مقالات ودراسات

الاستوديو التحليلي المسرح العربي.. قراءة في عرض “إكستازيا”  د: عقيل ماجد حامد .. إعادة التفكير في أسطورة الخلق 

المسرح نيوز ـ القاهرة

#الاستوديو_التحليلي_المسرح_العربي

 

يشهد المسرح العربي في السنوات الأخيرة نقلةً لافتةً في اختياراته الجمالية ورؤاه الفنية، متّسقاً بذلك مع التغيرات الكبرى التي طرأت على مجالات الكتابة والأداء وفن السينوغرافيا في العالم، وصار بالإمكان القول : إنَّ بعض المخرجين العرب قد بصموا على ولادة تيار جديد يقوده جيل من الشباب، وجد ضالته في أبحاث مسارح ما بعد الحداثة التي بسطت هيمنتها على أفق التجريب وأبدت انسجاماً واضحاً مع متطلبات العالم اليوم، عالم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتطورة بكل ما توفره من سهولة الاتصال والتواصل، وبكل ما تحمله من دهشة وإبهار ومثاقفة.

ويأتي عرض” إكستازيا” لفرقة أرض الشاون ضمن هذا السياق المحمّل بأسئلة الحاضر حول مصير الإنسان في مدار التحوّلات الكبرى، وأيّ دور يمكن أن يلعبه المسرح في التخفيف من حدّة الغربة التي تحكم حياة البشر اليوم وتتحكّم في تفاصيل علاقاتهم بذواتهم وبالآخر، وأيّ شكل مشهدي يمكنه أن يوصل أفكارنا ويحقق التماسك بين مفردات العرض، كما يحقق أيضاً متعة التلقي في الآن ذاته؟

سنحاول من خلال هذه الورقة تتبع خطوات هذا العرض المختلف والنبش في أنساقه الفلسفية والفكرية والاطلاع على طياتها الخافية، والانتباه إلى مقولاته الكبرى التي أبدع وأنتج من أجلها.

قراءة في طيات العرض

يتمحور العرض المسرحي حول حكاية زوجين يعيشان حياة نفسيةً مضطربةً، حيث يعاني الزوج (آدم) وهو أستاذ فلسفة اكتئاباً حاداً ويحس برتابة الأيام التي تثقل كاهله خاصة أنَّ رغبته بإنجاب الأطفال تواجه بمعارضة قوية من طرف زوجته الرسامة (ليليث) المولعة بالفن التشكيلي والتي تحب الحياة حتى الثمالة وتريد استكشاف أسرارها المثيرة، حيث نكتشف مع مرور الوقت أنَّ الأمر يتعلق بثنائي غير منسجم في الطباع.

تبدو الحكاية ههنا واقعية وتعالج ببساطة مايمكن أن يعيشه كل زوجين داخل مربع الزوجية، وقد اعتمد ياسين أحجام دراماتورج العرض، على نصوص عدة وهي “هكذا تكلم زرادشت ” لفريديريك نيتشه و”بوح الصعاليك” لعادل أدهم، و”سكرات” لعادل جندول، إضافة إلى قصائد لقدس جندول، فكيف رحّل ياسين أحجام كل هذه النصوص المتباعدة إلى الركح، وكيف استطاع تطويعها كمصادر لقصّته الرئيسية؟

ينفتح الفضاء على سجّاد أبيض يغطّي كامل الركح، وفي الخلفية جدار يتم من خلاله عرض مقاطع فيديو لأشكال وألوان ورسومات كأنها تمائم ورموز من عهود غابرة، وتتوسط هذا الجدار فوهة مظلمة، لا نعلم ماذا تخفي وراءها ولا لأيّ غرض أعدّت، وفي يمين الركح لوحة معدة للرسم أما في الجهة الأخرى فيوجد عازف على آلة القيثار، وبهذا يبسط المخرج تقسيمه الهندسي لمساحات اللعب، ويكشف عن ثنائية الإخفاء والكشف، إذ يحتضن السجاد الحوارات والصراعات والحكايات، في حين بقيت الخلفية معدّة لشخصية بعينها ألا وهي “الطرف الثالث” الذي يمسك بأصابعه طيّات الأحداث دون أن يدخل في حوار مباشر مع الآخرين، ويتسم ظهوره واختفاؤه بالكثير من الغموض.

من الواضح أنَّ مخرج العرض ياسين أحجام قد رسم خارطة اشتغالاته بدقة معتمداً على السينوغرافيا بكل تقنياتها ومفرداتها، وعمل على أن تكون هذه السينوغرافيا في انسجام تام مع الممثل وتجعل من النصوص المبثوثة في الفضاء معاني ودلالات خصبة، تورق من خلالها إشكاليات العمل وتصل إلى المتلقي كاستفهامات تدعوه لخوض رحلة البحث عن أسرار الأسطورة، أسطورة الخلق متمثلة في شخصيتي آدم وليليث، في إحالة إلى مصدر البشرية كما ورد في كتب الأديان وأساطير الأولين.

ومنذ بداية العرض نتأكّد أنَّ الشخصيات التي أمامنا ما هي إلا آدم وحواء وثالثهما الشيطان “تزوس “حيث يصرّح في البداية بالتالي حتى يضع المتلقي داخل أفق انتظاري محدّد:

“إسمي تزوس، تشرفت بمعرفتكم، القصة للي غادي سنحكيها ليكم هي حكاية جميلة لذيذة رائعة، فيها العديد من التلوينات، إنعراجات، إنكسارات، عثرات، تتخللها احتفالات، إنجازات، انتصارات، هزائم أيضاً، الحكاية هي حدوتة تتغنى بالحب بالتلاقي بالعشق، بالموت، قصة زوجين، الزوج إسمه آدم، الذي هبط من جنته حينما داهمه مرض الاكتئاب، وزوجته ليليث التي يسميها البعض الأم الشريرة للأرض والتي أسميها أنا الأنثى الرقيقة … الحرة… للأسف كانت هي الأخرى تعاني من الهوس الزائد عن اللزوم … هكذا قررتُ لهما، هكذا أريد، وهكذا يريدان حينما أريد أنا، فليبدأ الحفل…”

فما هو هذا الحفل الذي سيبدأ وماالذي يخفيه من مفاجآت؟

بهذا يضعنا راسم الحكاية تزوس في قالب القلق ويمهّد لنا ما سنراه أمامنا من أحداث قادمة كما في المأساة اليونانية حيث يتقمّص” الشيطان” دور الجوقة ويؤثث جزيئات اللعبة حتى يصل إلى أقاصي النشوة عندما تتعمّق الصراعات بين ليليث وآدم حول مسألة الإنجاب، ولسان حاله يتمتم  “وعزتك وجلالك لأغوينهم مادامت أرواحهم في أجسادهم”

إنَّه لا يتوقف عن الغواية فهي سبيله إلى الانتقام وطرد الغرباء من مملكته والاستفراد بالخلود، واثبات أحقيته بالخلافة، بل هاهو يلاحق الزوجين في الأرض أيضاً بعد سقوطهما من السماء نتيجة لارتكابهما الإثم الذي لايغتفر، فلولا الخطيئة لما وجدت البشرية في الأرض ولبقيت حبيسة السماء. فيستعيض عن التفاحة بحبة الإكستازي المخدرة، وهي تعرف أيضاً بمخدّر الحب حيث تؤجج الرغبة الجنسية وتهيّج الشهوات والعواطف، وتجعل من يتناولها بمثابة كتلة من الطاقة والعنفوان والاضطراب، وهنا يجب أن نتساءل لماذا تسعى ليليث إلى إغراق آدم في الإدمان ؟ هل لتنتقم منه ؟ فآدم يستميت في دعوة ليليث إلى تلبية رغبته في المضاجعة لكنها تتملّص منه بذكاء بداعي انشغالاتها بالفن والحياة وهو ما يعمّق مأساته ويزيد من إحساسه بالبؤس، فنراها تصرّح بقسوة : أطفالي المولودون من قوتي وإرادتي يجوبون الأرض مثلي،  دليل على أني لست مجرد مخلوق خاضع (تضحك بسخرية) أتذكر ذلك بوضوح شديد، اليوم الأول يوم وطأت فيه قدماي الجنة كانت أرضاً للجمال والعجب، قبل أن تمسها أيادي الإنسان القذرة.

تؤكّد على التمرّد كميزة للإنسان الأرقى، الذي يقارع الأقدار ببسالة ويرفض القوانين المتحكمة فيه مهما كان مصدرها، وهي هنا تميز بينها وبين الإنسان، فمن تقصد بالإنسان هنا؟ هل هو آدم؟ هل تحمّله مسؤولية إفساد الجنّة بغبائه؟ فهل آدم هو فعلاً شخص متواكل وضعيف وعاجز؟ هل هي التي تتميز بأخلاق السادة وآدم تحكمه أخلاق العبيد؟ هل أنَّ ليليث هنا تتقمص روح زرادشت؟ من الذي أقنعها بتلك الفكرة وجعلها في حالة رفض دائم وكره لجسد آدم؟

إنَّها الوسوسات الشيطانية على وقع نغمات القيثارة ، القيثارة التي عوضت المزامير وكانت هي وصاحبها العازف ياسر الترجماني شهوداً على شقاء الإنسان في بحثه عن الحب والحقيقة دون أن يظفر بها برغم تكرار المحاولة.

انسجاماً مع ما تم ذكره يمكننا القول إنَّنا إزاء رحلة في عمق الأسطورة الإنسانية التي تشكلت في البدء من ذكر وأنثى، وتواصلت مآسيها وفواجعها،لتنتج مجتمعات من البشر تنحدر من سلالات مختلفة يفيض بها الكون، ولكنها مازالت تحافظ على منبتها الأول امرأة ورجل فكأنَّ هذه الثنائية الأزلية هي قدر الإنسان ولا يمكن أن تستقيم حياته إلا بتوفر هذا التوازن *يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى* لماذا؟ لتكاثروا، فالمرأة صانعة الحياة والرجل مخصبها فهل يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر؟

إنَّ هذا التكامل هو مثار الغيرة التي تضطرم في قلب إبليس الذي يسعى جاهداً لتعميق التفرقة ويستغل كل طارىء ليبث الشك وينشر انعدام الثقة في نفس الرجل كما المرأة.

لقد تمكن ياسين أحجام من نحت رؤيته الفنيّة بشكل مابعد حداثي معتمداً على السرد حيناً والشعر حيناً آخر من ناحية المنطوق والرقص مستلهماً من الإرث الصوفي ورقصة الدراويش في استعادة لتراث جلال الدين الرومي في مدينة قونية في القرن الثالث عشر ميلادي، وتعتمد هذه الرقصات على ترديد الأناشيد واستعمال الموسيقى وتدوير الجسد الشاطح نشداناً للحلول في ذات المطلق عبر الذوبان في عشق الخالق، لقد جعل ياسين أحجام من الأداء مرتكزاً مهماً لتبيان وجهة نظره حيث وعلى الرغم من الجو المشحون بين ليليث وآدم إلا أنَّنا كنا إزاء أداء متقن وهادىء  ويرتكز على التقشف في مستويات الحركة والتحرك مع الحفاظ على إيقاع باطني نفسي وإيقاع خارجي متزن ومحسوب، وهذا ما شكل نقطة قوة لافتة في هذا العرض حيث تميزت قدس جندول في استمالة شخصية ليليث إليها، ووجدت معها آفاقاً للتلاقي، وكشفت عن مقدرة احترافية في التلبس والتقمص دون أن تغفل ولو للحظة عن أدق تفاصيل الشخصية من ناحية الصوت وكيفية الإلقاء والماكياج والملابس كما أمسكت بحبل الإتصال مع شريكها في العمل رضا بالنعيم والذي بدوره أبان عن قدرة احترافية في تشكيل صورة تقريبية لآدم الزوج المنهك بفعل الجفاء العاطفي والمشاكل الفلسفية الوجودية التي تغمر عقله فيهرب إلى الإكستازي نشداناً للخلاص من الخوف والإكتئاب وانهيار الثقة بالنفس، لقد اكتمل المثلث بحضور الممثل رشيد العدواني في دور إبليس.

فإذا بنا داخل ثلاثة مشاريع متنافرة : ليليث وبحثها عن الحرية، آدم وحلم الإستمرار عبر الإنجاب وإبليس وهاجس الغواية لإخضاع الإنسان عبر إغراقه في شهواته، وهذا ما خلق طرافة  العرض، إذ تصاعد نسق الأحداث حتى بلغ ذروته، وكان من الضروري أن ينتهي ذلك الصراع بنهاية العنصر الأضعف في تلك الدائرة الطاحنة وهو آدم الذي سحقته المادة المخدرة، ودمرت عقله، ونسفت ذاكرته فتحوّل إلى مجرّد كائن يهذي، وهو في حالة احتضار، ليموت في حضن ليليث التي تصرخ في لوعة وألم، وتردّد أغنية للفنان اليوناني ديميس روسوس” far away ” تخبره أنه سيسافر إلى أرض أخرى وإلى مكان بعيد ولن يعود، هي ليست حزينة على فقدانه، بل غاضبة من رحيله المبكّر قبل أن تستكمل تلذذها أكثر في التنكيل به، فتقرر اللحاق به إذ لا معنى لوجودها من دونه، ويبقي تزوس وحيداً يناجي صديقه نيتشه ويعلق على هذه النهاية المأساوية لرفيقين جمعهما الحب دون الصداقة، فالحب دون الصداقة هو إعدام للزواج الذي سرعان ما يتآكل بفعل اختلاف نظرة كل واحد للعالم وهو ما يؤدي حتماً للتصادم والملل، فيدعو في النهاية هذه البشرية التي أعيته، فيقول في خطاب ملحمي نابع من تجربته الطويلة في سرد الحكايات والأساطير:

تزوس : مصير عبثي تراجيدي، هادشي علاش ما كنحملش الزواج، الزواج في نظري هو أفشل وأغبى وأخطر حاجة اخترعها الإنسان في المرحلة الزراعية للي ظهرت فيها وللأسف شي حاجة سميتها الملكية، جوج دالناس باسم العشق كيحكموا على بعضياتهم بالسجن مدى الحياة، بالموت بدل الهوى، على الأقل كيفما قال صديقي نيتشه الزواج التعيس لا ينقصه الحب بل تنقصه الصداقة، و حتى الكراهية الأقوى تأتي بعد حب عظيم، ومع ذلك حتى أظل أنا راويا للحكايات والأساطير متحكماَ في التفاصيل تزوجوا، تناسلوا، تكاثروا يا أولي الألباب..

بهذا تتحقق أمنياته الشيطانية في إظهار الإنسان ككائن هش وهامشي، وغير مسؤول وتعوزه القدرة على تحمل مسؤولياته  في  خلافة الله في الأرض فالملائكة ستسود وتستعيد مكانتها الحقيقية والتي تستحقها دونا عن الإنسان الدنس الذي يفسد فيها ويسفك الدماء

في خلاصة حديثنا عن هذا العرض المتكامل نشير إلى أن الصياغة النهائية جاءت متوازنة بين ما حمله خطاب النص وما ترجمه الإخراج من دلالات ومعانٍ أفاضت في تصوير حياة الزوجين بشكل رمزي أشبه بالطقس في استعادة للأصول الأولى للمسرح كما سعى إلى ذلك الفرنسي” انطونان آرتو “عندما أكد على مسألة مهمة يمكن أن تنقذ المسرح الغربي من حالة الإفلاس والإنهاك التي عرفها بعد سيادة المسرح البورجوازي ألا وهي استعادة طبيعة المسرح كفن غرائبي وطقوسي لا يصور الواقع لكنَّه يكشف عن الخافي من الذات الإنسانية المتوحشة والميالة إلى العنف ويهدف إلى إحداث الصدمة والخروج عن المألوف والمستهلك فهو ثورة هيكلية على كل ما هو متفق وما أنتجته المؤسسات الدينية والأخلاقية والسياسية والتي تسعى في باطنها دائماً إلى إجهاض حلم الإنسان في الخلاص من معيقات الحرية والقسوة وتمنعه من مسائلة البديهيات التي تربى عليها ونشأ من خلالها، فالعودة إلى الأصول الأولى للنشأة من رقص وموسيقى عززها المخرج هنا بلباس غرائبي مثير للاستفهام، فهو لاينتمي إلى أية مرجعية ولا أي عصر بل هو رؤية فنية رمزية توحي بالمطلق من ناحية المكان والزمان ولا تنحصر داخل هوية أو انتماء، هذا بالإضافة إلى استعماله لتقنية الفيديو التي ساعدت في الكشف عن اللوحات التي كانت ترسمها ليليث والتي غلب عليها اللون الأحمر، دون أن ننسى الإشارة إلى ضرورة الاعتناء بالإضاءة المسرحية فهي ليست مكملاً وإنَّما عنصر أساسي في خلق الجو الطقوسي للعرض حيث كانت الحلقة الأضعف في سلسلة جمالية مترابطة أتقن تشكيلها ياسين أحجام وفريقه.

في الختام يبقى كل مقترح جمالي قابل للنقاش وإعادة المساءلة بهدف الكشف عن خصوصياته الفكرية والتقنية وهل تمكن أصحابها من أن يكونوا أوفياء لطرحهم وهل حققوا الهدف النهائي للعرض ألا وهو الوحدة والتكامل؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى