مقالات ودراسات

“اسمع يا عبد السميع” البطل المقهور بإرادته.. على مسرح الطليعة

المسرح نيوز ـ القاهرة ـ صلاح صادق

ـ

 

دع كل شيءِِ موضع الشك، اليقين موت والشك حياة، التاريخ ما هو إلا رواية، وما أكذب الروايات ..

تلك كانت كلمات تتردد على لسان بطل حكاية العرض المسرحي اسمع يا عبد السميع تأليف الكاتب المغربي عبد الكريم برشيد من إنتاج مسرح الطليعة، البيت الفني للمسرح، ومن إخراج الواعدة دنيا النشار، وتزامن عرضه في ظل صحوة مسرحية للطليعة وحضور جماهيري كبير لعروض المهرجان القومي وعودة المهرجان التجريبي.

%d8%a7%d8%b3%d9%85%d8%b9-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%b91

حكاية عبد السميع الذي لا يستمع لكل نداءات وصرخات والذي يظل متوقعاً في عزلته في بيته ذلك السجن الذي يبقى حبيساً به مع أوهامه ومخاوفه بين لعبه وذكرياته وزوجته التي تحولت لمجرد رقم الخامسة، أصوات يشبه الصراخ يتوسل إجابة من ذلك الغريب عبد السميع يصدر عن عجوز مختفية خلف ستائر خشبية تشكل حوائط البيت الكئيب أو السجن تجلس على كرسي هزاز، وتأخذ شكل الراوي الذي يسرد الحكاية في رواية اعتمدت على الشكل الثاني الديودراما، والذي رغم تكثيفه الدرامي إلا أنه يتطلب مجهوداً كبيراً في الحركة والأداء من قبل الثنائي الذي يؤديه،

%d8%a7%d8%b3%d9%85%d8%b9-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%b92

وقد كانت مخرجة العمل موفقة في اختيارهما وتسكينهما في الأدوار لما يتمتعان به من خبرة ونضج فني شادي سرور ونفين رفعت وقد تجلى ذلك واضحاً طيلة مدة العرض والذي كان منضبطاً 70 دقيقة، تحركا بحرية في فضاء خشبة العرض وجنباته وعمقه، والذي كان يمثل شكلاً مستطيلاً بأبعاد ومساحات لتشكل صورة بيت عبد السميع بكل تفاصيله محدثاً نوعاً من التلاقي بين المؤدي والجمهور، وهو ما ناسب الحالة، ورغم بساطته إلا أنه كان يزدحم بالكثير من التفاصيل والموتيفات الكثيرة في تكرار وتأكيد ملح على شكل الحياة بداخله السرير والثلاجة العطبة والصناديق التي تحوي عرائس عبد السميع والتي يظنها في استغراقه في عزلته مخترعات، توقفت عيوننا على الكثير منها، يعيش بطل العمل في توهم وغفلة يكتفي بلعبه مسجون بإرادته داخل مخاوفه وعجزه عن الخروج للعالم ومواجهته

وتشاركه وحدته زوجته الجميلة بكل ألامها الناتجة عن فشلها مع عبد السميع وعدم استجابته لتوسلاتها وعجزه عن الوفاء بأي شيء من احتياجاتها، تستخدم التوبيخ والتدليل والإغراء معه دون جدوى، تعاني قسوة الحياة في بيت مظلم تعيس مع زوج قانع قانط بلا طموح وأمل، واهم بأنه مخترع وشخص هام، تنافسا في الأداء وقدما أشكال متباينة لمراحل عمرية بمهارة كاشفة عن وعي وفهم جيد لطبيعة الشخوص وصراعاتها النفسية وحجم الإحباط والتخبط والخوف، إنتقالا بنا إلى زمن الماضي واستعرضا أدوار ومراحل الطفولة والكهولة والشباب، طرحا مشاكل الحياة واحتياجاتها والرغبة في الرحيل والموت بشكل ساخر وكانت الكوميديا اللفظية الأكثر حضوراً في لغة رصينة، حركة دائبة، واستغلال جيد لطبيعة المكان والتنقل الزمني للحدث والعودة للحكاية مرةً أخرى بتبديل بعض الملابس والاكسسوارات المناسبة للحالة، مؤثرات صوتية قوية، وإضاءة متميزة عبرت في تغيراتها على الأحداث والمشاعر المتضاربة في العرض وما ينتابهم من احساس من خوف وحلم وأمل، وظهرت الزرقاء والحمراء، وكانت هناك إضاءة حمراء خفية خلف الجدران المفرغة كالقضبان.

%d8%a7%d8%b3%d9%85%d8%b9-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%b93

وكان لإستخدام الدمى تأثير قوي لتعبر عن الرغبة في العودة لزمن البراءة واللهو بلا خوف أو إلتزام، وكان للتطور في أداء الأبطال وتنقلهم بين الشخوص والزمن وتنوع الأداء بصدق، وتقديم المثل والعبرة ورسم الضحكة أثره في تعزيز الفكرة وقوة الطرح، من أفضل لحظات العمل تلك التي عزف فيها العود ليراقص عبد السميع زوجته ويعزف على جسدها لحناً ونغماً جميلاً، وشهد العمل إسقاطات وتلميحات تفشي عن سر العلاقة، وتحولت الإضاءة للأحمر دليل الصراع النفسي والخوف والرغبة في الهروب من الواقع ورتابة الحياة، واستخدام الدمى كنوع من الإلهاء والتعويض عن عدم الإنجاب ورغبة الزوجة فيه وحاجتها إليه، يري الزوجين أن الحياة الزوجية مزعجة، وعبد السميع يجد أمه وزوجته وجهان لحقيقة واحدة، ويفرض رأياً أن الرجل طفل تجرد من شخصيته وخوفه وحزنه وأكفانه، ومثلما بدات الحكاية تنتهي الزوجة وأصبحت كهلة تتشح في سواد وتستند على عصاة خشبية وتنادي يا عبد السميع ولا تنتظر إجابة ..

اسمع يا عبد السميع تأليف عبد الكريم برشيد، سينوغرافيا وائل عبدالله، إعداد موسيقي محمد حمدي رؤوف، عرائس حسام الشربيني، تعبير حركي ضياء شفيق، مساعد مخرج محمد عبد الوارث ومحمد عبد العزيز، مخرج منفذ حيدر شوهير، تمثيل نيفين رفعت وشادي سرور .. ومن إعداد وإخراج دنيا النشار ..

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى