مقالات ودراسات

“الاستوديو التحليلي المسرح العربي” قراءة في مسرحية “سدرة الشيخ” للسينوغراف الكويتي د. خليفة راشد الهاجري

عرض ضمن عروض الدورة الـ 14 من مهرجان المسرح العربي 2024

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

إعلام الهيئة العربية للمسرح

#الاستوديو_التحليلي_المسرح_العربي

د. خليفة راشد الهاجري

 

يعد التاريخ روايةً يسردها طرف من زاويته الخاصة متكئاً على ما لديه من براهين وأدلة ووثائق وشهود، والرواية التاريخية هي نص سردي عما يملكه صاحبها من كم معلوماتي يدعم وجهة نظره ، ويثبت حكايته في سجل التاريخ البشري. هنا نحن أمام جنسين من العلوم الإنسانية والأدبية، وهما التأريخ والأدب وهما جنسان يتقاطعان بمناطق عديدة، كلاهما خدم الآخر بشكل ما، منها أنَّ الأدب استطاع أن يهذب أسلوب السرد التاريخي، وقدم له روح التشويق والمتعة، بينما قام التاريخ بتوفير مادة خصبة للرواية، وتحديد خيال النص السردي بإطار المعلومة، وهذه مناطق تقاطع حساسة، فمن بالغ في روايته بالمحتوى التاريخي المجرد، أفلتت منه عناصر التشويق والمتعة، ومن أفرط بالتشويق والمتعة قد يقوم بتشويه ملامح التاريخ ويعكر أصالته، لذلك هي معادلة دقيقة تحتاج إلى موهبة خاصة ونادرة.

هذا يضعنا أمام صاحب فكرة العرض المسرحي – الذي بين أيدينا – ( سدرة الشيخ) وهو المؤرخ الملتزم والمؤلف المتمرس الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي صاحب التجربة والخبرة الطويلة في الكتابة في مجالات إبداعية متعددة مثل الرواية والكتابة التاريخية والسيرة الذاتية والمسرح، والذي كتب روايته التاريخية ( الشيخ الأبيض) التي جمع القاسمي بها روحانية الأدب وصرامة الحقيقة التأريخية، والتي كانت “الومضة” التي ألهمت المؤلف والمخرج عماد الشنفري مخرج العرض المسرحي (سدرة الشيخ) .

ومن واقع ما يتمتع به القاسمي من فراسة علمية و حنكة أدبية و مخزون تاريخي من الوثائق و الكتب والمخطوطات النادرة – يروي لنا – بكل تجرد – حكاية ذات أبعاد تاريخية دقيقة ومهمة، تدور أحداثها في منطقة (ظفار)، وهي مدينة تقع على جنوب ساحل سلطنة عمان، لشاب أمريكي يدعى جوهانس بول، تبناه الشيخ محمد بن عقيل وهو زعيم قبيلة ظفارية بعد أن خاض حرباً ضد إحدى السفن الإنجليزية المستعمرة، خرج منها منتصراً، وكان جوهانس الطفل الوحيد الناجي من على ظهر هذه السفينة. كان قد أرسله والداه من مدينة (سيلم) الأمريكية مرافقاً لتلك السفينة وهو في سن مبكرة ليتعلم علوم البحر والقيادة، تبنى الشيخ محمد – الزعيم الظفاري – جوهانس و احتسبه أحد أبنائه وعلَّمه العربية والفروسية وثقافات وعادات أهل ظفار وأطلق عليه اسم ( عبد الله) حتى شب، وكبر وكبرت مع عبد الله مسؤولياته وهمومه وتساؤلاته حول هويته! ،

كذلك عظمت من حوله التحديات، فأصبح بمواجهة كم من الصراعات منها : صراعه الداخلي، كونه من أصول أمريكية و ينتمي إلى ثقافة مختلفة عن العربية، مما جعله يعاني من غربة وعزلة نفسية داخلية بالرغم من ولائه المطلق لأرضه الجديدة، يضاف كذلك الرفض العشائري لجون من بعض القبائل، والذي خلف أثراً نفسياً عميقاً في علاقته مع الآخر المختلف.

وفي الجانب الآخر ، صراعه الخارجي في تؤهله للحكم و الوراثة، كونه ابن الشيخ محمد بن عقيل بالتبني مما يضعه بمواجهة دائمة مع أفراد القبيلة من أبناء عموم الشيخ محمد بن عقيل في تولي سدة الحكم.

ترجمت رواية (الشيخ الأبيض) إلى عدة لغات ولاقت قبولاً واستحسان كثير من شعوب مختلفة الأعراق والثقافات، حتى وقعت بين يدي المؤلف والمخرج العماني عماد الشنفري، و خاض معها رحلة العرض المسرحي الذي أمامنا (سدرة الشيخ) .

**من الرواية إلى النص**

يُعد معد ومخرج العمل المسرحي (سدرة الشيخ) الكاتب والمخرج عماد الشنفري من أهم الكتاب والمخرجين العمانيين في العصر الحديث في عمان، بل هو من رواده حيث أسس المسرح في ولاية ظفار وأعد له أرضية خصبة ومتينة، عبر تأسيس الفرق المسرحية وتدريب الشباب العماني المسرحي وبناء المسارح، وإقامة المهرجانات ودعمها في الفنون الأدائية وتمثيل سلطنة عمان محلياً ودولياً في المحافل المسرحية والثقافية، له العديد من الأعمال المسرحية تأليفاً وإخراجاً التي حصدت الجوائز في عدد كبير من المهرجانات والمسابقات العمانية المحلية والخليجية والعربية. منها ( حمران العيون) و ( أبو سلامة)

و (العاصفة) وأعمال أخرى آخرها عمله المسرحي (سدرة الشيخ) عن رواية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.

تلقف الشنفري رواية (الشيخ الأبيض) كون أحداثها تقع في ولاية (ظفار) مسقط رأس الشنفري بالدراسة والتحليل، نتجت عنه صياغة النص المسرحي (سدرة الشيخ) الخاص بعرضنا و محل بحثنا هنا ، حيث حصد النص جائزة الشارقة للتأليف المسرحي عام 2019.

هنا، نعتقد بأنَّ حكاية الشيخ الأبيض قد تعرضت إلى مختبرين من السرد هما الرواية والنص المسرحي، حتى ما لبث إلى مروره بتجربة تجسيده عرضاً مسرحياً متكامل العناصر، ولنفترض بأنَّنا قمنا بإحداث فصل أدبي وفكري للشنفري (مقتبس) للرواية و (مخرجاً) للعرض ، مما يضع الشنفري أمام مهمة صعبة في تجسيد رواية (الشيخ الأبيض) بأحداثها التاريخية ونص (سدرة الشيخ) بتشويقه الدرامي، و تقديمه على هيئة فرجة مسرحية ذات قيمة عالية، توازي الصورة التاريخية الأمينة التي أوردها الشيخ القاسمي في سياق روايته دون الوقوع في رتابة السرد التاريخي المجرد الذي يكون مستساغاً في الرواية و رتيباً في العروض الأدائية.

** من النص الى العرض **

لنطرح التساؤل التالي: هل نجح الشنفري في مطابقة الخريطة الذهنية للكاتب وخطته الفنية كمخرج للعرض؟

لعل الإجابة تكمن فيما خاضه الشنفري (مخرج العرض) في تجربتين : وهما التجربة الأدبية والتجربة الفنية، أولاً : عبر كتابة نص (سدرة الشيخ) اقتباساً وثانياً : إخراجه مسرحياً، مما جعل الشنفري على دراية واعية بما يحدث وسيحدث!! و تحديد مصير عرضه النهائي بصورته الناضجة، و سنذهب إلى هذين المحورين تحليلاً :

 

المحور الأول : ** الشنفري معدا للنص**

كتب الشنفري نصه باللهجة الظفارية المحلية، وتعمد تقريبها للهجة العربية البيضاء المفهومة، وقام بتطعيمها بالفصحى العربية في مناطق عدة حيثما دعت الضرورة الدرامية دون إقحام أو تكلف ، وكانت عبارات الفصحى في المحاورة الجدلية بين (الشيخ محمد بن عقيل) وقائد السفينة الإنجليزية قبيل اشتعال المعركة البحرية. كذلك ما جاء على لسان (المعلم صالح) من حوار في تلقيه مهام تعليم وتأهيل ( عبدالله) بتعليمات من الشيخ (محمد) . لم يخلُ النص من الحوارات الرومانسية العاطفية التي جسدتها علاقة الحب بين (عبد الله) و (مريم) بنت (سعيد الأدب) ، بينما برزت الحوارات ذات الإشارات التآمرية في مشاهد ( سعيد الأدب) و (سويلم) في حياكة المؤامرات الغادرة التي لم تخلُ من خط كوميدي ملتزم .

ومما ساهم في وضوح اللهجة – أيضاً – هو إدراك أغلب الممثلين الرئيسيين أهمية اللغة المسرحية و دقة إرسالها واستلامها بينهم، و مهارات مخاطبة الجمهور. كما لمسنا حرص الشنفري على أمانة النقل التاريخي اللفظي بموضوعية شديدة دون المساس – سلباً – بخطته الإخراجية.

 

المحور الثاني : ** الشنفري مخرجا **

أسبغ الشنفري – بصفته مديراً للعرض المسرحي الأسلوب الواقعي والتاريخي للعرض ، بإضافات احتفالية مضيئة، عبر التزامه الضمني بالوقائع التاريخية التي وردت في الرواية الأصلية، وعدم تخليه عن الحالة الاحتفالية الطقسية التي حافظت على توازن التلقي لدى المتفرج بين متابعة الحكاية والاستمتاع بأحداثها ورفع الإيقاع العام للعرض، بل جعل من العنصر الاحتفالي كياناً حكاءً (للحدوتة) التاريخية (الشيخ الأبيض) دون رتابة أو ملل، وذلك بتعشيق الفعل الدرامي بدواليب الأهزوجة الظفارية والأغنية الخليجية، على وقع الطبول ونفخ الأبواق، حكى لنا الشنفري روايته الخاصة وقراءته الإخراجية المتأنية للشيخ الأبيض. كما قام الشنفري باستلهام ما عرف به أهل ظفار خاصة والعمانيون عامة عبر موروثهم الاحتفالي و التقليدي بقرع طبول الإحتفال تارة و الحرب تارة أخرى، وإدراكه للفن الشعبي بتفاصيله ووظائفه الدقيقة ، فوظفت الرقصات والأهازيج في المشاهد الاستهلالية للعرض المسرحي قبيل معركة الشيخ محمد وقائد سفينة (اسيكس) الإنجليزية كمزيج درامي و احتفالي تفاعلي صاخب. تدرجت – بداية – بحوارات ما قبل المعركة وقلب المعركة واحتفال النصر والعودة. واستمر الشنفري بإضفاء الطابع الرومانسي عبر استحضار بعض الكلمات الشعرية المغناة من الفن الخليجي في المشاهد الرومانسية واستلهام الطقوس الصوفية في مشاهد أخرى.

مما ميز عرض (سدرة الشيخ) على الرغم من التزامه التاريخي، بأنَّه سار على عدة خطوط متقاطعة و متشعبة التقت في المشهد الختامي للعرض. الخط التأريخي لسرد الحكاية التاريخية و الخط السياسي في صراع القوى السياسية الفردية في السيطرة على الحكم وخط أحكام مسألة حقوق الإرث بالتبعية و القرابة القبائلية و أضاف الخط الرومانسي في علاقة (عبد الله) و (مريم) وحالة الرفض القبائلي و أيضاً الخط الاجتماعي في العلاقات الطبقية بين المجاميع والأفراد و الخط المميز وهو الخط الاحتفالي الذي كان شرياناً داعماً للخطوط الأخرى والمعزز لحضورها. و استجمع الشنفري خطوطه بمشهد ختامي بانورامي ، الذي خُتِم بالكشف عن قاتل ومخطط جريمة قتل (الشيخ محمد) والتخلص منه على يد ابنه ( عبد الله) ، في هذا المشهد قام الشنفري بتأصيل هوية ( عبد الله) وتجديده لولائه العربي وحسمه لهذا الصراع النفسي الذي كان يعيشه طوال مجريات العرض . إلا أنَّه فاجأنا بأنَّ الحكم قد يؤول لمن لا يستحقه أحياناً .

 

**شخوص (سدرة الشيخ) **

فن التمثيل

احتوت مسرحية (سدرة الشيخ ) على كم من الأدوار التمثيلية الرئيسية والأدوار الثانوية، لاسيما اعتمادها المحوري على المجاميع. فنحن نتحدث عن أكثر من عشرين ممثلاً ومؤدياً على الخشبة، نورد بعض هذه الأدوار والتي ساهمت في استكمال شخصيات النص وبث الروح فيها على الخشبة: أولها شخصية (عبد الله) وهو الشخصية التي لاحظنا تطورها المرحلي ( طفل بريء – شاب عاشق – فارس ثائر ) وما صاحب هذه الشخصية من تغيرات جسدية و نفسية أداها الفنان (عبد الملك الشيزاوي) ، الذي كان ملتزماً بحالة النص وعلى درجة كافية في فهم أبعاد شخصية الرجل الأمريكي الذي ترعرع في ثقافة مختلفة عن ثقافته الأصلية، تعرض الشيزاوي إلى عدد من الاختبارات النفسية في هذا العرض، منها الشاب الذي يعيش هوية مضطربة ، والعاشق المرفوض اجتماعياً وشخصية الثائر، وعلى الرغم من المساحات المفتوحة التي منحها العرض للشيزاوي إلا أنَّها لم تكن كافية لإبراز قدراته التمثيلية ، وذلك يعود لكثافة الأحداث وتسارعها، إلا أنَّه كان يعمل بتركيز عال على إبراز أهمية دور (عبد الله) في العرض عبر إدراكه للشخصية كونها محركاً رئيسياً لأحداث، و علاقاته المتشابكة مع الشخصيات الرئيسية والثانوية في العمل (الشيخ محمد) و (سعيد الأحدب) و (مريم) .

أما عن دور (الشيخ محمد) الذي أداه الفنان (جهاد اليافعي) الذي أحكم التزامه برزانة حاكم القبيلة وشجاعة قائد الجيش والأب العطوف، وعدالته بين أفراد قبيلته، وما يلفت الانتباه في تلك الشخصية هي التزامها حدود الوقار والرزانة والثبات على إظهار هذه الجانب من الشخصية دون المساس بمكانتها أو تراجعها عن ذلك، ولعلَّ التزام اليافعي الدقيق أضاف هيبة للمشهديات المختلفة، بدءاً من المعركة البحرية وانتهاءً بالطقوس الصوفية الاستعراضية. و لا ننسى فهم (اليافعي) لفن التعامل مع الزي و إكسسوارت القتال، وحركة القائد في أرض المعركة أو اعتلاء العرش.

أما (سويلم) وهو بوق الفتنة ومحركها والذي أداه الفنان (هشام سويلم) ، فلقد حمل (هشام) مسؤوليات عدة في أداء دور (سويلم الطباخ المغلوب على أمره) و المرافق الشخصي لسعيد (الطامع في الحكم) ، حيث عمل سويلم على تأجيج الأفكار الغادرة في عقل (سعيد) وتوجيهها نحو قتل (الشيخ محمد) والذي أدى بدوره إلى قتل (سعيد) الأحدب جزاء لما اقترفت يداه. لعب (هشام) على الكوميديا البسيطة التي لا تخلو من الارتجال المبرر، والتي تقرأ ما يحيط بها من حوار وفعل وتقوم بردود أفعال تتواءم والحالة العامة للعرض، وبالرغم من مكر مقاصد حواراته إلا أنها استطاعت أن تحافظ على تواصل الجمهور المستمر مع العرض وذلك لرشاقة وخبرة (هشام) على الخشبة و إدراكه لإبعاد دوره وسيطرته على أدوات الممثل من حركة وصوت وأداء.

أما شخصية (سعيد الأحدب) التي أدى دورها الفنان (محمد العجمي) وهي الشخصية التي مثلت قطب الشر والذي يقف على الضفة الأخرى ليحدث شرارة الصراع ويحركها، كان (العجمي) حاضراً في مشاهده بصورة كبيرة على الرغم من دخوله في حالة المبالغة المفرطة إلا أنه تفاعل مع الحالة النفسية للشخصية في تغليب (الأنا) على الجماعة بشكل مقنع، يملك (العجمي) حيوية عالية على الخشبة وحركة مرنة و آلة صوت رخيمة ووجه تعبيري مؤثر ساهمت في تشكيل عجينة الشر بصورة مباشرة لا جدال فيها.

اشتمل العمل على مجاميع الممثلين والعازفين والمؤدين الذين شكلوا كتلاً جسديةً على خشبة المسرح في جميع مستوياته ، و ساهموا في تكوين الحالة الاحتفالية والطقسية التي اكتسى بها العرض بشكله العام. مما يشير إلى وجود مختبر للحركة، خطط له بعناية، وتجاوبت معه تلك المجاميع بحرفية مقنعة، بل ومدركة لدورها في إبقاء العمل مستيقظاً في ذهن المتفرج.

**سينوغرافيا سدرة الشيخ**

قُدم عرض (سدرة الشيخ) على مسرح العلبة الإيطالية أو مسرح البروسينيوم (Proscenium) حيث التزم مصمم الديكور المسرحي (خالد الشنفري) بالأسلوب الواقعي العام لأسلوب العرض وبالإرشادات المكانية لمؤلف النص المسرحي في تنفيذ صورة العرض ، و تمثل ذلك في تنفيذ مشهد ثابت لشجرة (السدرة) على يسار الممثل مؤطراً فتحة المسرح (البروسينيوم) (Proscenium) بأغصانها وأوراقها الممتدة من الجذع إلى أعلى الفتحة حتى المنتصف العلوي تتدلى منها حبال، استحوذت على ثلثي الفتحة حجماً، ولعلَّ اختيار شجرة (السدرة) ذات الجذور المتأصلة في الأرض والأغصان المنسدلة على مجمل واجهة المسرح كعنصر ثابت هو امتداد لتأصيل فكرة ارتباط الإنسان بالأرض، وأنَّ الجذور هي في الانتماء لها والتشبث بها ، هذه العلاقة التي رسختها رواية ( الشيخ الأبيض)، وأكدها العرض المسرحي (سدرة الشيخ) ولعلها تكون صدىً وانعكاساً للحالة النفسية الداخلية لشخصية (عبد الله) في العمل أو هي بمثابة رمزية لشخص الشيخ (محمد) الذي يستظل به الجميع من أبناء القبيلة، ممتداً على أرضه حاكماً و راعياً . والجدير بالذكر هو اختيار هذا النوع من الأشجار المعمرة لأهميته الوظيفية عند العرب وسكان الخليج، وهي شجرة من السلالات التي تنمو في البيئة الجافة الصحراوية ولا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لتنمو، وتستخدم ثمارها و وأوراقها في التداوي و مصدر غذائي مهم ، يتخذ منها العرب مكاناً للجلوس والاستظلال لمناقشة شؤونهم الحياتية وتلقي العلم ويحرص على زراعتها أهل الخليج العربي والإهتمام بها لفوائدها الكثيرة.

كما ترك المصمم عمق خشبة المسرح بمستويات مختلفة الارتفاعات لتسمح للخشبة باستيعاب مجاميع الممثلين والعازفين، واتخذ مصمم الديكور منهجين تقنيين لتبديل المشاهد ، المنهج الأول هو (تقنية البروجكتر) (Projector and Data Show) باستخدام شاشة خلفية لجدار المسرح الخلفي (السيكلورما) (Cyclorama) في الانتقال من مشهد المعركة مروراً على أطلال المدينة والميناء وانتهاء بالطقس الصوفي، يضاف إلى أنَّ بعض الفيديوات كانت حية وتفاعلية، مما أضاف ديناميكية مميزة، والمنهج الثاني هو توظيف الضوء و الإظلام في نقل المشاهد من الداخل إلى الخارج والعكس صحيح.

التزم مصمم الأزياء ـ أيضاً – بروح النص الواقعية للحفاظ على تماسك الصورة المشهدية للعرض وذلك بالاستدعاء التاريخي للأزياء الظفارية الأصيلة بكل ألوانها وتفاصيلها و التي جسدت الحالات الاجتماعية والوظيفية لشخوص العرض بين حاكم ومعلم وأجير، وسيدة وطفل، و استخدام الإكسسوار ذي التفاصيل الدقيقة كالأسلحة والعمائم الظفارية .

ليس هناك الكثير – دلالياً – ما يقال عن الإضاءة، إلا أنَّها تقدمت بشكل وظيفي (مجرد) يذهب في أسلوبه إلى الحفاظ على الجو العام متماسكاً والانتقال المرن بين المشاهد، كذلك الاستمرار في المحافظة على ظهور الممثل بجسده وملامحه بصورة دقيقة ساهمت في تأكيد أدائه على الخشبة دون سلبه أي من حضوره الأدائي عليها، إلا أنني أنصح بعدم الإفراط في حالات الإظلام الطويلة في عمق المسرح، والاستعانة بالإضاءات الجانبية لتأطير الحالة الفرجوية في عمق المسرح وتوفير طابع ضوئي خاص للمجاميع في تلك المنطقة.

 

**ختاماً**

نحن في حضرة (الشيخ الأبيض) وهو نص روائي تأريخي لسمو الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي الذي طالما استلهم من تاريخنا العربي والإسلامي في رواياته ونصوصه المسرحية ليقدم تعاليمنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية والإسلامية لجيل مغيب، فيقول سموه : ( لا يتوافر في فن من الفنون بقدر ما هو عليه في المسرح، فهو الوعاء الجامع لكل فنون الجمال، ومن لا يتذوق الجمال لا يدرك قيمة الحياة. والمسرح حياة، فما أحوجنا اليوم إلى نبذ كلّ أنواع الحروب العبثية) هنا يريد صاحب السمو إعادتنا إلى التاريخ حتى نرى حاضرنا بشكل واع حتى نعتبر.

ونحن أيضاً أمام المخرج العماني (عماد الشنفري) في عمله المسرحي (سدرة الشيخ) الذي خضع لعدة اختبارات أدبية وفنية في رحلته مع هذا العمل – معداً ومخرجاً، وقدم للجمهور العربي (الفرجة) باقتدار وإخلاص وأمانة، والذي أرجوه هنا بأن لا يتوقف عرض هذا العمل عند مهرجان أو مناسبة، بل هو بمثابة مقصد تاريخي مهم، يلهم الانسان العربي ويحافظ على هويته بقدر تعلق الغريب ” عبد الله” بهذه الثقافة الاستثنائية وهو ليس بابنها، فكيف هو الحال بمن كانت هي مسقط رأسه!!؟

إحالات :

الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي – رواية (الشيخ الأبيض) – دار الخليج للصحافة و الطباعة و النشر – الشارقة
عموري السعيد – رواية (الشيخ الأبيض) لسلطان القاسمي _التاريخ والهوية خلف أسوار السرد) – جامعة بجاية – الجزائر –
عماد الشنفري – نص مسرحية ” سدرة الشيخ” – سلطنة عمان – 2019 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى