مقالات ودراسات

العربي بن زيدان يكتب عن مهرجان مسرح الهواة في ذكراه الـ 50 .. مدرسة واكبت أهم التحولات في الجزائر

المسرح نيوز ـ الجزائر | العربي بن زيدان

ـ

يعتبر المهرجان الوطني لمسرح الهواة لمدينة مستغانم من أعرق التظاهرات الثقافية على المستويين الإفريقي و العربي حيث شكل ظهوره لأول مرة صيف سنة 1967 منعرج جديد في مجال الخريطة الثقافية للجزائر المستقلة من خلال بروز منبر للتعبير الفني الحر والمتميز بفضل نخبة من الوطنيين الذين تشبعوا بمفاهيم الحركة الوطنية السائدة في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية حيث كان للفعل الثقافي النضالي وقعه الخاص على شخصية مؤسس المهرجان المرحوم مصطفى بن عبد الحليم المدعو سي الجيلالي 1920/1990 بعدما إكتشف الرجل مبكرا دور و مكانة الثقافة في تحديد معالم الهوية الوطنية لدى الجزائريين و التي عمل المستعمر الفرنسي على طمسها.

تبلور مشروع تأسيس المهرجان الوطني للفن الدرامي لدى سي الجيلالي مباشرة بعد الإستقلال في ظل التجربة المسرحية المتراكمة لديه و لدى مجموعة من عمداء الكشافة الإسلامية بفضل نشاطهم المسرحي منذ سنة 1945 ضمن الفرقة المسرحية التي أسسها المرحوم على مستوى فوج الفلاح في حي تجديت العتيق حيث سرعان ما إقتنع أتباع الجيلالي بن عبد الحليم بالمشروع و إنطلقوا في تجسيده على أرض الواقع بفضل تظافر جهود الخييرين من أبناء المدينة حيث تصادف إعلان تنظيم الدورة الأولى سنة 67 مع إنعقاد التظاهرة الإقتصادية النصف شهرية لبلدية مستغانم من تنظيم نقابة المبادرات السياحية.

الأمر الذي سهل للمنظمين إستضافة الفرق المشاركة من ولايات الغرب الغربي . حيث تتميزت هذه التظاهرة كونها نابعة من الأوساط الشعبية التي ساندت و احتضنت المهرجان مند الطبعات الأولى بعيدا عن الإطار الإداري والسياسي.حيث ساهم في استمرارية المهرجان .لقد واجه المهرجان الوطني لمسرح الهواة خلال مسيرته مند أول دورة سنة 1967العديد من المشاكل و الصعوبات المالية غير أن عزيمة وإرادة الطبقات الشعبية و المنظمين حالت دون توقف أو إنقطاع حيث ساير المهرجان أهم و أبرز التحولات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للجزائر حيث شكلت هذه الرهانات السياسية مواضيع لمسرحيات واكبت هذه الأحداث أهمها التوجه السياسي الإشتراكي للسطلة في الجزائر فقد تناول المسرحيون على خشبة مسرح الهواة مواضيع الثورات الثلاث كالثورة الزراعية و الصناعية و الثقافية فضلا عن مواضيع ذات صلة بإشكالية التحرر في العالم كالقضية الفلسطينية،و الصحراوية و قضية الميز العنصري في البلدان القارة الإفريقية حيث ظل المهرجان الوطني لمسرح الهواة منبرا للكلمة الحرة و تعدد الأفكار تخرج منه مئات الممثلين و المخرجين و الكتاب .

كما إستقطب المهرجان طيلة عشرات السنين إهتمام السياسيين و الإعلاميين و النقاد و الجامعيين بإعتباره ظاهرة ثقافية فريدة من نوعها في الوطن العربي ،إستمدت قوتها من حيوية و نشاط الشباب الجزائري الذي كان يؤمن بالإبداع .و إلى جانب تأثير المهرجان و تداعياته على إنتشار الممارسة المسرحية في الجزائر من خلال ميلاد مئات الفرق فضلا عن عشرات المهرجانات في الفن المسرحي ،فقد إكتشفت فرق أجنبية و عربية سحر خشبة مسرح الهواة من خلال مشاركة عديد الفرق في هذا الموعد السنوي حيث إستضاف المهرجان دورات أورومتوسطية و أخرى عالمية جعلت من حلم مؤسسه يتحول غلى حقيقة يعانقها الجميع. عرف المهرجان عدة محطات هامة خلال المسيرة التنظيمية منها مساهمة الكشافة الإسلامية إلى جانب نقابة المبادرة والسياحة في الإشراف على التنظيم الطبعات الأولى بلمسة شعبية و جماهيرية .

وقد شكل تضامن أعيان المدينة و تجارها و مثقفيها السمة الأبرز في ديمومة التظاهرة ، إلى غاية بداية السبعينيات حين تولى الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية مهمة تنظيم المهرجان كمنظمة جماهيرية تحت غطاء الحزب الحاكم ،حزب جبهة التحرير الوطني إلى غاية سنة 1990 .

و طيلة هذه المدة ،تجاوبت عدة فرق مسرحية هاوية مع التوجه العام للسلطة أنذاك تحت قيادة الرئيس هواري بومدين ،من خلال معالجة قضايا التحرر في إفريقيا و أمريكية اللتينية في سياق الصراع بين القطبين الرأسمالي و الإشتراكي ،أما على صعيد القضايا الداخلية ،فقد إهتم الهواة بمعالجة موايع الثورة الزراعية و الصناعية و الثقافية على ضوء سياسات التأميم حيث عرفت هذه الفترة من مراحل مسرح الهواة بمسرح الشعارات الحماسية و النضالية الأمر الذي شجع الهواة على ممارسة الكتابة الجماعية كأسلوب أدبي و درامي يعكس روح المجموعة .

و أستمرت هذه المرحلة إلى غاية ميلاد قانون الجمعيات  بداية من سنة 1989 تزامنا مع فترة التعددية السياسية و الإعلامية ،حيث تميزت هذه الفترة ،لدى الهواة ببروز أشكال تعبيرية و فنية جديدة بفضل الدورات التكوينية التي مست عدد كبير من كوادر الفرق المسرحية في مختلف دول القطب الإشتراكي بينها الإتحاد السوفيتي و يوغسلفيا و بولندا و المجر ،حيث بدأ الإهتمام أكثر بالحوانب الجمالية في العرض المسرحي من خلال تواجد كفاءات في شتى عناصر العرض من كتابة و إخراج و إضاءة و موسيقى و سينوغرافيا .

و تحولت دائرة إهتمام الهواة من الكتابة الجماعية تسلط الضوء على ظواهر سياسية سلبية لدى المسؤلين و السياسيين إلى معالجة قضايا إنسانية أكثر عمقا و جرأة حيث إعتمد الهواة على الإقتباس من النصوص العالمية لكتاب كبار إلى جانب العودة إلى الريبارتوار الجزائري على غرار كتابات المخرج وولد عبد الرحمن كاكي و عبد القادر علولة و كاتب ساسين ،كما كان للجامعيين دور أساسي في تنمية معارف الهواة عن طريق الملتقيات و الندوات و كذا الورش التكوينية .وحاليا يسير المهرجان تحت رعاية وزارة الثقافة في سياق استحداث المحافظات الثقافية منذ سنة 2003.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى