هذا الصدد إلى أن الناقد أحمد بلخيري لم يتوان في العودة إلى أصول الاقتباسات ومراجعها، وعقد مقارنات دقيقة بين الكلام المقتبس وأصله للتنبيه إلى ما لحقه من تحريف أو تزييف وبتر، ناهيك عما في الكتاب من أحكام على عروض لم تشاهد، وسرقات وانتحال.

ولعل الأدهى من كل ذلك هو كشف الأستاذ بلخيري على مقدار جهل صاحب الكتاب المدروس بنحو اللغة العربية وأبسط قواعدها. ففي معرض تطبيق الرويضي للمقاربة التداولية على عرض من العروض، والحال أنه يحيل على نص درامي، وقف أحمد بلخيري على مجموعة من الألفاظ والوحدات المعجمية جردها صاحب الكتاب واعتبر أنها تتضمن “تاء المتكلم!!!”، كما اعتبر أن أفعالا من قبيل “أريد” و”أعزي” و”أعني”… تتضمن “ياء المتكلم!!!”، بينما تتضمن الألفاظ: “صديقتي” و”حق” و”فرنسي”… “ضمير الغائب!!!”.

وقد حرص الأستاذ بلخيري على إيراد الشواهد والأدلة على تلك الأخطاء والانزلاقات من النص المدروس، وتوثيقها توثيقا دقيقا. وخلص من هذا التحليل إلى “أنه كان الاشتغال في الكتاب [المدروس] على نص درامي وليس على عرض مسرحي. وعلى هذا الأساس فلا علاقة لعنوان الكتاب بمتنه…” بل “يجوز القول إن الكتاب لا علاقة له بالتداولية المسرحية.” (ص 100)

وإذا انتقلنا إلى المبحث الرابع المعنون بـ”النقد المسرحي المعياري”، وهو يقع في ثماني عشرة صفحة، وجدناه يتناول بالتحليل والتمحيص كتاب: “الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي” للناقدة أمل بنويس. وقد دفع هذا العنوان المؤلف إلى الشروع بتدقيق اصطلاحي ومفهومي لما يتضمنه من مصطلحات، ولاسيما مصطلحا حداثة وطليعة، ورديفهما: مصطلح ما بعد الحداثة، فضلا على مفاهيم المسرح الحديث ومسرح الطليعة والمسرح المعاصر، ثم مناقشة التحديدات التي وردت بها هذه المصطلحات في الكتاب.

إثر ذلك ينتقل الناقد إلى فحص تحليل المؤلفة لنصين مسرحيين مغربيين، هما: “في الطريق” للطيب الصديقي، و”أوفيليا لم تمت” لنبيل لحلو. وسيقف عند مجموعة من الأحكام النقدية التي أصدرتها الكاتبة على العملين المذكورين. وبعد جرد تلك الأحكام ومناقشتها، خلص إلى أن “النقد المسرحي في هذا الكتاب نقد معياري، لأن العيار فيه هو مسرح الطليعة في الغرب.” (ص 129) إنها أحكام قيمة لا سند لها، تأسست على مسبقات لا دليل عليها. ورغم اعتراف الناقد بلخيري بما تضمنه الكتاب من اجتهاد وضبط للمفاهيم (ص 130)، إلا أن ذلك لم يمنعه من إبداء بعض المؤاخذات، والتنبيه إلى بعض المزالق التي سقطت فيها المؤلفة، منها على سبيل المثال إصدار أحكام قطعية على نص مسرحي لم تقرأه، أو عرض لم تشاهده مثل عرض مسرحية مومو بوخرصة التي أخرجها الطيب الصديقي، وعرضت في تونس سنة 1964، وإصدار الأحكام المجانية المتسرعة من قبيل الحكم على فكر الطيب الصديقي بالعجز والحكم على أعمال نبيل لحلو بأنها خاطئة منذ البداية.

ويخلص الأستاذ بلخيري من تحليله للكتاب إلى أنه “عوض قراءة وتحليل النص المسرحي “في الطريق” كما هو، كان النظر إليه انطلاقا من مفاهيم موجودة سلفا، أي انطلاقا من مفاهيم موجودة سلفا، أي انطلاقا من المعيار الموجود سلفا، الخاص ببنية درامية معينة تتعلق بمسرح الطليعة. إنه النقد المعياري.” (ص 136)

وفيما يخص المبحث الخامس من الكتاب، الذي يحمل عنوان “الجمهور المسرحي في المعجم المسرحي وفي المغرب”، فهو يبدأ بتمهيد يبين فيه المؤلف العلاقة بين فن المسرح عند قدماء اليونان والاحتفالات التي كانت تقام للإله ديونيزوس في موسم الجني، وكيف أدى انقسام المشاركين بين مؤدين ومتفرجين إلى نشوء الفن المسرحي من جهة، وظهور الجمهور كمكون لا غنى عنه في هذا الفن. ثم يمضي المؤلف لاستقصاء دلالة مصطلح جمهور، فيشرع بتعقبها في قواميس اللغة، ثم تتبّع معناها الاصطلاحي في العديد من المعاجم المسرحية الفرنسية المتخصصة، مقتفيا تطور هذه الدلالة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى اليوم، راسما الحدود بين هذا المصطلح ومصطلحات تتقاطع معه مثل مصطلح “متفرج”، مقارنا بين تلك المعاجم، مبرزا الفروقات الدقيقة بينها. ولم يفت المؤلف أن يفحص دلالة المصطلح في بعض المعاجم المسرحية العربية (معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية لإبراهيم حمادة وكذا في المعجم المسرحي لماري إلياس وحنان قصاب).

إثر ذلك انتقل للحديث عن الجمهور المسرحي في المغرب، وألمح إلى غياب إحصائيات رسمية صادرة عن الجهات الوصية على القطاع تتعلق بارتياد المغاربة للمسارح، كما سجل غياب بحوث ودراسات سوسيولوجية تنصب على دراسة هذا الجمهور. على أن هذا لم يحل بين المؤلف وبين تحليل كتاب اتخذ التلقي المسرحي موضوعا له، وهو كتاب بعنوان “تلقي المسرح: المغرب نموذجا” للناقدة نوال بنبراهيم. وقد وقف الأستاذ بلخيري عند المنهج الذي سلكته الناقدة، والأدوات التي وظفتها لجمع المعطيات، وفحص الخلاصات التي انتهت إليها، ومدى انسجامها مع المقدمات التي انطلقت منها والبيانات التي حللتها، فخلص إلى “أن دراسة الجمهور المسرحي تحتاج إلى العلوم الإنسانية، ومنها علم الاجتماع وعلم النفس. كما تحتاج أيضا إلى بحوث ميدانية تعتمد على الاستمارات والروائز التي يتعين أن تكون أسئلتها مضبوطة […] لقياس درجة تمثل واكتساب الثقافة المسرحية” (ص 168) وهو ما لم يتوفر في الدراسة موضوع التحليل.

وقد عمد المؤلف في المبحث السادس من الكتاب، وهو أقصرها إذ لا يتجاوز ثلاث عشرة صفحة، إلى تقديم عينة من اجتهادات وإسهامات أجيال من النقاد والباحثين العرب في مجال المسرح. وهي عينة تقتصر على الكتب من دون ما نشر في المجلات والدوريات المتخصصة. وبما أنه من الصعب إقامة تصنيف نهائي لكتب تلك العينة، نظرا لتنوع مواضيعها، وتعددها وتشعبها وتداخل موادّها، فقد اهتدى المؤلف إلى تصنيف قدّر أنه يسعفه في تنظيم هذا الرصيد النقدي. هكذا فقد صنف تلك البحوث والدراسات إلى: 1-كتب أرخت للمسرح، 2-كتب عرّفت بالمدارس والنظريات المسرحية، 3-كتب درست المسرح من خلال مصطلح محدّد، 4-كتب اعتمدت على منهج معين للدراسة والتحليل، 5-كتب تتعلّق بالنقد المسرحي التطبيقي، 6-كتب تتعلّق بقضية أو ظاهرة مسرحية، 7-نقد النقد، 8-البيبليوغرافيا، 9-المونوغرافيا، 10-المعجم المسرحي، 11-أنطولوجيا المسرح، 12-دراسة المصطلح المسرحي.

والملاحظ من الجرد الذي قدمه المؤلف للكتب والدراسات التي تندرج تحت فروع هذا التصنيف هو أنه يغطي فترة تشغل ما يربو عن خمسة عقود، كما أنّه يشمل نقادا وباحثين من كافة البلاد العربية، بما يُبرز حركية النقد المسرحي العربي وانفتاحه على مختلف التيارات الإبداعية، وكذا على مختلف المقاربات والمناهج النقدية. وإن دلّ هذا الجرد على شيء فإنما يدل على سعة اطلاع المؤلف، وإحاطته العميقة بما عرفته الساحة النقدية المسرحية  المغربية والعربية من تطورات وتحولات. لذلك فلا غرابة إن وجدناه يختم هذا المبحث ببعض الملاحظات حول الممارسة النقدية المسرحية في المغرب، وهي ملاحظات يمكن إجمالها في: 1-التكرار والاجترار، 2-النقل والسرقة من مصادر ومراجع من دون الإشارة إليها، 3-التبعية والاستخدام الأعمى للمفاهيم، 4-الانتقائية والتلفيق بين المناهج، 5-الانتحال والاستنحال، 6-إصدار أحكام نقدية من دون قراءة النصوص ومشاهدة العروض، 7-عدم تمحيص الآراء والتمييز بين الموضوعي والذاتي، بين الانطباع والعلم، 8-غياب منهج للتحليل والدراسة.

إنّ كثيرا من متتبّعي ما يصدر من بحوث ودراسات في مجال النقد المسرحي في المغرب، بل وفي العالم العربي، يشعرون باستفحال هذه المثالب التي أشار لها المؤلف، ويدركون التردي والإسفاف الذي بلغته الممارسة النقدية عندنا، لكن إدراكهم هذا يبقى مجرد انطباع وإحساس ملتبس ينقصه الاستقصاء الدقيق، والأدلة النصية، وهذا ما يحاول الأستاذ بلخيري أن يتداركه.

لقد أسلفنا أن الكتاب يتضمن ثلاثة ملاحق، أولها عبارة عن حوار أجراه مع المؤلف محمد هدايت من العراق، تطرق فيه، فضلا عن مسيرته في مجال البحث والتأليف، إلى قضايا نقدية أساسية في النقد المسرحي العربي بعامة، والمغربي بخاصة، كالعلاقة بين النص والعرض، وقضية التنظير والتجريب وقضية المنهج والمصطلح وغيرها. وهو في كل ذلك يعبر عن رؤيته الشخصية ورأيه الخاص بكل موضوعية وجرأة. والحقيقة أن هذا الحوار ليس فضلة في الكتاب كما قد يُتوهّم،  بل حضوره وظيفي بما أنه  ينور القارئ ببعض حيثيات مشروع المؤلِّف النقدي، ويمكنه من فهم أعمق للسياق الخاص والعام لمختلف مباحث الكتاب.

أما الملحقان الثاني والثالث فيقدم فيهما المؤلف الفصلين الأول والثاني من كتاب “سيميائيات المسرح” لطاديوز كوفزان. وهما يحملان على التوالي العنوانين: “العلامة في المسرح” و”نظريات العلامة”. ولعل إدراج هذا الملخص للفصلين في الكتاب نابع من رغبة مكينة لدى المؤلف في التعريف بالمنهج السيميائي في مجال النقد المسرحي، وتوضيح مفاهيميه وإجراءاته المنهجية. ويبدو من خلال تصريحات الأستاذ بلخيري في العديد من المناسبات، ومن خلال كتاباته وتأليفاته كذلك أنه يؤمن -وهو محق في ذلك- أن أول خطوة يلزم القيام بها لبناء حقلنا النقدي على أسس صلبة هو ضبط المفاهيم وتوحيد المصطلحات الدالة عليها، ولا أدل على ذلك من إعداده معجما متخصصا في النقد المسرحي ستصدر طبعته الثالثة في المستقبل المنظور. ذات الأمر يظهر جليا أيضا في مباحث هذا الكتاب، إذ رأينا كيف أنه افتتحها جميعا بتدقيقات مفاهيمية ومصطلحية[1]. ومما لا شك فيه أن مفهوم العلامة يعد مفهوما مركزيا في السيميائيات عامة، وسيميائيات المسرح على الخصوص. ومن ثمة لا سبيل لاستنبات هذا المنهج في تربة نقدنا العربي من دون ضبط هذا المفهوم، وإدراك خصوصيته في السياق المسرحي.

وفي الختام يمكن القول إن كتاب “السيميائيات – التداولية المسرحية” يساهم في سد ثغرة من ثغرات النقد المسرحي المغربي. ثغرة تتمثل في وضع لبنات مبحث لا غنى عنه إذا أريد لهذا النقد أن يتقدم ويتطور ويلعب دوره الحيوي في متابعة الإبداع وتشريحه تشريحا علميا، والكشف عما يزخر به من قيم جمالية وإنسانية. إنه نقد النقد، وهو مبحث يجعل من الممارسة النقدية ممارسة متبصرة، تراجع تصوراتها وأدواتها ومفاهيمها وإجراءاتها المنهجية باستمرار، ممارسة فيها من الجرأة والموضوعية ما يبعدها عن منطق الولاءات والإخوانيات والمحاباة والتقريظ المجاني الذي يحكم حقلنا النقدي. يقول بلخيري في الحوار الوارد في الكتاب: “إن السير في طريق المراجعة ليس أمرا سهلا. ذلك أن الممارسة بينت بشكل واضح التبرم الواضح منها رغم تقديم الحجج والأدلة النصية. أضف إلى ذلك أن سيادة المجاملة والتركيز على الأشخاص وليس على الكتابة أديا إلى خلق أوهام ويقينيات […] إن المراجعة سباحة ضد التيار، ولأنها كذلك فهي تتطلب مجهودا مضاعفا والمزيد من التدقيق.” (ص 190)

[1] -هذه بعض المفاهيم التي تعرض لها المؤلف على نحو مباشر في مباحث هذا الكتاب: تقعير (تقديم الكتاب)؛ منهج، سيميوطيقا، سيميولوجيا، سيميائيات المسرح (المبحث الأول)؛ فرجة، تداولية، تداولية مسرحية، سياق (المبحث الثالث)؛ حداثة، ما بعد الحداثة، الطليعة، المسرح الحديث، مسرح الطليعة، المسرح المعاصر (المبحث الرابع)؛ جمهور، متفرح (المبحث الخامس).


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock