مقالات ودراسات

الكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة يكتب: فتح النور بن إبراهيم.. حين يمرض العرّاب!

عبد الرزاق بوكبة

كاتب جزائري

ـ

من خصائص المشهد الثقافي الجزائري، أن معظم القائمين بإنعاش نشاطاته وإبراز مواهبه وإضاءة وجوهه، ليسوا منتجين لفن من الفنون، كأن يكونوا كتابًا أو تشكيليين أو سينمائيين أو مسرحيين، بل هم من محبي الفن وأهله، بادروا بتسخير أوقاتهم وخبراتهم وجهودهم وجيوبهم لخدمتهما، وعادة ما يكونون أكثرَ إخلاصًا من “الفنانين” أنفسهم، وأقل انسحابًا بسبب السياقات الكثيرة المؤدية إلى الإحساس بالخيبة. إنها سلطة العشق المنزّه عن المصالح.
من خصائص المشهد الثقافي الجزائري أن معظم القائمين بإنعاش نشاطاته وإبراز مواهبه هم من محبي الفن وأهله
هنا تفرض قصة الجنيد شيخ المتصوفة الأول نفسها، ويجب تعاطيها في إطار بنيتها الصوفية المتعارضة مع منطق العقل والمنسجمة مع منطق العشق، إذ يُروى أنه وقف على بئر عميقة، وكانت بلا سلّم فلا يستطيع النزول، وكان بلا دلو فلا يستطيع أن يسحب منها الماء، واقعًا حبيسَ الحاجة رغم قربها. في الأثناء، طرأ عليه فتى وسأله: لماذا لا تأمر الماء فيصعد؟ قال الجنيد: هذا مقام لم أبلغه بعد، قال الفتى: أنا بلغته. توضأ الجنيد وصلى ثم التفت إلى الفتى: كيف بلغت هذا؟ قال الفتى وهو لا يعرفه: بلغته بحبي للجنيد. لقد جعله حبه للفعل أقدرَ من الفاعل نفسه.
اقرأ/ أيضًا: أليخاندرو إيناريتو: عليك أن تنهي هذا السباق
مناضل بحجم مدينة
في مجال المسرح الجزائري، محترفًا وهاويًا، نجد فتح النور بن إبراهيم (1967) في صدارة هذا النوع من النشطاء والمناضلين الثقافيين، الذين عاشوا مع الفنانين ولهم أكثر ممّا عاشوا مع أسرهم ولها، وأقاموا في الفنادق والمسارح وسيارات الأجرة، أكثر ممّا أقاموا في بيوتهم، التي تعدّ فضاء للفنانين أيضًا، إن خلت منهم يومًا، فهي لا تخلو من صورهم وتذكاراتهم المبثوثة في زواياها.
تشكّلَ وعيُه الثقافي والنقابي بداية ثمانينيات القرن العشرين، في عزّ نضالات اليسار من أجل دولة ديمقراطية ومفتوحة للجزائريين كلهم، وفي أوجّ العطاءات المسرحية لمدينة مستغانم، 400 كيلومتر غربًا، حاضنة أقدم مهرجان مسرحي أفريقي، “المهرجان الوطني لمسرح الهواة”، الذي تربّى في رحابه بين أيدي وتحت أعين رواده من شيوخ المسرح في الجزائر، مثل الحاج المكي وسي الجيلالي بن عبد الحليم وجمال بن صابر وصيراط بومدين، ليصبح بعدها واحدًا من الساهرين عليه والخادمين لضيوفه وبرامجه، حتى بات من الصعب الفصل بينه وبين المدينة والمسرح.
رحلة ضدّ الموت
كانت الجزائر نهاية تسعينيات القرن العشرين، خارجة لتوها من دوامة العنف والإرهاب، التي حصدت عشرات من وجوه الفن والثقافة والأدب والإعلام، حيث كان الانتماء إلى هذه الحقول طريقًا معبّدًا إلى الموت السريع، وبدأت تتلمّس طريقها إلى النشاط الثقافي مرة أخرى، كنوعٍ من انتصارها على آلة الموت ومنطقه الأعمى، فكان فتح النور واحدًا من النخبة التي تولّت ذلك، وغامرت من أجله على أكثر من صعيد.
غادر مدينته مستغانم، إلى الجزائر العاصمة، بكلّ ما يترتّب على ذلك من متاعبَ وتضحياتٍ، وانضمّ إلى جانب رفيق الدرب المسرحي الباحث إبراهيم نوّال إلى “مؤسسة فنون وثقافة”، مؤسّسين فرقة مسرحية تولى الإشراف عليها الفنان امحمد بن قطاف، العائد يومها من مهجره الفرنسي، وهو أحد رواد “فرقة القلعة” التي أحدثت في الثمانينيات تحوّلًا جذريًا في المسرح الجزائري، من حيث طبيعة التسيير وطبيعة الخطاب الجمالي.
شقيقي فتح النور.. سامحني على أنني نصحتك بأمرِ تعلمته منك: المقاومة
بعد مدة يسيرة، تمّ تعيين بن قطاف مديرًا عامًّا لـ”المسرح الوطني الجزائري”، فنقل مشروعه ذاك إليه، وكان فتح النور، مكلّفًا بالإعلام والعلاقات الخارجية فيه، وهو ما مهد لمرحلة جديدة كانت فاتحة عطاءٍ لجيل جديد من المسرحيين الجزائريين، كتّابًا وممثلين ومخرجين وموسيقيين وكليغرافيين وسينوغرافيين، من الجهات الأربع للبلاد، بعضهم برز للمرة الأولى، فيما رُفع حصار كان مضروبًا عن آخرين.
اقرأ/ أيضًا: “كابتن فانتاستيك”.. يوتوبيا خطرة
لعبت إعادة بعث “المهرجان الوطني للمسرح المحترف”، وتأسيس “أيام المسرح في الجنوب”، التي كانت تعنى بمسرحيي الصحراء، و”مهرجان الجزائر الدولي للمسرح”، و”فضاء صدى الأقلام”، الذي كان يرعى المواهب الشابة في الكتابة المسرحية ويردم الهوّة بين الأدباء والمسرحيين، ونخبة من الفضاءات والمشاريع المسرحية الأخرى، رغم ما شابها من نقائص وارتجالات، دورًا حاسمًا في تأطير المواهب الجديدة وبرمجتها على النشاط والتكوين، حتى صارت جوائز هذه المهرجانات تؤول منافسةً إلى فنانين أقل من خمس وعشرين سنة، بعد أن كانوا مجردَ كومبارس في الميدان.
مرض العرّاب
قبل أيام، صارح فتح النور بن إبراهيم أسرتيه الصغيرة والكبيرة بالسرطان الذي أصابه منذ عام، فشكّل ذلك صدمة للمشهد الفني في البلاد، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بحركة تعاطف ومواساة منقطعة النظير، أقدم فيها العشرات على الاعتراف للرجل بفضله عليهم، واكتشف الرأي العام الثقافي، خاصة أولئك الذي سمّموا يومياته بالكلام الرامي إلى تشويهه وتثبيطه، من الفنانين الذين لا يتواجدون خارج الصالونات و”فيسبوك”، من خلال هذه الاعترافات، أن الرجل لم يكن يقدّم للوجوه الجديدة فرصًا للظهور فنيًا وإعلاميًا فقط، بل كان يتقاسم بيته وراتبه مع بعضهم أيضًا، بما رفعه إلى مقام المناضل الثقافي المنسجم مع نفسه وخطابه، في ظلّ مشهد ثقافي جزائري مفخخ بالغش والمغشوشين.
وصل فتح النور بن إبراهيم إلى مقام المناضل الثقافي المنسجم مع نفسه وخطابه، في ظلّ مشهد ثقافي جزائري مفخخ بالغش والمغشوشين
خاتمة المحبّة
لأجل محبيك وقد أدركت كثرتهم وحيرتهم قاومْ/ لأجل المحتاجين إلى روحك حتى يبقوا على قيد التحليق قاومْ/ لأجل جيل جديد يحتاج يدك الكريمة في المسرح والإعلام قاومْ/ لأجل أن يبقى للمسارح والمهرجانات طعم ومعنى قاومْ/ لأجل ألا يعتقد المرض أنه قادر على هزيمة الإنسان قاوم/ لأجل الصراحة في القول قاوم/ لأجل النزاهة في الفعل قاوم/ لأجل البحر الذي يقاسمك كأس القهوة قاوم/ لأجل النافذة التي تطل منها صباحًا لتحية الجارات الثرثارات قاوم/ لأجل الإدارات التي استنزفت دمك ثم كافأتك بالماء قاوم/ من أجل سيارات الأجرة التي كادت أن تصبح بيتك قاوم/ من أجل صور الراحلين في ألبوماتك قاوم/ من أجل طريق مستغانم-العاصمة قاوم/ من أجل شمس تكاد أن تستشيرك في الغروب لأنها تدرك حساسيتك من الظلام والظلامية قاوم/ من أجل ألا تصبح الحياة بعدك حذاءً قديمًا قاوم.
شقيقي فتح النور.. سامحني على أنني نصحتك بأمرِ تعلمته منك: المقاومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى