نصوص

“السيف الأعمى” نص مسرحي للكاتب: أحمد سراج

تأليف: أحمد سراج

كاتب مسرحي وروائي مصري

ـ

يسعد موقع المسرح نيوز نشر نص ” السيف الأعمى للكاتب المسرحي أحمد سراج .. ذلك النص  الذي ترشح للقائمة القصيرة لجائزة “نجمة الذهبية” كاتب ياسين العالمية بالهيئة العالمية للمسرح iti .. مكتب الجزائر في دورتها الأولى 2015م”

إهداء

إليكِ

نفسًا طيبة آملة حانية مبتسمة.

إليكِ

في درب صبرك، ونهر عطائك

الفصل الأول

المشهد الأول

(ظلام شديد.. يقطعه صراخ رضيع ويظهر صوت أمه يهدهده بأغنية، يخفت صوت الرضيع شيئًا فشيئًا إلى أن تسود فترة صمت،…

يقتر صوت بكاء رضيعٍ متعب ثم  دقات متسارعة على باب، يضاء المكان؛ يتكون من غرفة بسيطة الأثاث فيها سرير واحد ينام عليه الطفل الرضيع، ثم ساحة دار متواضعة فيها: مصطبة من الطوب اللبن ملتصقة بجدار غرفة النوم عليها مفرش بالٍ، ثم مساحة خالية يفتح عليها باب البيت…

تخرج هند مسرعة من الغرفة وتفتح الباب؛ لتجد جابر وهو يحمل طفلا رضيعًا).

جابر: كيف تفتحين الباب دون أن تعرفي من الطارق؟

هند: (كأنها لم تسمعه تمد يدها لتأخذ الطفل إلى حضنها تهزه بحنان) من هذا؟ وكيف تضع يدك على فمه؟ كدت تقتله.. سيموت

جابر: (محدثًا نفسه) ليته يفعلها.. (يعود إليها) كاد يفضحني.. إنه.. إنه.. آه.. إنه رضيع وجدته في الطريق وأنا في طريقي إليكِ.(تأخذه في حنو إلى صدرها ثم تلقمه ثديها)

هند: يا ربي، إنه جائع جدا.

جابر: منذ دخول الليل وهو معي.

هند: أما قلت إنك وجدته في الطريق إليَّ؟ ثم هذا…

جابر: (بارتباك) هه.. آه.. لقد فكرت كثيرًا إلى أين أذهب به، فكرت في كثير من رفاقي لكن.. لكن..

هند: (وهي تشير به بالصمت، وتتحدث هامسة) إنه في عمر ولدي تقريبا.. ستة أشهر ويومين.. (تقوم هند بهدوء، وتدخل به غرفة النوم تضعه بجوار أخيه، وتقبلهما وهي تغطيهما بغطاء واحدٍ.. لكن الطفل الآخر يبكي فتبدأ في إرضاعه.. يحادث جابر نفسه.)

جابر: هكذا تنحل العقدة، وأعود لأحصل على حقي. (ينظر نحو الباب الذي نسيه مواربا ثم يسرع بفتحه، ويجذب من يقف في الخارج بقوة) أنت!

ساهر: ما دمت تمتلك هذه القوة، فلم لم تقتل الطفل؟

جابر: ششش

ساهر: بيتُ مَن هذا؟ ولماذا لم تنفذ دورك المتفق عليه (يأتي صوت هند)

هند: هل يريد أحد جيراني شيئا يا جابر؟

جابر: إنه صديق لي، ابقي عندك..  ولا تخرجي.

ساهر: من ه…

جابر: اخفض صوتك… تلك زوجتي

ساهر: لم نعرف بزواجك، ثم إنك لا تغادر القصر إلا لمامًا.. (تعد هند شرابًا.. تلبس جلبابًا وتغطي شعرها بإحكام)

جابر: كف عن الأسئلة، سيختفي الطفل قبل الفجر.

ساهر: ينتظر الملك تقريرًا مني بأنك قتلته.

جابر: قل إني فعلت.

ساهر: لكنك لم تفعل.

جابر: سأفعل.

ساهر: الآن، وأمام عيني. (تخرج هند حاملة صينية عليها كوبين)

هند: اجلسا، واشربا هذا.

جابر: ما الذي أخرجك؟

هند: لا يصح يا أخي ألا يحصل ضيفك على واجبه. (يشير له جابر بالجلوس على المصطبة، فيما تضع هند الصينية وتدخل)

ساهر: ألا تدعوها للجلوس معنا؟

جابر: ماذا؟

ساهر: (في شك) تلك ليست زوجتك…

جابر: وماذا في هذا؟

ساهر: أنك تكذب…

جابر: إنما أجاريك..

ساهر: أعرف أنك تخدعني في كل شيء، ولن تقتل الطفل.

جابر: ما علاقة…؟

ساهر: (مقاطعًا) الكذب هو الكذب… سأبلغ الـ (يقوم فيمسكه جابر، يتعاركان، تنتبه هند.. تمسك بعصا غليظة وتقترب من باب الغرفة.. يسقطه ساهر بلكمة ويخرج خنجره، يزحف جابر نحو الباب يتحرك ساهر.. تخرج هند وتهوي بالعصا على رأس ساهر فيسقط. يسرع جابر إلى التقاط الخنجر ويطعن به ساهر عدة طعنات.. تسقط هند على الأرض مغشيا عليها.. يدور جابر كالمجنون)

جابر: فررت من قتلٍ إلى قتلٍ.. ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ (يأخذ كوبا مما احضرت هند ويتجه إليه يسندها إلى صدره، ويقربه منها) هند.. أختي.. أفيقي.. أختي. (تفتح عينيها.. بطء)

هند: دمٌ هنا يا جابر.. أريد زوجي.. لا تقتربوا من طفلي..

جابر: أفيقي.. لأجل أخيك.. ماذا أفعل؟

هند: ماذا أفعل أنا؟ أين زوجي؟ ماذا تريدون مني؟

جابر: أنا أخوك..

هند: أخي! هل تصدق هذا؟

جابر: اسمعي.. ليس هذا وقت الأسئلة.. ماذا أفعل؟

هند: فيم..؟

جابر: في هذا القتيل بدارك؟

هند: داري.. هل قتلته؟ حاول أن..

جابر: لا وقت لشيء..

هند: احمله على ظهرك.. كما فعل القاتل الأول

جابر: ولو رآني الناس..

هند: يا ويلي.. أفقد أخي أيضًا

جابر: (يتظاهر بالبكاء) ماذا أفعل؟

هند: (تسنده إلى صدرها) لا تخش يا أخي شيئًا.. سنجد حلا..

جابر: حقًّا.. ستجدين.. كيف؟

هند: كما وجدت سابقًا.. سأجد الآن.. (إظلام)

المشهد الثاني

(قاعة ملكية يجلس على كرسي العرش الملك وإلى جواره زوجته بينما يقف القائد منحنيا، وإلى جواره مساعده)

المساعد: الأرجح سيدي أنه قتل.

الملك: (في سخرية) الأرجح (ينظر القائد إلى مساعده)

القائد: الأكيد سيدي، الأكيد. وإلا أين هو؟

الملك: هذا سؤالي أيها القائد الهمام منذ تسعة عشر عامًا، أين هذا الذي سيسلبني عرشي؟

الملكة: لم تبدو قلقًا هكذا، مات، أو قتله رجالنا، أو اختفى…؟

الملك: النبوءة لا تقول ذلك.

الملكة: وهل قالت نبوءة بملكك؟!

الملك: لكن العراف قال كثيرا مما جرى ولا يعرفه سواي

الملكة: ليس كافيا سيدي الملك.

القائد: هل تسمح لي جلالة الملك؟

الملك: هات ما لديك.

القائد: لا أثر لهذا الشيء.. فلقد جمعنا كل من ولدوا في عام توليتك وهم كما ترى.. الأشداء على حدودنا ليقاتلوا بلا عودة والضعاف يعملون على نقل المؤن والخدمة.. لا أثر لأحد.

الملك: وحي الصيادين.

القائد: هؤلاء رُحلٌ بطبيعتهم..

الملك: ليسوا كلهم..

القائد: سيدي.. عفوًا.. سأعيد رجائي للمرة التاسعة عشرة.. ليعطنا العراف اسمًا وسآتيك به.

الملك: هل جئتني بساهر؟

القائد: اختفى ساهر ليلة قُتل الملك.. عفوا ليلة الثورة المباركة.. وهي ليلة فشا فيه الهرج والمرج.. وقتل خلق كثيرون.. واختفى أكثر.. حتى إننا لم نعرف المختفي من المقتول..

الملك: أثق بفطنتك وكفاءتك.. فزد الحراسة حتى ينتهي الحفل. (يشير لهما بالخروج؛ فينحنيان ويخرجان دون أن يعطياه ظهورهما)

الملكة: غدا حفل التنصيب.. أكل ليلة عيد تنكدون علينا هكذا؟

الملك: قال العراف إنها الليلة الموعودة. (تصفق الملكة فيدخل الساقي جابر، ومعه خادمة عجوز تقدم الأكواب ويقف جابر إلى جوار الملك ومعه صينية يضع الملك كوبه فيها بعد أن يأخذ رشفة منه، ثم يأخذه وهكذا، وفي الوضع نفسه تقف الخادمة)

الملكة: العراف.. العراف.. إنها تخرصات وأكاذيب.. طيلة الأعوام السابقة لم يظهر عرافك هذا مرة ثانية..

الملك: أراه كل ليلة.

الملكة: ولماذا لا تأمر بالقبض عليه؟

الملك: سأفعل…

الملكة: وأنا سأقوم لأرى ما أعددنا لابنتنا؛ فقد صارت عروسًا تسر الناظرين.

الملك: تمنيتها ولدا يهيب الصديق قبل العدو.

الملكة: وتزوجت كثيرًا.. ولم تنجب (صمت.. تقوم الملكة فتحمل خادمتها طرف الثوب، ينتظر الملك إلى أن يتأكد من انصرافهما، ثم ينظر إلى جابر)

الملك: كيف ترى الأمر يا صاحبي؟

جابر: عفوًا جلالة الملك.. فما أنا إلا ساقٍ صغيرٌ.

الملك: كان عليك أن تأتني برأس الطفل لتصبح كبيرًا للوزراء.

جابر: من حسن طالعي أنني ألقيته في النهر ونسيت أن أحضر منه شيئًا.

الملك: غبي، كان عليك أن تلمح خاتم المُلك في ثيابه.. كان هذا سيحل كثيرًا مما نحن فيه.

جابر: جلالة الملك.. لقد استتب الأمر… وأنا لم ألمح شيئًا.

الملك: لو وجد صيادٌ هذا الخاتم وعاد به سيكون ملكًا.

جابر: هذا أمر تكرره.. واسمح لي لم أجسر على أن أسألك عن معناه.

الملك: أي معنى أيها الرجل؟ أنت جبان بشكل لا يمكن تصديقه.. عشرون عامًا وأنا أعيد القصة وأنت لا تجرؤ على السؤال.. بم اعترف حاجب الملك قبل قتله؟

جابر: لم أكن هناك حينئذ.

الملك: هذا القصر.. بمن فيه من النمامين والنساء ولا تعرف.. أنت في عالم آخر إذن.. إن الناس تثرثر في كل اللحظات.. وأنت لا تعرف.. حظك أنني بحاجة إلى بئر مهجور.. (يرفع يده اليمنى) هذا الخاتم في بنصري.. أتراه (يهز جابر رأسه موافقًا) إنه خاتم الملك.. هكذا نقول.. لكنه ليس خاتم المملكة.. خاتم المملكة هناك مع الطفل الذي أرسلت به لتقتله وتدفنه… لكنك من جبنك ألقيته في الماء.

جابر: ومن أين لي أن أعرف يا جلالة الملك؟

الملك: ليت كل الناس مثلك.. شرعيتي منقوصة.. لذلك أحصنها بالتنازلات.. والمهادنات والحروب الوهمية.. وبالزواج من زوجة الملك السابق كي لا يقاتلني أهلها.. تعرف.. إنني أحكم أبواب غرفتي من الداخل.. أنام مع زوجتي وسط الحراس.. لا أشرب من الخمر إلا كأسًا كي لا أسكر.. ثمة لعنة تلاحقني..

جابر: أي لعنة؟ الأمر بسيط جدًّا.. أنت الملك ولا أحد ينازعك.

الملك: نعم.. حين تنظر من ناحيتك لا أحد ينازعني.. أما أنا فأرى قاتلي.

جابر: إذن انظر من ناحيتي.

الملك: ليتني.. حين قسمنا الأدوار اخترتُ دورك..  (يدخل الحاجب)

الحاجب: سيدي، لقد أعددنا الغرفة كما طلبت. (يتحرك الملك؛ ويتنظر الحاجب حتى يسبقه بخطوتين ويسير خلفه، فيما يقف جابر متشاغلا بترتيب الأكواب)

المشهد الثالث

(أكواخٌ صغيرة غير متلاصقة، من أحد الجوانب، يظهر جابر وبجواره طفل صغير، يشير له الطفل نحو أحد الأكواخ)

الطفل: هذا هو كوخ الأم التي تريدها (يعدو الطفل بكل قوته نحو الباب) أمي، أمي، شيخٌ يسأل عنك (تخرج هند)

هند: ولماذا تركته يا حبيبي؟ (ترفع نظرها، وتتفرس في ملامح جابر الواقف بعيدًا، ما إن تعرفه حتى تتسع ابتسامتها) جابر.. أخي.. أهلا.. أهلا (يشير لها جابر نحو الطفل، فتنظر إليه) ادخل يا حبيبي، ستجد طعامًا لذيذًا في طبقك (يتقافز الطفل في سعادة وهو يدخل) تعال يا جابر..  تعال. (يقترب جابر منها فتحتضننه بلهفة) يبدو أنك لم تأكل منذ تركتني.

جابر: ولم أنم.

هند: عشرون عاما وشهران.

جابر: بهذه الدقة.

هند: عمر ولديَّ.

جابر: ولداك.

هند: نعم، سامي وهاني.

جابر: ألا تعرفين من منهما.. (تقاطعه)

هند: كلاهما ابني.. وهذا يكفي.

جابر: ماذا لو ظهر أهل من جئتك به؟ (تدمع)

هند: فليأخذ نصف القلب.. ونصف الروح ولا يأخذ أحدهما.

جابر: يبدو انك تزوجت مرة ثانية.. هل هذا الطفل ابنك؟

هند: كل الأولاد هنا يدعونني بالأم.. فهذا هو الكوخ الأول هنا.. ومن بعدي جاء صيادون يعرفون زوجي.. وكلما زاد الظلم كثرت أعداد النازحين.

جابر: ألا تحتاجون إلى ملك وشرطة وقضاة؟

هند: نعيش على رزق البحر.. وهو يكفينا يوما بيوم.. يصطاد الرجال.. وتبيع النساء بصحبة الصغار لأهل القرى المجاورة ويشترين ما يحتجن إليه.

جابر: ما جئت لأحدثك في هذا.. بل جئت لتعودي معي.

هند: تركتني عشرين عاما وشهرين.

جابر: لم يكن بيدي.

هند: لا ألومك.. لكنني زُرعت هنا.. وأبنائي تربوا هنا.

جابر: بيت أبينا ينتظرنا.. لقد اشتريت إلى ما جواره ووسعته.

هند: بيت زوجي موجودٌ إن عدت.

جابر: لو تسمعين.. بيت أبيك كان مجاورًا لبيت زوجك وقد اشتريته.

هند: ممن؟

جابر:  من ديوان المملكة.. فكل بيت بلا أهل يؤول إلى الديوان.. وأنا ساقي الملك.. والكل يعمل لي حسابًا.

هند: لكن هذا بيت زوجي.. وسيعود لـ..

جابر: زوجك لن يعود..

هند: (تدمع عيناها) كيف تقول هذا؟

جابر: الزمن هو من يقول.. مضى عشرون عامًا.

هند: بل عشرون يوما وأحد عشر شهرًا وعشرون عامًا.

جابر: (في دهشة) تعدين الأيام.

هند: والليالي والساعات.. علمني قلبي ألا ينسى..

جابر: كانت ليلة لم تكتمل.

هند: بل عُمرٌ ينمو وينمو.. يزهر وبثمر..

جابر: كان صيادًا عاديًا..

هند: لم يسرق احدًا.. لم يكره مخلوقًا.. كان..

جابر: وها أنت تركت بيته وهربت…

هند: كأنك تنسى تلك الليلة (يرتعد جابر)

جابر: اسمعي.. ثمة نبوءة سرية تؤرق الملك…

هند: أنه سيترك عرشه في موعد تنصيبه.

جابر: كيف عرفت؟ بل يُقتل.

هند: تحكيها النسوة كل انتظار لأزواجهن..

جابر: لا شيء يبقى سرًّا..

هند: لماذا جئت الآن.. يا أخي؟

جابر: لأستعيدك..

هند: بعد كل هذه الأعوام.

جابر: لعلك تنقمين علي منذُ

هند: منذ قتلت صديقك.. (فترة صمت) على كثرة ما مر من السنوات.. يهاجمني ما جرى.. لكنني أحيانًا أشعر بالفخر.. نعم بالفخر.. لأنك واجهت خوفك.. واجهت ضعفك.

جابر: لم أقصد هذا يا هند.. بل أقصد حين لم أقف بجانبك بعد أن غرَّر بك صديقي.

هند: أرجوك لا ترفع صوتك.. ولا تذكر هذا ثانية.. فأولادي في سن الشباب.

جابر: إن كان هذا سيجعلك تسامحينني، فسأفعله.

هند: لم أنقم عليك لأسامحك.. ما ذنبك أنت؟ الذنب ذنب براءتي الأولى..

جابر: هل ابنك منه أو من الصياد؟

هند: ما هذا القول المنتن؟ لا يكون لهذه البراءة والشهامة أن تأتي من خائن حـ.. (يضع يده على فمها)

جابر: اصمتي..

هند: (ترفع يده) هل تخاف علي من الجيران؟ ما من أحد هنا..

جابر: بل أخاف من…

هند: مم؟

جابر: عليك.. أخاف عليك… من أن يحمل الهواء هذا الكلام

هند: لمن سيحمله؟

جابر: لـ… لـ.. لجاراتك وهن عائدات.

هند: لا تخش شيئًا فهذا موعد عودة أبنائي.. وسيكون رائعًا أن تلقاهما.

جابر: بل سأنصرف.. وأرجو ما دمت لن تعودي معي ألا تحدثي ابنك عن زيارتي.. سأعود إليك ثانية.. (يخرج صرة نقود) خذي هذه (تحاول الرفض) خذيها وإن لم تكن بك حاجة إليها الآن.. فسيكون لك بها حاجة عند عودتك.

هند: لن أعود.. لقد حملت على ظهري كل شيء.. ودفعت ثمن أخطائي وأخطاء المدينة بل الملكة.. وها أنا أنتظر..

جابر: تنتظرين وهمًا..

هند: سيأتي.. وله ولدان ينتظرانه..

جابر: ولدان.. لكنني أتيت لك بواحد

هند: لا أذكر هذا.. بل أذكر حلمًا رأيتك تقتل فيه (يضع يده على فمها فتزيحها ببطء) هل تخاف الأحلام؟

جابر: دعينا من هذا الأمر.. أريدك أن تعودي.

هند: لا علاقة لي بما تريد..  (صمت، ثم ينصرف جابر، فيما تجلس على إحدى الصخور)

هند: سببٌ وحيد يجعل لدي رغبة العودة.. أن يأتي زوجي.. فارسي وسيدي.. خطفوه كاللصوص.. كما خطف صديقك قلبي وجسدي.. ولولا فارسي لقتلت نفسي.. لهذا فسأظل له (يظهر من الجانب الذي اختفى منه جابر، وهما يتحدثان، تبتسم عند رؤيتهما، وتقف منادية عليهما في فرح)

سامي: ما زلت تنتظريننا كأننا صغار.

هاني: أنا ما زلت صغيرًا.

هند: لا يكبر الابن على أمه أبدًا.

هاني: أنا جائعٌ جدًّا..

هند: والطعام جاهز..

سامي: لكنني أولاً أشكو لك من هاني..

هند: وهل يشكو من هاني أحدٌ

سامي: اليوم في التدريب.. ترك خصمه ينتصر عليه.

هند: ربما غافله.. ثم هذا تدريب.. سنأكل هنا.. هات الطعام أنت يا سامي. (ينصرف هاني، وتعاين هند جسد ابنها) هل بك جراحٌ؟

هاني: يا أمي.. كان الولد جريحا وخشيت أن أضاعف جرحه.. (يخرج سامي وهو يحمل الطعام)

سامي: جريحًا.. أم أنك حتى لا تغضب أخته.. حبيبة القلب.

هند: ماذا؟ حبيبة القلب..

هاني: إن سامي (يصمت)

سامي: ها.. أكمل.. إن سامي ماذا؟ ما لك سكت كأخيها النائم في الداخل؟

هاني: أخوها عمار الصغير.. سأقوم لأوقظه ليأكل معنا (تربت أمه على كتفه)

هند: لقد أكل.. إنه لا ينام إلا إذا شبع..

سامي: سيستيقظ و.. (يغمز له بعينه) ويطمئن قلبك. (يشرعان في الأكل، يخرج عمار بعد قليل)

هاني: تعال يا عمار.. تعال لتأكل.

عمار: لقد أكلت.

هاني: انتظر حتى أوصلك للبيت.

سامي: إنه يعرفه جيدًا.. عمار يحفظ هذا المكان عن ظهر قلب.. لكن لخاطر عيونك يا هاني (ينادي عمار) تعال لتأكل يا عمار.. وسيملأ هاني جيوبك بالمحار (يقترب عمار ويجلس بينهما)

هاني:  كل يا عمار.

سامي: علام تقبض بيمينك هكذا. (يرفع عمار يده بقطعة معدنية)

عمار: أعطانيها الرجل الذي كان يسأل عن أمي هند.. جعلني أعرفه بكل الطرق التي أعرفها (تتوقف هند عن الأكل، وتحدق في العملة ويبدو عليها الشحوب الشديد)

سامي: (في شك) رجل أي رجل يا أمي.

هند: (في ارتباك) صديق قديم لأبيكما.

هاني: وهل رآه يا أم؟

سامي: يا أمي.. لقد ولدنا ولم  نر أبي.. (تقاطعه دامعة)

هند: سيعود..

سامي: (بغلظة) لا يعنيني هذا.. كيف يعرف مكاننا صديق قديم له؟ من هذا الرجل؟

هند: (في غضب) ماذا تقصد؟ سيعود قريبًا واسأله..

(ستار)

المشهد الرابع

(الملك يروح ويجيء أمام كرسي العرش)

الملك: لا بد لهذا الكابوس من أن ينتهي.. أريد أن أعيش يومًا واحدًا كما يعيش الناس.. أريد أن يوقظني أحد.. أن أتمطى في فراشي.. أن أغمض عيني وأنا أقبل امرأة… أن تهتز الستائر عن نسمة أو نسمتين.. (يدخل الحاجب) ماذا لدينا؟ أسرع.

الحاجب: العراف في الطريق.. وقد أرسل القائد جنديا طائرًا ينبئ أنه قادمٌ بالأسرى.

الملك: انصرف ولا تدخل علي إلا بأحدهما. (يخرج الحاجب) ما أشهى الحياة قبل أن يفاجئني العراف بهذه النبوءة السخيفة! (يصفق) إلي بالشراب (تدخل الخادمة) أين الساقي الخاص بي؟

الخادمة: إنه متعبٌ قليلا.. ولم تشأ مولاتي أن يسقيك خادمٌ جديد لا يعرف ما تحب.

الملك: ولا أنت تعرفين..

الخادمة: هل أخطأت في المشروب سيدي؟

الملك: لا، لكنني لا أشرب إلا من يد جابر (يشير لها بالانصراف) جابر هو الوحيد الذي لا يجرؤ على التفكير في الإقدام على اقتراف جريمة.. فكيف بتسميم ملكه وصديقه القديم. (يدخل الحاجب وخلفه العراف).

الحاجب: العراف يا جلالة الملك. (ينحني العراف)

الملك: أين كنت أيها الرجل؟

العراف: طوع أمر مولاي الجبار.

الملك: (يشير للحاجب بالخروج، ويعود إلى كرسي العرش) هل هناك وسيلة لمنع قتلي؟

العراف: لم تقل النبوءة إنك ستقتل.

الملك: أما قالت بأنني سأفقد عرشي؟

العراف: بلى، (بصوت عميق) في ليلة يكتمل فيها البدر.. ويتجمع المهنئون من كل حدب وصوب.. يأتيك فتى من عمر مملكتك فيسلبها منك.

الملك: حين يفقد الملوك عروشهم؛ فالموت أفضل ما يسعون إليه

العراف: أنا رجل أخطأت نبوءاته أكثر مما أصابت… (يشم الهواء ويحدق فيه الملك)

الملك: ماذا هناك؟

العراف: رائحة النبوءة

الملك: بل رائحة الفتى.

العراف: هل صار جلالة الملك عرافًا؟

الملك: منذ قلت لي نبوءتك.. وأنا أبحث عنه.

العراف: شيئان لا يمسك بهما الماضي والقادم (يدخل الحاجب)

الحاجب: مولاي، حضر القائد ومعه في الأغلال عشرون شابًا مقيدًا.. (يتهلل الملك فرحًا، ينظر إلى العراف)

الملك: هل تستطيع أن تخرج قاتلي منهم.

العراف: عفوًا جلالة الملك.. لم أفهم

الملك: تقول إن شابًّا ولد في المدينة عام توليتي.. سيقتلني ويزيحني عن العرش.

العراف: جلالة الملك.. حتى لو كان موجودًا فلن أستطيع إخراجه.. فما لدي هو النبوءة.. أما هو.. فمخبوء مخفي حتى يحين موعده.

الملك: إذن أقطع رؤوسهم جميعًا.

العراف: وماذا لو كان غير موجود بينهم؟

الملك: وماذا لو كان؟

العراف: إن قتلته فلن يقتلك. (ينهض الملك في ثورة)

الملك: أيها المخرف.. أتعبتني. ونغصت علي ملكي.

العراف: مولاي، هبني كاذبًا.. اقطع رأسي وأرحني.. قل لي ماذا يرضيك وأنا أنفذه.

الملك: ملكي.. حياتي.. حريتي..

العراف: جلالة الملك.. أنت مالك حياة الأحرار..

الملك: لم تكذب لك نبوءة واحدة.. تذكر حين رأيتنا وكنا حفاة جائعين.. فانحنيت أمامي متبتلاً: جلالة الملك.

العراف: أجل جلالة الملك.

الملك: تركتنا وانصرفت وقد أذهلتنا نبوتك عن جوعنا، بعدها بأيام قبض علينا الجند فصرنا جندًا؛ فـ.. فصرت ملكًا.

العراف: مولاي، أنا رجلٌ طاعنٌ…

الملك: اصمت.. ليلة صرت ملكًا.. لم يعد صديقي وسِري خرجت لأبحث عنه.. فوجدتك تنهرني: عد لبيتك أيها القتيل. (يدخل الحاجب)

الحاجب: هل يأذن مولاي لقائد الجند بالدخول؟

الملك: أدخله.. (يتحرك الحاجب خطوتين إلى الوراء، ويشير فيدخل قائد الجند، يدخل بخطوات سريعة كقائد منتصر دون أن ينحني، يشير له الحاجب ان ينحني، فيرتبك، يعود الملك إلى عرشه، معطيا ظهره للقائد الذي ينحني مسرعًا، يعود الملك بظهره إلى الخلف، ويظل القائد منحنيا.. فترة صمت.. يتدخل الحاجب)

الحاجب: جلالة الملك.. سيقدم قائد الجند تقريره عن.. عن.. عن عمليته الحربية الأخيرة.

الملك: (من شروده) هه.. تقريره. حربية.. (ينتبه) ماذا لديك أيها الهمام.

القائد: لقد أسفرت عمليتنا عن القبض على عشرين شابًا تنطبق عليهم الصفات..

الملك: عشرين.. هذا يعني أنه كانت هناك مدينة بكاملها.

القائد: لو تركناها لتفاقم الأمر.

الملك: تفاقم.. كم بيتًا وجدتم.

القائد: قرابة الأربعين كوخًا.

الملك: وكيف خفي هذا عن رجالك؟

القائد: إنهم.. كانوا في الجزء الذي تنازلنا عنه للـ…

الملك: نعم.. نعم.. تقصد في المنطقة الفاصلة.. التي جعلناها بيننا وبين عدونا.

القائد: نعم سيدي.

الملك: ومن دلكم على أن هؤلاء من مملكتنا.

القائد: رجالنا يا سيدي.. وقد رصدنا العدو بدقة.

الملك: سيأتي معك العراف.. وأظن أنك تصدقه الآن.. فها هو يعرف قبل رجالك النبهاء بوجود من قبضت عليهم. (ينظر إلى الحاجب) ائتني بالساقي

القائد: كما يأمر جلالة الملك.. (ينصرف الجميع، ويعود الملك إلى عرشه، تدخل الملكة)

الملكة: غزوة موفقة..

الملك: لا يخفى عليك شيء.

الملكة: وهل تريد أن يخفى؟

الملك: لا يتمنى ملك إلا أن يكون له جيش نساء.

الملكة: جيش نساء! (يدخل جابر)

الملك: يتشممن الأخبار.. يكبرنها.. يرسلنها أسرع من الريح..

الملكة: لعلك تستريح الآن.. (يقدم جابر للملك شرابه، بعد أن يتذوقه) كيف تشرب بعد هذا الساقي.

الملك: أيهما تفضلين.. الموت مسمومًا.. أم الشرب بعده؟

الملكة: السم طبعًا..

الملك: جيدٌ أن أخبرتني..

الملكة: يبدو مزاجك رائقًا.

الملك: أحاول.. (فترة صمت.. تقوم الملكة)

الملكة: أريد أن أعيد حفل تنصيبك.. وتطل على الناس بهذه الهيئة.. هل تريد مني شيئًا؟

الملك: سآتيك بعد قليل. (تنصرف الملكة، يلتفت الملك لجابر)

الملك: شرابك حلو هذه الليلة

جابر: فمك يحلِّي الأشياء جلالة الملك.. (يدخل الحاجب)

الحاجب: حكيم المملكة.

الملك: أدخله. (يعود الحاجب معطيا الإذن للحكيم، يعود جابر إلى يمين الملك)

الملك: تذكر نبوءة العراف..

الحكيم: نبوءة الملك؟

الملك: بل العزل.

الحكيم: نحن نصدق ما نحب وما نخاف.

الملك: نعم..

الحكيم: نحن نصدق ما نحب أن يحدث.. ونظل منتظرين أن يحدث ما يخيفنا.

الملك: أكمل.

الحكيم: ما من ملك رقي العرش ومات على فراشه.. إلا إذا

الملك: إلا إذا..

الحكيم: إن اقترب من الناس.. خرج إليهم..

الملك: يقتنصه سهمٌ موتورٌ..

الحكيم: جلالة الملك، هل تريد حياتك أم العرش

الملك: العرش وحياتي..

الحكيم: إن التف الشعب حولك فستعيش ملكًا. (فترة صمت) هل خدمت مولاي، كما أراد؟

الملك: أوصني.

الحكيم: لتعص أم لتنفذ.

الملك: لك القول ولنا الفعل.

الحكيم: أطعم رعيتك يكونوا درعك، الخوف صديق الإنسان وعدوه، الإنسان طبيب نفسه، معرفة أساس الجرح أصل الدواء والأدواء. (فترة صمت، ينصرف الحكيم.. فترة صمت)

الملك: هل وعيت ما قال يا جابر؟

جابر: لقد عكَّر دمك بما قاله.

الملك: دوائي عندي.

جابر: كيف؟

الملك: تذكرنا قبل دخول القصر.

جابر: حفاة عراة جوعى.

الملك: أين هند يا جابر؟

جابر: هند

الملك: أختك هند.

جابر: لا أدري يا مولاي.. لقد اختفت

الملك: كانت قد أنجبت..

جابر: ولد.. اثنان..

الملك: لا تعرف ماذا أنجبت أختك؟

جابر: لقد أنجبت في وقت مشحون بالأحداث.

الملك: قبل أن ننزع الملك بأشهر قليلة.. في الليلة التي أنجب فيها الملك السابق ابنه.. أذكر هذا جيدًا.. ما كنا لنصل للمُلك إلا بهذا الابن فلولاه، ما ثمل الحراس جميعًا.. وما تيسر لنا تنفيذ خطتنا.

جابر: خطة محكمة من ملكٍ أريبٍ.

الملك: أديت فيها دورك.. ببراعة..

جابر: خادمك يا سيدي.

الملك: أما زلت ناقمًا علي؟

جابر: كلنا طوع أمرك.

الملك: ترى أنك قريب من الخطر لأنك تتذوق كل شيء قبل أن يدخل فمي.. أنني لم أمنحك الوزارة.. (يدخل الحاجب ومعه ورقة مختومة وإناء ممتلئ بالماء، يقدم الورقة للملك الذي  يقرؤها في اهتمام، ثم يغمسها في الماء، ويظل صامتًا)

المشهد الخامس

(هند جالسة في ساحة دارها القديمة، وقد وضعت يدها على رأسها)

هند: يا ضي العين يا كبدي.. أين أنت الآن؟ (تمسح دموعها المنهمرة، يطرق الباب فتعدو نحوه، يدخل هاني، يقبل رأسها صامتًا)

هند: (من بين دموعها) عرضتك للخطر يا ولدي.

هاني: إنه أخي يا أمي.

هند: لكنك لا تعرف الطرق هنا.. والعسس في كل مكان.. يشمون رائحة الغريب.. خفت ألا تعود

هاني: أمي.. ما سأقوله الآن هو لك وحدك.. أنا أدخل هذه المدينة منذ خمسة أعوام.. يعرفني شبابها وأعرفهم..

هند: وتخفي عني.

هاني: أمي، لا تغضبي علي، دعينا نفكر في أخي.

هند: زوجٌ غائبٌ وابن حبيسٌ.

هاني: سيعودان.. سيعودان.

هند: بل نرحل نحن..

هاني: لن أترك أخي…

هند: حين يخرج.. سنعرف، أما إن بقينا…

هاني: لن أهرب ثانية

هند: كنت رضيعًا حين خرجنا.

هاني: أعني حين هاجمنا الجند على الشاطئ..

هند: خرجت أنا وأخوك لنبحث عنك حين صرخ الأطفال أنهم قادمون، وصفت له الدرب الوعر لنلتقي هناك، وجدتك وتحركنا لكنه لم يأتِ.

هاني: كان علي العودة والقتال.. لولا.. لولا.. لولا بكاؤك وتشبثك بي. (يطرق الباب؛ فتضع يدها على فمه وتشير له بالدخول إلى الغرفة، تفتح الباب، يدخل جابر مرتجفًا)

هند: هل وجدت ابني؟

جابر: وهل أعرفه لأجده.. عشرون شابًّا في العمر نفسه.. يرتدون الأسمال ذاتها.. وهبيني وجدته.. كيف أخرج به؟

هند: عفو ملكي.. ألست قريبًا من السلطان؟

جابر: بما يكفي لجز عنقي إن طلبت هذا الطلب.. أول ليلة ينام الملك.. منذ عشرين عامًا.

هند: مرت ككل ليلة دون نوم.. ما زاد علي هو أن الغائبين زادوا واحدًا.. (تمسك به من طوقه) سأقابل الملك وأطلب ابني.

جابر: (يخلص يديها) لقد سألني عنك.. (يتحسس عنقه) يداك قويتان.

هند: من سألك عني؟

جابر: من ماذا؟

هند: من سألك عني؟ (يصمت) من سألك عني؟ (يُدفع الباب، ويدخل ثلاثة ملثمين، يشهر اثنان منهما سيوفهما ويقفان خلف الثالث الذي ينزع لثامه؛ فإذا به الملك)

الملك: أنا.

جابر: جلالة الملك.

هند: (بدهشة) أنت..  (تصرخ في حدة) أريد ابني

ستار

الفصل الثاني

المشهد الأول

(القاعة الملكية تجلس الملكة على كرسي الملك، وابنتها درة إلى جوارها)

درة: هذا الكرسي متعب يا أمي.

الملكة: غدا أو بعد غد تتعودين عليه.. العالم كله يتودد لصاحب هذا الكرسي، بيده الأمر كاملاً.. (تنظر إليها في إعجاب) هذا الفستان جميل جدًّا…

درة: نعم يا أمي.. رغم أنك رفضت أن أرتديه أول مرة…

الملكة: لم يكن منظره فخمًا هكذا.. ومادته تشبه ما يلبس العامة..

درة: (في فرح طفولي) تعرفين.. الفتيات في المدينة.. لا في المملكة كلها.. يطلبن ليلة زفافهن أن يرتدين ثوب درة.. صار اسمي..

الملكة: أنت حلم يا بنتي.. لهذا خلقت الأميرات.. (يدخل الملك مسرعًا يهرول خلفه الحاجب، تقف الملكة مرتبكة فيما تظل درة في مكانها، يصعد الملك ويجلس صامتًا، تتحدث الملكة بصوت متردد) هل كان يومك… (يقاطعها في غلظة وهو يشير للحاجب بالخروج، وينظر لابنته).

الملك: قولي لأمك ألا تجلس مكاني مرة ثانية. (تنظر درة في الأرض صامتة، فيما تندفع الملكة)

الملكة: ماذا بك؟ تحاول أن تصنع مشكلة بلا سبب.. أنا ملكة

الملك: أنت امرأة لم تنجب وريثًا للعرش.. (تتراجع مبهوتة؛ فيكمل في غلظة) لم يعد بي طاقة لتحمل هذا الجنون (تشير المكلة لابنتها بالخروج فتخرج، وتقف هي في مواجهة الملك)

الملكة: الجنون هو ما أعيشه.. أستطيع ان أعد الليلات السود التي نمت فيها في مخدعنا.. لم أذق النوم لحظة  مما أرى منك.. وها أنت تجد من تخاف منه وتقتله.. ولا شيء يتغير.. رحل الخوف وحل الغضب..

الملك: مملكتي محاصرة بالطامعين..

الملكة: أضمن لك أهلي في الجنوب، بل إنهم ينتظرون إشارة مني لدعمك

الملك: دعمي.. إشارة منك… اسمعي.. لي طلب وحيد.. لا تجلسي مكاني مرة أخرى.. وإلا

الملكة: وإلا ماذا؟

الملك: قطعت رأسك (تتراجع مبهوتة وهي تطلق صرخة استنكار وخوف، تخرج مسرعة، فيما يصفق الملك، يدخل الحاجب) أين الساقي؟ (يخرج الحاجب، فيما يترك الملك كرسيه  ويحدث نفسه) أهلها يدعمونني ويلتهمون قطعة أخرى..  هي تأكل الأموال بحفلاتها وهم بدعمي (يدخل جابر، يقدم الشراب للملك) ذقه أولاً (يتذوقه ثم يقدمه له) كيف حال أختك؟ أقصد.. أبناءها.

جابر: في خير حا.. (يقاطعه)

الملك: أصدقني…

جابر: (يرتعد) تبحث عن زوجها..

الملك: زوجها! ألم يكفها أن أعدنا لها ابنها.. ثم كيف أنجبت ابنين من رجل لم يبق معها سوى ليال معدودة؟ (يهم جابر بالحديث إلا أن الحاجب يظهر)

الحاجب: مولاي، قائد الجند

الملك: أبقه إلى أن يخرج الساقي(يخرج الحاجب) اذهب وأحضر أختك.

جابر: إلى هنا

الملك: الآن (يهرول جابر، ثم يدخل قائد الجند مسرعًا)

قائد الجند: جلالة الملك.. لقد تأكدنا من تحرك الأعداء من ناحية الشرق..

الملك: ألم ترسل لهم أحدًا لتعرف ماذا يريدون؟

قائد الجند: نصف مزروعاتنا وصيدنا في الشرق.. ونحن لا نستطيع الوفاء.. ( يقاطعه الملك)

الملك: حين تكون قائدا للجند لا تفكر في التفاوض ولا في تلبية رغبة عدوك.. (تبرق عيناه) اسمع.. أريد تقريرًا وافيًا بجيش العدو.. وتقريرًا أكثر وفاء بمقدراتنا.. وأخرج من يدعو القادرين للاشتراك في الدفاع عن المملكة..

قائد الجند: أمرك مولاي، لكن لدينا ما يكفي من المرتزقة والجنود.. وأخشى أن يقوم أبناء المملكة بالانقلاب علينا إن امتلكوا السلاح.

الملك: أيها الجندي، المرتزق يحمي من يدقع أكثر، أما ابن المملكة فلن يفكر في قتل ملكه والعدو على الأبواب.. (يقترب منه ويضع يمناه على كتفه) يموت ابن المملكة دفاعًا عنها.. ولبعد الحرب حديث آخر.

قائد الجند: هذا صحيحٌ سيدي..

الملك: سأخرج معكم للقتال

قائد الجند: والعرش

الملك: لو انكسر الجيش فسيأتي الأعداء إلى هنا

قائد الجند: عفوا مولاي.. ربما اكتفوا بما أخذوا.

الملك: لا يكون الملك ملكًا إلا إن عض بنواجزه على كل شبرٍ.. ودافع عن حدوده كما يدافع عن عرشه..

قائد الجند: هو ذاك سيدي.. لكن هل سنترك… (يقاطعه الملك)

الملك: ائتني بما طلبت فحسب (يخرج قائد الجند، يدخل الحاجب)

الحاجب: ملثمٌ بالباب.

الملك: أدخله ولا تدخل أحدًا، واجعل طريق خروجه مخفيًا. (يدخل الملثم) هات ما لديك.

الملثم: يقدم للملك أوراقًا.. تلك أرض المعركة..

الملك: هل لديك جديد؟

الملثم: لهم عيون في القصر

الملك: هل عرفتها؟

الملثم: يحكي جنودهم عما يجري في المدينة.. ولقد سمع رجالي الحكايات التي قلتها لي وقلت إنه لا يعرفها سوى من في القصر.

الملك: وماذا يقولون عن قائد الجند.

الملثم: حاولوا شراءه..

الملك: ثم

الملثم: ينتظرون الرد.

الملك: ربما لا يعرف رجالك الرد.

الملثم: حاجب قائدهم في يد إحدى نسائنا.

الملك: حاجب القائد!

الملثم: نعم، حين علمنا بقرار الحرب.. جعلنا امرأة ممن تسكن بلده توقعه.. فيصحبها على أنها زوجته..

الملك: هل تستطيع المرأة إدخال أحد رجالنا.

الملثم: إلى خيمة الحاجب.

الملك: بل.. إلى خيمة القائد.

الملثم: سنرى

الملك: تذكر.. طعنة واحدة في جوف الليل ستغنينا عن مئات القتلى.. ومعركة غير مضمونة.

الملثم: هو ذاك يا مولاي.

الملك: لهذا خُلقٍت النساء. (يخرج الملثم، فيما يفتح الملك خريطة الأرض) أرض وعرة.. لا تزرع.. لم يريدونها؟ نعم.. لقد زرتها قديمًا.. إنها مرتفعة قليلاً (يدخل الحاجب)

الحاجب: مولاي، الساقي ومعه الحائكة.

الملك: الحائكة.. أها.. أدخلهما. (تدخل هند وجابر) هل يجب أن أستدعيك لأراك؟ أهذا اتفاقنا..

هند: (في ثبات) جلالة الملك، أنا في بيتي، وولداي ينفذان القوانين بدقة تحت عين رجالك. (يشير الملك لجابر بالانصراف، ويصمت إلى أن يخرج)

الملك: أريد أحدهما.

هند: ماذا؟

الملك: أحدهما ابني.

هند: ابنك.. من قال هذا؟

الملك: هل نسيت؟ (يشيح بوجهه بعيدًا)

هند: لا أذكر إلا..

الملك: هه..

هند: أذكر سرابًا.. شبحًا ضالاً..

الملك: ألا تعيدينه إلى حقيقته

هند: تلك حقيقته.. وهمٌ خداعٌ..

الملك: بل عاشقٌ أضناه الشوق..

هند: فخدع حبيبته وفر.. تاركًا إياها وفي بطنها…

الملك: نعم، أكملي

هند: حسرة.. في بطني حسرة (يتراجع حزينًا فيما تكمل في ألم) ما معنى أن تهبك امرأة نفسها.. أنك فارسها الوحيد.. سيدها المنتظر.. أخوها وأبوها وابنها.. ماضيها ويومها وغدها.. ما معنى أن يخون.. أن يسقط.. أن يموت كل شيء.. (يقترب منها)

الملك: وها أنذا أعلن أنك

هند: لست لك.. أنا لرجل أهدانيه البحر ذات فجر.. وسأظل له..

الملك: ذلك الصياد البائس

هند: هذا سيدي

الملك: لكنه مات.. مات

هند: من قال لك؟ حتى لو قتلته.. فلن يموت

الملك: لم تتركي لي خيارًا..

هند: ماذا تعني؟ هل ستحبسني

الملك: لا، سآخذ الولدين

هند: لن تجرؤ على أن… (يقاطعها في قسوة)

الملك: اسمعي يا امرأة.. أنا أجرؤ على فعل كل شيء.. وكل ما هنا ملكي.. سأرسل ولديك إلى الحرب.. وإن عادا.. فإلى السجن. وأظن أن أمامك ثلاث فرص.. ولا تظني أني غير قادر على أخذك أنت عنوة..

هند:  فلم تعذبني إذن؟ خذني واترك ولدي.

الملك: هل هما مني؟

هند: لا..

الملك: أنت وذاك.. (ستار)

المشهد الثاني

(تروح  هند وتجيء في ساحة دارها )

هند: ماذا فعلت لكي أنال هذا العقاب؟ هل سيعود ولداي أم سيختفيان كزوجي؟ (يطرق باب الدار فتسرع نحوه، يدخل جابر ملثمًا.. ينزع لثامه)

جابر: اطمئني هما بخير.. قتلا قائد جند العدو.

هند: المهم هل هما بخير؟ أين هما؟ (يصمت) لماذا صمت؟ أين هما؟

جابر: كانت المهمة مستحيلة.. لذلك قرر الملك أن..

هند: لا علاقة لي بقرار هذا القاتل.. ولداي.. أريدهما

جابر: (يمسك بكتفيها) اصبري، ولداك في مأمن لكنهما لن يغادرا القصر الملكي.. فقد وضع ابنته مكافأة لقاتل قائد العدو.. ولسبب لا اعلمه اختارهما لأداء المهمة.. وقرب الفجر.. أطلقا الإشارة المتفق عليها بعد الإجهاز على القائد.. ولم يأت الصباح إلا وجيش العدو فلول أو أسرى أو أشلاء.. هكذا قالت خطبة الملك.. وغدا يعود الجيش.. لكن.. لكن

هند: هل أصيب أحدهما بسوء؟

جابر: لا.. لا يجوز أن يجلس على العرش رجلان

هند:  سأطلب منهما التنازل عن الأمر والرحيل من هنا..

جابر: تلك فرصتنا لاسترداد الملك

هند: الملك!

جابر: أو ليس أحدهما ابن الملك المقتول؟

هند: جابر.. أنا الوحيدة التي تعرف مكان الشخص الذي قتلته هنا.. وعليك أن تحفظ سري لأحفظ سرك..

جابر: لا أفهم شيئًا.. هند الرقيقة..

هند: اسمع.. إلا ولداي.. لقد ضحيت بكل شيء.. وأعلم كم خنتني.. وأنك من أبلغت عن مكاننا..

جابر: كان هذا للمصلحة العامة.. الملك.. فالملك الحالي بلا سند شرعي.. لا خاتم ملك.. لا وراثة.. لا معركة عظمى.. وها هي الفرصة أتتنا..

هند: لا

جابر: ماذا لو دللتك على مكان زوجك..

هند: إذن هو حي.. حي..

جابر: ماذا قلت؟ العرض واضح تمامًا..

هند: أريد زوجي

جابر: وأريد ابن الملك والخاتم

هند: الخاتم.. أي خاتم؟

جابر: خاتم الملك الذي كان مع الطفل..

هند: لم يكن معه شيء

جابر: لكن الملك قال إنه كان معه

هند: هذا كذب، كما قال إن هناك شابا من عمر توليه سيقتله..

جابر: ولماذا يكذب؟

هند: اسأله.. (صمت) أين زوجي؟

جابر: سآتيك به.. لكن الأمر يحتاج إلى ترتيب وكتمان.

هند: أريد زوجي ولا علاقة لي بشيء (طرقات سريعة على الباب)

صوت الولدين: افتحي يا أماه.. لقد عدنا (تعدو لتفتح فيمسكها جابر) وأنا.

هند: خالهما. (تفتح الباب يرتمي الولدان في أحضانها في عناق شديد)

هاني: أخيرا عدت إلى حضنك يا أماه.. لقد طرنا من المعسكر قبل الرحيل بيوم. (يشير سامي إلى خاله)

سامي: أظن أنني رأيتك

جابر: أنا ساقي الملك

هند: هذا خالكما جابر.. وهو من كان يزورنا ويمدنا بالأموال.

هاني: وهو من ساعدنا في إعادتك بعد القبض عليك

جابر: وكيف عرفت؟

هاني: كنت في الغرفة.. وسمعت كل ما دار.

سامي: لكنك لم تقل لي شيئًا..

هاني: وهل وجدنا وقتًا لنقول شيئًا؟ لقد خرجت من محبسك إلى الخرب ولم نلتق إلا ليلة مهمتنا..

سامي: لولا الظروف لكان الملك أولى بالقتل.

جابر: اقترب أحدكم من أن يكون مكانه.. ثم تعلما.. هنا الهواء له أذان.

هاني: (يتحرك نحو أمه) أمي نحن في ورطة

سامي: هل تسمي الملك ورطة؟

هاني: أحوال المملكة سيئة.. وتلك مسؤولية جسيمة.. وما زلنا صغارًا على

سامي: هذا كلام نقوله في الخطب.. أمام العامة (يهز جابر رأسه معجبا ومبتسما) أما الحقيقة فالملك تحكم في الرقاب وفي العباد.. والملك هو.. الـ.. ال.. الحاكم بأمره.

هاني: جاوزت الملك ابتلاء. (يتدخل جابر)

جابر: إذن هل تتنازل لأخيك عن الملك؟

هاني:  إن أقسم لي أن ينفذ العدل

جابر: وأنت

سامي: سيقسم بسهولة.. وأنا كذلك

هاني: ما دمت لن تعاقب رجلاً سرق ليسد جوعه فسأبايعك..

جابر: هكذا ستصبح المملكة كلها لصوصًا..

سامي: العدل سيف على الرقاب

هاني: العدل واحة للجميع.

هند:  سنترك هذا الأمر.

جابر: فات الأوان..

هند: لم يفت شيء بعدُ.. ألا تقول لهما عن الأمر الذي.. (يسحبها من ذراعها بعيدًا)

جابر: كيف أحادث مرشحين للملك عن مجرم عتيد.. (يتبادل الولدان النظرات)

سامي:  أي أمر؟ ولماذا أخذت أمي بعيدًا هكذا..

جابر: أي أمر؟ آه.. آه.. هذا أمر خاصٌّ بزواجكما.

سامي: سيتزوج أحدنا فقط..

هاني:  لن أتزوج ابنة الملك.

جابر: ماذا؟

سامي: الزواج شرط المُلك.

جابر: لكن هكذا حلها هاني..

هند:  ادخلا غرفتكما حتى أعد الطعام.. ثم نرى هذا الأمر (يتبادل الولدان النظرات) ماذا هناك؟

هاني: (بلهجة رقيقة)  أمي الحبيبة.. نحن على قوة المعسكر.. ولا بد من عودتنا الآن..

سامي:  قلت لك لم يكن ضروريًّا.

هند: (في حزنٍ) حضن أمك لم يكن ضروريًّا

هاني: (يقبل جبين أمه) ليس هذا ما يقصد يا أمي الحبيبة.

سامي: بل هو ما أقصد.. فها نحن أثقلنا عليها بفراقنا.

جابر: إذن انصرفا.. وسأوالي أمكما بالأخبار (يعانقان الأم ويخرجان، تقف صامتة) لا أدري لماذا هذا الحزن وأنت أم الملك القادم…

هند: هل تظن أن رفيقك سيترك أحدهما؟

جابر:  إنه مجبرٌ على ذلك…

هند: من يجبر هذا؟ اسمع، لن أبدل قراري.. سآخذ زوجي وابني ونرحل.

جابر: بل اسمعي أنت.. سأخرج زوجك من محبسه.. على شرط وحيد..

هند: شرطٌ وحيد.. ما هو

جابر: ستعرفينه في حينه.. (محذرًا) إياك أن يعرف أحدٌ شيئًا عن زوجك (يخرج فيما تحادث نفسها)

هند:  حين يخرج زوجي الحبيب.. ماذا سأقول له عن الولدين.. هل سيتركنا الملك؟  ولماذا ألقى به في السجن؟

المشهد الثالث

(القاعة الملكية يجلس الملك ويصعد إليه الناس لتقبيل يده ومباركة الانتصار، ثم يقفون على هيئة صفين، بعد آخر واحد يشير لهم الملك بالانصراف؛ فيخرجون، عند وصول قائد الجند إلى نهاية القاعة يوقفه الحاجب، ويهمس في أذنه فيعود إلى الملك)

قائد الجند: أمر مولاي

الملك: أردت أن أشكرك..

قائد الجند: مولاي الشكر لك؛ فقد

الملك: (يقف ويبدأ في النزول) لم يتوقع أحدٌ هذه الخطة..

قائد الجند: خطة عبقرية…

الملك: كان يمكن أن لا نحتاج إلى كل هذا.. وربما كنت أنت المستحق لهذا الكرسي

قائد الجند: ما يعنيني هو خدمة المملكة؟

الملك: وهل ترى من خدمة المملكة أن تتفاوض مع العدو والقريب

قائد الجند: العدو والـ… (يقاطعه الملك)

الملك: أما العدو فالمفاوضات لم تتوقف.. وتضمنت مزايا بلغت حد حكم المملكة.

قائد الجند: لكنني رفضت.

الملك: وهذا ما أشكرك عليه.. لكن لمَ لمْ تخبرني.. هل خشيت ألا أحسن التصرف؟

قائد الجند: مولاي.. (يصمت)

الملك: مولاي ماذا؟ مولاي وسكت..

قائد الجند: أنا.. أنا

الملك: سأقول لك أنا ما لدي (يصفق، فيدخل الحاجب) أدخل الملكة فقد طال انتظارها (يأتي صوت الملكة)

صوت الملكة: كيف أقف ببابك كالـ.. (تصمت لأنها ترى قائد الجند)

الملك: أكملي.. كالأغراب.. كالأعداء.. (يشير إلى العرش) هذا هو العرش ال    ذي كنت تدبرين للجلوس عليه أنت وقائد الجند (يضع قائد الجند رأسه في الأرض فيما ترفع الملكة صوتها)

الملكة: ما هذا الجنون؟ لقد كنت في شبه غيبة تبحث عن قاتلك المنتظر.. لهذا تعاونا على..

الملك: على تقليص قوتي.. على إنهاك الخزانة.. على تشتيتي بعدو من جهة فيما يضغط علي أهلك لأخذ قطعة من أرضي من جهة ثانية..

الملكة: لا.. ليس هكذا..

الملك: ثمة ما يجب قوله.. أنا رجلٌ لا ينام.. لا يثق بأحد.. ولأعترف بأن حكاية قاتلي المنتظر كانت خدعة.. كذبة كبرى..

قائد الجند: ماذا.. لكن

الملك: كل شيء مدبرٌ يا عزيزي.. أعرف أنه كانت لكم عيون خلف الجدران لذلك فالعراف كان يأتيني في موعده.. ليقول الكلام نفسه..

قائد الجند: لكن حديثي مع  الملكة..

الملك: منذ عام فقط (صمت) ماذا لو لم يكن هناك قاتلٌ منتظرٌ ولا أعداء محتملون؟ أول ما يفعله القائد المنتصر هو الانقلاب على ملكه.. لا بد من كذبة صغيرة لكي تستقيم امور كثيرة… في الأمر ألغاز أكثر من أن تحصى.. لكنني منذ اتفاقكما جهزت الغرفة الصغيرة.. لأسباب لا يليق بالمقام قولها..

الملكة: أنت..

الملك: مجنون.. يستحق القتل.. يخاف من ظله

قائد الجند: مولاي

الملك: (مقلدا صوت قائد الجند) إنه الملك.. كيف نواجه الشعب؟ .. هل سيصمت حلفاؤه؟ راجعي نفسك يا سيدتي.. انتظري إلى أن أعود من المعركة.. (ينظر لقائد الجند) هل هذا كلامك؟

الملكة: كانت ثرثرة عادية مع أكثر الرجال إخلاصًا لك…

الملك: (يقاطعها في صرامة) اصمتي (صمت) اسمعا.. يمكنني الآن الإطاحة برؤوسكما ورؤوس من يعاونكم داخل هذا القصر… لكنني سأعطيكما فرصة أخيرة.. على ألا تلتقيا مرة ثانية، وأن توافقا على كل ما سأفعل

الملكة: لن تجرؤ على قتلي؛ فأبي الملك

الملك: أبوك الملك سيضع رأسه في الأرض حين يعرف أنني قتلت خائنة دنست تاجه..

الملكة: ماذا تريد؟

الملك: أن تخرجا الآن.. بالمناسبة عليك ايها القائد الهمام أن تسلم للفارسين اللذين قتلا قائد الأعداء مهام نيابتك.. نسيت أن أقول لك: أسرتك في مكان أمين.. ولقد جلب رجالي لأمك ما تحتاج إليه من دواء..

قائد الجند: (بتوسل) سيدي.. لو شئت أن أغادر البلاد فسأفعل..

الملك: أعرف ما أشاء.. انصرفا (يخرجان) ما الذي أشاء؟ هذا سؤالٌ تأخر كثيرًا.. (يدخل جابر يقدم للملك شرابًا بعد أن يتذوقه) لماذا أبلغت عن مكان أختك يا جابر؟

جابر: ماذا؟ آه..

الملك:  أنا أعرف.. خدمة للملك والمملكة.. فأنت رجلٌ مخلص..

جابر:  خدمة للملك وللملكة.. نعم.. هو ذاك.. هو ذاك سيدي.

الملك: أعظم درس تعلمته في حياتي، هو أن الإنسان يكذب ليخفي شيئا خطيرًا، ويعترف بكذبه ليخفي ما هو أخطر..

جابر: سيدي، وهل كذبت عليك قبلاً؟

الملك:  سيأتي وقت التذكر.. (صمت) لقد أرسلت في طلب أختك.. وأظنها الآن ببابي.. أو اقتربت.. ستكون زوجتي..

جابر:  زوجتك.. لكن

الملك: هل ترفض الملك زوجًا أيها الولي.

جابر: من..؟ أنا لا علاقة لي بالأمر.. أتحدث عن

الملك: هذا أقل تكريم لأم البطلين.. (يصفق فيدخل الحاجب)  هل أتت السيدة؟

الحاجب:   أجل سيدي..

الملك:  أدخلها.

جابر: مولاي… (يقاطعه الملك بإشارة من يده)

الملك: انصرف الآن

جابر: أمر مولاي (يخرج وقبل الباب يلتقي بهند التي تقف قليلا ثم تكمل فيما يكمل هو طريقه)

الملك: ألا ترين أن الطرق تتجمع بنا لتصبح طريقًا واحدًا.

هند: ألا ترى انك تجهد نفسك في الجمع بين ما لا يجتمع.

الملك: كيف؟ ألم تأتي إلى هنا بعد  عشرين عامًا؟ ألم يصبح أبناؤك أقرب الناس إلى العرش؟

هند: العرش.. العرش.. ألا تدرك الأمر؟ أريد أبنائي وأرحل

الملك: قبل المعركة.. كان هذا ممكنًا تعطيني ابني.. وأعطيك حريتك.. الآن.. صارت الشرعية بهما معًا.. فهما من حققا انتصارا لم يحدث منذ صعدت إلى هذا العرش..

هند: وأنت مصرٌّ على أخذهما.

الملك: سأعلن في حفل مهيب تنصيبهما من قادة الجيش.. وفي الحفل نفسه سأعلن زواجي منك.

هند: مني.. أضاقت بك الدنيا؟

الملك: أنت أم أبنائي الملوك.

هند: ليسوا أبناءك..

الملك: إذن فلتأت لي بالملك القادم (يدخل الحاجب)

الحاجب: جلالة الملك.. أمرٌ جللٌ

الملك: ماذا هنا؟ تكلم

الحاجب: لقد.. هرب سجناء من أحد السجون وتم…

الملك: هربوا.. كيف؟ أين قائد الجند؟

الحاجب: بالباب.. هو من جاء بالخبر.. ولأن جلالتك أمرتني ألا أدخله إلا بإذن

الملك: أدخله.. أدخله  (يخرج الحاجب، ويدخل القائد)

قائد الجند:  مولاي لا خوف فقد استطاع رجالنا الإمساك بالسجناء..

الملك: كيف فروا؟

القائد: طاقم الحراسة كان نائمًا…

الملك: الطاقم كله… ثم..

القائد: أسرعنا بتطويق الصحراء وتم القبض على جميع الفارين.. ويجري جمع اعترافاتهم.

الملك:  ولم جئتني دونها؟

القائد: خشيت أن ينقل لك أحد الخبر قبلي.

الملك: (يبتسم ابتسامة ساخرة) أحسنت.. أريدك أن تعرف.. كيف ينام طاقم كامل.. وكيف يخرج سجناء من سجنٍ حصين كهذا.. (يخرج القائد)

الملك: اسمعي يا هند.. لقد بحثت عنك كثيرًا من أجل أن أجلس ابننا على هذا العرش.. وها أنت ترين كيف تتعقد الأمور.. أعرف أنني أخطأت.. لكن…

هند: لو أنجبت لك الملكة، فهل كنت ستبحث عني؟

الملك:  لكنها لم تنجب لي ولي العهد..

هند: عندي إحساس بأنك تقتل ابنك إن خفت أن يرث الملك منك..

الملك: لهذا تخفيه عني.

هند: أخفي من.. ليس لك ولدٌ مني

الملك: وهذان الولدان

هند:  من زوجي

الملك: لكنني سبقته إليك..

هند: هذا وهمك (يمسك يدها بقسوة)

الملك: ليكن وهمًا.. (يترك يدها) لولا أن قوة خفية تمنعني عنك… (تبتعد عنه)

هند: لغررت بي وألقيتني كالجيف.. لطاردتني كما تطارد الفريسة..

الملك: كنت وقتها صعلوكًا لا أملك شيئًا..

هند:  كنت ترى نفسك صعلوكًا

الملك: رجل بل بيت

هند: يكفيني كوخ على الشاطئ..

الملك: بلا عمل

هند: رزق البحر وفير.. اصطد وأبيع.

الملك: (يشير بيديه) وهذا الخير

هند: لا أرى سوى الهلاك والحقد.. قل لي: هل تنام ليلة هانئًا؟ هل تشعر بطعم الأكل؟

الملك: أما آن لي أن أسترد حياتي

هند: تنازل عن ملكك.

الملك:  لن أتنازل.. وسآخذك (يصفق، فيدخل الحاجب مهرولا) خذ السيدة إلى جناحها.. واجعل لها (ينظر لهند) كل ما تحتاجين إليه سيكون رهن أمرك.. بما في ذلك رؤية أولادك.. (يظل الحاجب واقفًا) هل هناك شيء؟

الحاجب: الملكة تطلب المثول بين يديك (يشير له بالموافقة، يخرج الحاجب تتقدمه هند، تدخل الملكة)

الملكة: كل هذا لأنني جلست في مكانك.. وحادثت رجلك قليلاً

الملك: ماذا تعنين؟

الملكة: تتزوج من حائكة

الملك: في بداية الأمر.. قلت لأهلك أريد منكم زوجة.. فقالوا خذ زوجة الملك المقتول..  ليس عندنا لمملكتكم سواها.. أنقذتك من الموت ووضعتك على سدة العرش.. أنجبت لي ابنة ولم تنجبي ولدًا.. ثم في النهاية تتآمرين عليَّ

الملكة: لماذا تتركني حية إذن؟ اقتلني بدلاً من أن تعذبني بزواجك من حائكة حقيرة.

الملك: أنت أم ابنتي وبنت حلفائي.. ثم إنها مؤقتة..

الملكة: مؤقتة.. ومن سيجلس بجوارك على العرش؟

الملك: لم أحسم الأمر بعدُ.. هي مؤقتة ليبدو أمام العامة أننا نكرم أمهات الأبطال.. فولداها هما من قتلا قائد الجند.. ثم هي إلى أن تنتبهي لزوجك فإن انتبهت وعرفت مكانك.. أعدناك إلى جوارنا (يشير لها بالانصراف تخرج) ياللنساء، لا يعنيها أن حياتها معرضة للقتل وتخشى من زوجة تنعتها بالحقيرة.. تريدني أن أقتلها وأثير أهلها ضدي.. ستبقى رهينة لدي.. وما إن يستريح الجند حتى أشرع في استرداد أرض المملكة التي أخذوها عنوةً. (يدخل الملثم يتنحنح فينظر له الملك، يمد الملثم يده بورقة يقرؤها الملك)

الملك: أبي، احسموا أمركم.. فالجيش عائد من الحرب، وهناك كثيرون ناقمون على الملك.. لن أتحمل أكثر من ذلك.. كدت أصارحه أن البنت ليست ابنته وإنما هي ابنة زوجي الذي قتله.. لكنني أخفيت الأمر لأعلنها ملكة شرعية بعد القضاء عليه. (يدس الورقة في جيبه) اللعنة.. ليست ابنتي.. هذا يفسر كل شيء.. تعمدهما إنهاك الخزينة.. الأموال التي ترسل جزافا بحجة ودن حجة.. هل لقائد الجند يد في الأمر؟

الملثم: لا يا سيدي..

الملك: وكيف يرى أهلها الأمر؟

الملثم: لا يستطيعون دخول حرب فرجالهم مشغولون بجمع الضرائب والنساء

الملك: أكثر ما يفسد الجندي شيئان قرب الترف وبعد الحرب.. كيف حال الفتيين؟

الملثم:  سامي طامع في الحكم مستعد لبذل أي شيء في سبيل العرش.. وهاني يتحدث عن العدل والإنصاف وحقوق الرعية..

الملك: ولمن توصي بالأمر..

الملثم: لك يا سيدي

الملك:  من بعدي

الملثم: لابتك..

الملك:  لا أدري كيف تعرف كل شيء ويخفى عليك من ابني منهما

الملثم:  لو أعطيتنا الأم قليلاً..

الملك: وماذا لو قاومت إلى أن تموت؟

الملثم:  عندي شك بأنهما الاثنان من صلبك لأن عمرهما واحدٌ.

الملك: هي تصر على أنه لا أحد من صلبي.

الملثم: بزواجك منها  وإعلانهما نائبين لقائد الجند سينجلي كل شيء.. الناس مذ أطلقنا شائعة زواجك من واحدة منهن مبتهجون.. كما أن الأحاديث كلها في مديحك لأنك اخترت شابين فقيرين للقيادة.

الملك: من بعد التنصيب سيخرج الجيش لاسترداد ما تنازلنا عنه سابقًا..

الملثم: أجل سيدي، سنرسل إليها أولا بعض من كانوا هاربين.. ثم نقتلهم.. وهنا يتحرك جيشنا لمعرفة القاتل ثم لا يغادر المنطقة..

الملك: ثم يتمدد الجيش شيئًا فشيئًا وبهذا لا يعترض الناس على أي ضريبة هنا.. ونتخلص من معارضينا دون اعتراض.. (صمت) هل لديك شيء بخصوص فرار السجناء..

الملثم: رجالنا يعملون.. ولم يبلغ الخبر المدينة.. فهذا يعني أنه تم القبض على جميع السجناء.

الملك: أيحتمل ان يكون من ورائها قائد الجند؟

الملثم: لا شيء مستبعد يا سيدي.. لكننا لم نعثر على ما يدينه بعد.

الملك: إذن فاذهب واعثر.. (يخرج الملثم، ويقف الملك.. يدخل الحاجب) تابع كل الترتيبات اللازمة وأخبرني.. أريد احتفالا لا يُنسى.. احتفال بالنصر وبزواج الملك.

الحاجب:  سمعًا وطاعة جلالة الملك.. سمعًا وطاعة..

المشهد الرابع

(ساحة كبرى يتصدرها كرسيا العرش، الجنود يرتبون الناس على جانبي العرش.. يبدأ حوار بين رجلين في الركن الأيمن من المسرح)

الرجل الأول: يبدو أنها ستكون ليلة جميلة.. لم تعرفها مدينتنا من قبلُ

الرجل الثاني: أظن ذلك. فالمنادون لم يكفوا لثلاثة أسابيع عن اللف في الشوارع والأزقة.. وها أنت ترى ساحة السوق التي لم يكن فيها سوى حوانيت الباعة.. كأنها قصر..

الأول: هل دخلت قصرًا من قبل؟

الثاني: سمعت من بعض معارفي

الأول: وكيف يشبه القصر من الداخل

الثاني: زينات كثيرة وأضواء ونساء أنضر من التفاح.. الذي لم أره أيضًا (يضحكان)

الأول: أنا أقول لك ماذا يشبه القصر؟

الثاني: ماذا؟

الأول: يشبه الجنة

الثاني: الجنة.. كيف؟

الأول: كلاهما لم ندخله ولا نعرف صفاته.. (يعلو صوت أحد المنادين)

المنادي: الليلة تحتفل المملكة كلها بالنصر العظيم.. وبمكافأة الأبطال… وبالمفاجأة السعيدة.

الثاني: المفاجأة السعيدة..

الأول: ربما وزعوا علينا نقودًا

الثاني: وانتظرنا العسس واللصوص في الطرقات ليأخذوها ليلاً، أو يأخذها التجار صباحًا.

الأول: أخفض صوتك

الثاني: لن يقبضوا على رجلين يهتفان بحياة الملك.. (يعلو صوته) يحيا الملك (يتبعه الأول، ويكرر الناس الهتاف،  يقترب الثاني من أذن الأول وسط الهتافات) يسقط الملك الظالم (ينتفض الأول ويحاول الابتعاد إلا أن الثاني يمسك بيده ويهتفان) يحيا الملك.. يحيا الملك. (يعود الناس إلى البحث عن أماكن للوقوف فيما ينهمك الجند في جعلهم يقفون على جانبي كرسيي العرش.. يدخل الحاجب يقف أمام الكرسي في مواجهة الجمهور وأهل المملكة عن يمينه ويساره)

الحاجب: سيدخل جلالة الملك بعد قليل لتحتفلوا معه بأحلى انتصار حققناه… (تدق الطبول، يدخل سامي وهاني فيوقفهما الحاجب أمام العرش؛ أحدهما عن اليمين والثاني عن اليسار، تتصاعد الطبول ثم يدخل الحرس الملكي ليحيط بالعرش.. صمت.. دقات طبول.. صوت الحاجب يعلن دخول الملك.. يصعد ويقف أمام كرسيه.. ينحني الجميع.. يجلس الملك.. وهو يشير لهم برفع الرؤوس.. ينفذون في آلية)

الحاجب: (وكأنه يقرا من ورقة)  قرر جلالة الملك أن يحتفل مع رعاياه بانتصاره العظيم.. و.. (يقف الملك ويشير له بالصمت)

الملك: رعيتي، لقد حققنا بصبركم وحبكم نصرًا مؤزرًا سيجعل أعداءنا يفكرون ألف مرة قبل أن يفكروا في الاقتراب من أراضينا (يحرك الحاجب يده بطريقة محددة فترتفع  بعض الأصوات)

أصوات: يحيا الملك.. يحيا الملك (يهتف الجميع، حتى يحرك الحاجب يده ثانية فيتوقف الهتاف)

الملك: رعيتي، إن ما نحن فيه من رخاء لا ينقطع.. أعدكم باستمراره وزيادته.. أما الآن فلأقلد الفارسين الذين قضيا على قائد العدو بتوليتهما نيابة قائد الجند (يشير الحاجب لسامي الذي يذهب إلى ينحني أمام الملك ويقبل يده ثم يقف إلى يمينه فيما يكرر هاني ويقف إلى يساره) وإمعانًا في تكريم الفارسين فإنني رأيت أن يكون مكان أمهما هنا (يشير إلى كرسي العرش المجاور له، يحرك الحاجب يده ويرتفع هتاف تحية الملك.. فيما تدخل هند بين جاريتين في زي ملكي.. يقف الملك.. تتجاوزه وتقف إلى جواره..)

الملك: رعيتي، هذه ملكتكم وأم فرسانكم وزوجتي (يعلو الهتاف لتحية الملك والملكة.. يجلس الملك فيما تظل هند واقفة.. يشير لها الحاجب فلا تتحرك.. يتقدم منها هاني ويهمس في أذنها ويجلسها.. يشير الملك للحاجب الذي يحرك يده فتدخل فرقة تقدم رقصة.. فيما يمر السقاة على الحضور.. تنتهي الرقصة.. تخرج الراقصات وفجأة يخرج رجل في أثناء تصفيق الجنود ليواجه عرش الملك)

الرجل: (في ثبات)  هل لي في هذا الاحتفال أن أعرض أحجية.. ومن يعرف الحل.. فله مكافأة. الحاجب: (وهو يقترب من الرجل) هذا حفل ملكي.. وكل شيء مرتـ..

الرجل: (يبعد يد الحاجب، وهو ينظر للملك) الأمر متروك لك

الحاجب: أنت تحدث جلالة الملك.. هل أسرفت في الشراب؟

الملك: دعه.. (يعود الحاجب وهو يشير إشارة ذات مغزى لبعض الجند) ماذا لديك في احتفالنا أيها الرجل..

الرجل:  أمتع الجمهور بحكاية تتضمن أحجية..

الملك: هذه ليلة احتفالنا الأولى فأرني..

الرجل: كان يا ما كان.. عروس البحر على الشاطئ.. نائمة متعبة.. بعد أن نهبها سارق.. والسارق صار كبيرًا.. والعروس دمعتها بحجم الخد.. وزفرتها نار بلا حد.. خرج الرجل من البحر.. قبَّل أطراف الجنية.. أحيته بلمسة عين

هند: بل أحياها بالنور النابض من عينيه.

الرجل: حمل الصياد لؤلؤة القلب الحلوة بين ذراعيه… قالت: سامحني.. فلم ينبس.. في تلك الليلة قال الشاطئ والبحر والليل: هنيئًا للعشاق.. لكن السارق عاد.. خطف الصياد.. ألقاه في السجن المظلم.. نسي فريسته.. والحلوة لم تنس.. حملت في الأحشاء ثمار عناقهما.. مرت أعوام عدة.. واللؤلؤة تنتظر.. والصياد في السجن.. الثمرة صارت ثمرتين.. عاد اللص ليخطف لؤلؤة القلب وثمراته.. فهل يرضى الشعب؟ (ينطق صوت خافت)

الصوت: لا

الرجل: أسأل هل يرضى الشعب أن تسرق لؤلؤته؟

أصوات: لا.. لا (يصفق الملك)

الملك: حكاية جميلة.. وأحجية سهلة حلتها الرعية.

الرجل: الشعب قال كلمته.. أما الأحجية فهي لك

الحاجب: أيها الحرس اقبـ..

الملك: لا قبض على رجل في ليلة عرسي. (ينظر للرجل) هات أحجيتك

الرجل: عن سارق صار كبيرًا.. عن لؤلؤة تزهر كالشمس.. عن ثمرتين من وعد..

الملك: تلك حكايتك.. وأنت الأدرى.

الرجل: بل هذه حكاياتنا جميعا. لم أكمل بعد.. عن صخر لن ينجب.. عن كنزٍ مرصود لصاحبه.. عن سيفٍ أعمى قد يبصر..

الملك: سيفٍ أعمى قد يبصر (يدخل قائد الجند ومعه الملكة، فيشير إليهم الملك) كيف تجرؤان على المجيء ومعًا.. (يصفق بطريقة غريبة فيظهر ملثمون يحيكون بالقائد والملكة)

هند: أما قلت لا قبض على رجل..

الملك: أنت لا تعرفين (يشير إلى الرجل) لقد أرسلوا هذا لإلهائنا.. وربما لهم مخربون في كل مكان سينقضون الآن علينا.. لننه الحفل.. (يشير إلى الملثمين) من تحرك منهما فافصلوا رأسه.

هند: أكمل حكايتك يا سيدي

الرجل: بل أنت السيدة.. من يحل أحجيتي… سيفٍ أعمى قد يبصر.

قائد الجند: أنا

الرجل: ومتى تبصر؟

القائد: حين أرى الظلم فلا أسكت

الرجل: اقتربت حين ترى بعين الشعب… من يحل أحجيتي؟ عن صخر لا ينجب.. هل تعرفين (ينظر للملكة)

الملكة: (تشير للملك) هذا..

الملك: أيتها اللعينة.. أنا من بنى هذه المملكة.. ولي ابنة منك.. وابنان من هذه (يشير لهند فيرتفع الهرج) أخرجوا أسلحتكم  ومن اقترب مني اقتلوه. (يشكل الحرس الملكي طوقًا حول العرش، فيما يخرج الجند سياطهم ويضربون بها الهواء فيسكت الناس.. يخرج صوت الرجل)

الرجل: هل تظن أن المملكة قبلك كانت هباء

الملكة: ليس لك ابنة مني.. إنما هي من زوجي الملك الذي قتلته بيديك..

الملك: كذب.. وهذان الابنان (تقف هند)

هند: أيها الشعب.. منذ يومين وأربعة أشهر وثلاثة وعشرين عامًا.. أوهمني رجل بالحب.. وعدني بالزواج.. وكان ما كان… ثم اختفى بعد أن قال لي: لم يعد ممكنًا.. فسأصير جنديا ولا يصلح للجندي إلا ابنة جندي أعلى رتبة.. خفت أن يكون في بطني بذر ملعونة منه.. ذهبت إلى قابلة في الجبل الأبعد.. نفذت كل ما طلبت.. قالت: لا شيء في بطنك.. لم يكن هناك شيء.. في طريق العودة من عندها.. نمت.. في الحلم جاءني.. وحين أفقت وجدته.. (تنظر للرجل) هذا زوجي.. (تنزل من العرش، وتفتح بيديها الطوق) هذا طريقي (يصيح الملك)

الملك: أوقفوها.. وإلا (يحيط سامي برقبته ويضع خنجره عليها، ويتقدم بحيث يجعل كرسي العرش في ظهره، فيما يتحرك هاني فيجعل ظهره في ظهر أخيه)

سامي: أفسحوا لأمي وإلا قتلت ملككم.. (يفسحون لها فتتحرك حتى تصل إلى الرجل)

هند: اشتقت إلى جناحك سيدي

الرجل: تعالي.. (يأخذها تحت ذراعه اليسرى ويتجهان للخروج.. يصيح بها هاني)

هاني: أبي.. أمي.. لم ننه الأمر بعد.. (يستدير الرجل)

الرجل: ما تبقى ليس لنا دورٌ فيه.. هذا هو العرش.. وهذا هو الشعب.. وأنتم السيف المبصر…

(ستار)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى