مقالات ودراسات

الكاتبة صفاء البيلي تكتب: عرض “مكاشفات” العراقي.. سينوغرافيا البياض.. تخترق حجب الديكتاتورية وتكشف عورات الحكام!


صفاء البيلي

شاعرة وكاتبة مسرحية

ـ

حين تتعرى الأجساد وتصير بلا أرواحٍِ تستر عوراتها، تظل تبحث بين حنايا تاريخها الطويل عن معنى وجودها، وتخترع لنفسها قرون استشعار لتغرس لنفسها جذورا عميقة، حتى يكتشفها الأحفاد إذا عانقتهم ذات قمر، فكرة البحث عن ماضيهم، ربما غير ساعيين لشيء سوى محاولة فهم الحاضر الملتبس أواستقراء المستقبل الغامض!

وماذا عسى تلك الأجساد أن تفعل سوى أن تتقاسم لحظات صدقها الأثيرة، لتبوح بما لم تتمكن من البوح به أمام البشر/ التاريخ أو حتى أنفسها، لتكتشف طعم الحقيقة ولو لمرة واحدة، وتعانق الهواء الأرض السماء، وتلقي بثمرتها في أرض المكاشفات لتنضج  حتى لو كانت النتيجة هى الانسحاب إلى سمواتها المعتمة طوعاً!

أي تجريب في التراث؟!

في مسرحنا العربي.. ما الذي يمكن أن  نشاهده حينما يتناول مخرج ما شخصية تراثية شهيرة ولها مرجعيات متعددة وراسخة سواء كانت: “دينية، تاريخية،  إنسانية، وحربية ” كالحجاج بن يوسف الثقفي (661 م – 714م)  والذي كان والياً على العراق من قِبل عبد الملك بن مروان لمدة عشرين عاما ابتداء من عام (694م) ، وشخصية عائشة بن طلحة بن الزبير (ت 719 م) ؟ بل كيف يكون تناولها حينما يتعانق التجريب بكل تطلعاته وجنونه وأجنحنه المنطلقة في سموات الإبداع والتراث بكل ما يحمل من عمق وتجسيد للأصالة المتجذرة؟

وهل سنعانق رؤى فكرية جديدة تكشف عن مدى عجزنا في الماضي عن فهم شخصية الحجاج التي كان البعض يتعامل معها تارة بعنف كونها محاطة بهالات من الرعب والتذمر والحنق والخوف.. و تارة أخرى.. بهالات من التقديس  على اعتبار أن المساس بها هو مساس بأحد ثوابت الدين كشخصيات الرعيل الأول في التاريخ الإسلامي والتي قد لا يقبل الكثيرون بالخوض في تفاصيلها خاصة إذا كانت تفاصيل شائكة أوملتبسة!

لعل المخرج غانم حميد في عرضه “مكاشفات” وهو يعيد أمجاد المسرح العراقي لم يغفل ما أشرت إليه من التجريب في عرض تقليدي تراثي .. حيث مضى في خلق مستويات جمالية متعددة متضافرة في آن، فلم يغفل دور الكلمة ورونقها فكان اختياره لنصٍ ينتمي للمسرح الشعري حيث الجزالة والشموخ والتعبيرات البديعة التي كدنا نفتقدها فيما يقدم من عروض على خشبات مسرحنا العربي، كما أنه خلق فضاء مسرحيا مبهرا يستشعر فيه المشاهد جماليات المشهدية والصورة البصرية  التي تجذبه باللون والإضاءة والتأثيرات الصوتية والتكوينات المبهرة فتصيبه بالدهشة والمتعة معا.

رحلة الورق.. إلى الخشبة!

أن العرض الذي قدمه المخرج غانم حميد مختلف تماما عن النص المكتوب، فالنص يتناول علاقة عائشة بنت طلحة بن الزبير بالحجاج بن يوسف الثقفي بطريقة فلسفية وكأن عائشة هي المعارضة والطاغية هو الحجاج ، وهي افتراضية افترضها المؤلفان ؛ الكاتب السوري خالد البرادعي في نصه (مكاشفات عائشة بنت طلحة) وبعض مقاطع من مسرحية (ابن جلا) للكاتب المصري محمود تيمور، وجاء الكاتب المسرحي الراحل قاسم محمد وأعد المسرحية عن هذين النصين .

أما العرض على الخشبة.. فمختلف تماما حيث إنه يدخل في أحشاء التاريخ/ الحجاج بتراثه ويخرج منه ،ويقترب من الواقع ويخرج منه ، يعرج على حالات الواقع العربي ثم يعود إلى التراث ثم يخرج منه ويعود ليتعانق خاصة مع الواقع العراقي بكل ما فيه من تشرذم وتفسخ ووقائع قهر وظلم وإرهاب، والعلاقة المتأزمة بين الحاكم والمحكوم، فالأول يمثل السلطة المطلقة شاء الثاني أم أبى ومن هنا نتجت علاقة غير متكافئة قائمة على الخوف والقهر ، السيطرة بيد من حديد ومطالب الأمن، لأنها قائمة بالأساس على مبدأ الدكتاتورية شاء من شاء وأبى من أبى .. كل تلك المتناقضات تجسدت في شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، بكل ما فيها قسوة وعنف وجبروت، وما يقابلها من شخصية عائشة بنت طلحة المواجهة الصامدة القوية العفيفة..والتي تمثل الشعب أو بمعنى أدق: المعارضة..

إذن نحن أمام معارضة حقيقية، معارضة تعرف جيدا سمات وجوانيات حاكمها ومستبدها وديكتاتورها، تعرف نقاط ضعفه ومفاتيح قوته، فتستطيع مواجهته ببراعة قاتلة، تمنحه أحبالها ليلفها على عنقه بيديه.. لذا فمن الجيد في العرض أن كلا من: الديكتاتور/ الحجاج، والشعب المعارض/ عائشة، يمتلك ناصية الحكمة والبيان، كلاهما يمتلك أدلته وبراهينه التي تؤكد مشروعية ما يفعل وسيفعل مستقبلا..

فنرى قسوة وقوة عائشة حين تواجه الحجاج بصفاته الشنيعة: “رجل منافق سفاك دماء اتخذ الولاية للتجبر وإشاعة الخوف في الرعية، وجعل السيف درعاً يخفي وراءها خوفه ورعبه، وأذل الناس فاتبعوه وانصاعوا لأمره” فهل يسكت الحجاج؟ كلا.. إنه يدافع عن نفسه ويبرر خصوصا أمامها لأن شغاف قلبه معلقة بحبها بأن الفتنة قد هدأت في عهده، وعادت الحياة لطبيعتها وازدهرت المدن، لكنها تبشره بضياع الأمن وسيادة الخوف، فكان ذلك بمثابة خراب الإنسان من الداخل بالإذعان والإذلال وكبت الحرية، وعلى الرغم من محاولات عائشة إقناعه لا يعرف للحب معنى ولا للعطاء رمزا وأنه ديكتاتور مستبد وطاغية إلا أنه كان أمضى حجة وأشد تبريرا وأعلى صوتا وأكثر لوعة خاصة حين يجتمع النقيضان في شخص واحد ..الجبروت والحب!

 ليقدم العرض رسالته في النهاية وهى: ” تعرية الطغاة وكشف نوازعهم وأطماعهم وأن الفن هو ذلك السلاح الحريري الذي بإمكانه إعادة الأمن والأمان والعدالة المفتقدة على مر التاريخ للحياة المعاشة!

الجروتسك واللغة المزدوجة!

إن مسرح الجروستك هو ذلك النوع من المسرح الذي يسمح بدخول وخروج الممثل عن المعنى الجاد الذي يقدمه العمل المسرحي بهدف فضح الزيف الداخلي للشخصيات والوقائع ووضع يد المشاهد على عمق الحقيقة، فنجد استخدام اللغة العربية الفصحى على لسان عائشة أو الحجاج وهما يناقشان ويتناددان في موضوعات هامة وشائكة لنفاجأ بدخول الخادم ليخرج بالحالة من جوها المتصلب الشائك إلى جو من القفشات والكوميديا محاولا “بفعل الرؤية الإخراجية” إلى لغة عراقية محلية بل شعبية وتفاعلات مع الحجاج تصل لحد السخرية .. وقد نتساءل: هل هذه السخرية مقصودة لذاتها؟ أم مقصودة لهدف في بنية العرض الدرامية؛ كمثل التقليل من جبروت وسيطرة الحجاج وتسفيهه؟ أم لكسر هيمنة اللغة العربية الفصحى  لصالح العامية وصنع حالة من الألفة بين العرض بشخصياته وتحولاته وعمقه وفلسفته بالجمهور العادي جدا والمفترض أنه يخاطبه وليس طبقة معينة فقط؟

السينوغرافيا.. وتحولات الأبيض!

على الرغم من اللغة الزاعقة التي سيطرت على العرض بفعل طبيعة “المسرح الشعري” التي تتخلى أحيانا عن الدرامية لصالح بهاء ورونق اللغة المنطوقة والتي قبضت على معظم أجزائه وخفوت شعلة الدراما في كثير من الأوقات والتي لم ينقذها سوى عمليات الدخول والخروج من التراث للحاضر ببعض التداخلات الآنية والقفشات والفكاهة التي كان يقوم بها “خادم العرض” الذي يؤدي الكثير والكثير من الأدوار التي صنعت ديناميكية وثراء واضحا ظهر عبر ثنايا العرض.. إلا أن المخرج بمساهمة واضحة من السينوغرافي ” علي محمود السوداني” حاولا تقديم عالم بصري مواز ليحمل المشاهد إلى لحظات أثيرية فغمر فضاء المسرح بالأبيض “ندف القطن” وعلى الرغم من إن هذه المفردة قد تبدو مباشرة إلا إنه استخدمها ببراعة خصوصا مع نقلات الإضاءة المختلفة للتعبير عن الحالات والمتغيرات التي تمر بها كلتا الشخصيتين الرئيستين عائشة والحجاج.. أو الطاغية والشعب!

  • الديكور

إن الصورة البصرية التي صنعتها عناصر السينوغرافية من ” ديكور وإضاءة وملابس ومؤثرات.. والديكور الذي نفذه” فراس جلال” أعطي إيحاء يقترب من الحقيقة بأننا نعبر ما بين ندف السحاب في السموات العلا وكل من الحجاج وعائشة يحاسب يكاشف كل منهما الآخر على ما اقترف في حياته، في هذا العالم الأثيري يبدو الحجاج بشرا عاديا .. يخاف ويحب ويتألم ويحتار ، ففي هذا العالم، لا يكون سوى التكشف، والبوح، لا يكون هنالك صخب أو عناد، بل مكاشفات تخرج كل ما في السجل الحقيقي للبشر.

أما كرسي الخلافة الذي أخذ اللون الأبيض نفسه للدلالة على الحيادية التامة وأن كل كراسي الحكم الذي ظل ثابتا على يمين المسرح طيلة العرض فقد استغل بشكل جيد تماما، فتارة هو مقعد الولاة ومنبر الوعاظ والقضاء ونواب الشعب والإعلاميين وأصحاب الأبواق .. كلهم يخرجون من نبع واحد وكلٌ يصبغ منبره بحسب اتجاهه وميوله ورغباته بل تتبدل وتتغير بحسب الزمان والمكان والحكام.. فتارة يجلس عليه الحجاج “الحاكم) وأخرى تقف عليه عائشة “القاض والجلاد” وثالثة كـ ” واعظ” ورابعة “كبوق إعلامي” .. إلخ

كما لعبت الستائر البيضاء المدلاة من كل أرجاء سقف المسرح دورا في حبك الحالة خاصة في اللحظات الأخيرة التي عرّت كل دواخل الروح مع إدخال مؤثر ” الريح صوتا وحركة”  لتوحي بتحرك عائشة بين طبقات السماوات وكأنما تبخث عن حقيقتها في هذا العالم السمواي  تلك التي تاهت منها في عالم البشر المقيت!

  • الإضاءة:

صنعت الإضاءة ثراء واضحا في بلورة الصورة البصرية، متفاعلة مع الأبيض المتموج والستائر المنسدلة، يسود الأحمر لحظات الغضب والهياج، ويظل الأخضر حنايا ممتزجة بلحظات الصفاء الإيماني، فيما الأبيض الداكن لبيان حالات الصراع النفسي والتوهان.. والأزرق لكثير من الغموض والشجن.. ثم ما بين الظل والنور تبدو الأشباح وتتصاعد للسماء، وما بين تمازج الأحمر والأبيض مع بعض العتمة تلفح الروح عذابات اللهاث والبحث باتجاه عوالم مجهولة غامضة تهيم فيها أرواح تبحث عن حقيقتها في عالم زالت عنه رائحة الزيف والخداع.

  • الملابس:

تنوعت الملابس التي صممها “سيف العبيدي” ما بين التراثية “ملابس الحجاج” والآنية “عائشة وخادم العرض” الذي يلعب معهما أدوارا كثيرة ويرتدي موتيفات عدة تساعده على تغيير شخصيته بحسب الدور المنوط به، وهو ما ساعد في خلق حالة من كسر الإيهام لدى المشاهد، كما أن استخدام النقيضين الأبيض والأسود في الغالب لبيان مدى التناقض مع استشعار أن نموذج الحجاج بن يوسف الثقفي وما يقابله من نموذج عائشة ونموذج الخادم ليست نماذج منبتة أو متقوعة فقط على وجودها داخل عمق التراث والتاريخ، بل هى شخصيات ممتدة تتوالد بمرور السنين وعلى مر الأجيال ومختلف بقاع الكون!

  • الموسيقى والمؤثرات:

جاءت المؤثرات الصوتية المصاحبة والتي أعدها “كمال حسن” مناسبة لبعض حالات العرض خاصة فيما يختص بحالة الأثيرية التي كانت تعيشها عائشة العابدة، أو الانفعال التي كان يصول بها ويجول الحجاج لكنها وكانت محايدة في أحيان أخرى وقد أضفى استخدام آلات الإيقاع الضخمة “كالطبول المحمولة على الكتف والتي تضرب بالعصا، والغناء الشعبي العراقي والشعائر الحسينية نوعا من الخصوصية والحميمية بحيث يجعل الذاكرة الشعبية تعود إلى مراتع بواديها وعاداتها وعلاقاتها باليومي والمعتاد في مواقف بعينها ليشير لنا ببساطة شديدة إلى أن ما يدور ليس إلا سطور حياة كتبها التاريخ في العراق و من أجله فقط.

الممثلون:

القيام بتجسيد شخصية مثل شخصية الحجاج بين يوسف الثقفي ليست بسهلة وقد أداها بكل تحولاتها بقوة الفنان ميمون الخالدي وشخصية عائشة بن طلحة بن الزبير أدتها الفنانة شذى سالم بشموخها وضعفها وسخريتها ببراعة وفهم،  لولا صوتهما العالي في مناطق ما كانت تؤدي لفسخ حالة التواصل مع الجمهور إلا أن هناك من أثرى العمل بتواجده المميز وهو الفنان متعدد المواهب فاضل عباس الذي قام بدور (خادم العرض)

أخيرا..

كما أن العرض منذ بدايته تناول الصراع الأزلي بين الشعب/ المعارضة وبين الحاكم المستبد فهو يشير بأصابع الاتهام إلى العديد من الطغاة ليس في العراق فحسب بل في العالم العربي كافة لذا فقد كانت النتيجة الحتمية لذلك كما رأينا في الداتا شو التي صممها “هشام كاظم”هى تحوّل الشعوب المضطهدة كلها إلى معارضة/ عائشة.. فثارت الشعوب ضد طغاتها!


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock