مقالات ودراسات

المسرح نيوز ينشر ورقة عمل نقيب الفنانين اللبنانيين ” شادية زيتون ” حول: “الممثل والنسيج السينوغرافي” عبرالندوة الفكرية لمهرجان ليالي المسرح الحر الدولي 12

المسرح نيوز  ـ  الأردن | صفاء البيلي

ـ

قدمت أمس السيدة الفنانة شادية دوغان نقيب الفنانين اللبنانيين ورقة عمل بعنوان : الممثل والنسيج السينوغرافي  وذلك عبر الندوة الفكرية التي أقيمت فعالياتها في مدرج كلية الفنون بالجامعة الأردنية والتي حضرها عدد كبير من الطلاب والمتخصصين من بينهم السيد عميد الكلية..

ولأهمية المصطلح والموضوع المطروح للنقاش.. اختصت الفنانة الكبيرة موقع “المسرح نيوز” بنشر ورقتها كاملة والتي أعقبتها بعرض نماذج من السينوغرافيا المصممة لعدد من العروض المسرحية العالمية التي شاهدتها في دول أوربية تعتمد على تقنيات كبيرة في صناعة السينوغرافيا التي يجب ألا تنفصل أبدا بأي حال من الأحوال عن العناصر المكونة الأحرى للعرض المسرحي والتي من بينها الممثل.

نص ورقة البحث:

 

“إن التحولات التي عرفها المسرح في علاقته مع السينوغرافيا منذ المسرح الإغريقي ولغاية اليوم ، أدت الى    تبلور الآراء حولها عند نهاية القرن التاسع عشر، وأخذت حيزاً مهماً في منتصف القرن العشرين ، نظراً لأهميتها وانعكاسها في الفعل والحدث وفي توليدها الخصائص الحسية والرمزية ، بلغة متماسكة فنياً وفكرياً في فضاء العرض المسرحي ومساحته ، إضافة لكونها باتت تشكل ركيزة أساسية في قراءة المخرج وفي تفعيل عامل الخيال لدى الممثل والمتلقي معاً .

    يقول أرسطو : ” إن التفكيرمستحيل من دون صور، وأن الروح لا تفكر من دون صور، والصور مرتبطة        بكل جوانب الحياة “.

    على مر التاريخ ، يختزن المسرح الخيال الخصب والتفكير الإستعاري والبصري ، وإذا استعرضنا العروض       المسرحية ، نرى فيها الكثير من الجوانب المشتركة ، العائدة الى تكوين وتجديد الصور الخيالية ، حول      حدث ما ، أو شخصية معينة ، ما يعني أن المسرحيين تنبهوا الى أن الإبتكار في الإطار المادي للعرض        المسرحي ، يتطلب مهارة في التصور البصري الذي يعتمد بدرجة عالية ، على حاسة الإبصار وعملية   التخيل ، وإدراك المساحة ، وخلق التوازن والإنسجام في تعادل الصورة المسرحية .

    من المسلم به أن القدرة الخلاقة الكامنة داخل الممثل تعد المرتكز الأساسي لتحقيق الوظائف الجمالية     الدرامية لجسده في الفضاء الدرامي ، ولكن بقي العجز قائماً حول أدائه وإمكانية تحويل جسده لغة تعبيرية  تتيح له فرصة التواصل مع جمهور العرض ،بعيداً عما يحفز خياله ويفعل حواسه البصرية والسمعية          والحسية والحركية ، ما لم يتم الإدراك بأن أداء الممثل لا يمكن أن يجسد هذه اللغة كما ينبغي ، سوى     ضمن فضاء سينوغرافي يحدد باسلوب حسي تشكيلي الخط الرمزي بين الحقيقة والخيال ، وبين المرئي         واللامرئي ، في صورة مرئية تحققها السينوغرافيا من مختلف عناصرها لتمكن الممثل من أن يسافر عبرها     بواسطة الجماليات الحسية ، التي يجنيها من الأصوات والألوان ، وبواسطة الجماليات الرمزية التي يجنيها من المعاني الموجودة في بيئة الفضاء المسرحي ، وبواسطة الجماليات التشكيلية أيضاً التي يجنيها من الخط والشكل واللون والكتلة والفراغ .

    في المسرح ، كل شيء يؤثر في كل شيء ، فكلما كانت حركة الممثل مرتبطة بما هو مقرر على فضاء الخشبة ، يأتي الإطار الأكبر للعرض متضمناً إيقاعاً ذات طابع موسيقي مدروس. يقول (باتريس بافي)

 ”  مصمم السينوغرافيا يتصرف بمساحات الأداء والأشياء ، وخطط التطور تبعاً للفعل الذي سيؤدى ، ولا يتوانى عن تغيير هذه الهيكلية للعرض خلال العرض ، فالمسرح هو آلة للعب أقرب من ألعاب الأطفال التربوية البنائية، منه الى جدرانية للتزيين ، فالجهاز المسرحي يصور العلاقات بين الشخصيات ويسهل التطورات الحركية للممثلين “. (معجم المسرح – ترجمة ف. خطار- ص   183)

إنطلاقاً من أن  السينوغرافيا هي فن الإبتكار والتنظيم وزرع عالم يرتبط بالحلم ، وقيمتها تكمن في سياقها الدرامي والحركي والوجداني والوظيفي ، ومضمونها يتلخص بمنجز فني في إطار لعبة تبادل وتطابق بين مساحة النص والحيز المسرحي ، لصوغ رؤية بصرية درامية وفق ما يقتضيه ويتطلبه العرض رؤيةً تسهم في منح الممثل قدرة نفسية عالية ، وخيال واسع وطاقة غير محدودة ، يتوجب على السينوغرافي عازف الإيقاع البصري أن يعمل وفقاً لمبدأ الوحدة في التنوع عبر مختلف عناصر السينوغرافيا التالية :

 1-  ديكور يحتدم داخله الزمن والوجود والعدم والتأويل ، يتلخص في ترتيبه التشكيلي  ما بين فكرة النص وفكرة العرض ، وفي تحريره من ثبوتيته بإكسابه خاصية البعد الزمني ، وتوفيره مساحات تشكيلية تسهم في تحديد العلاقة الروحية والجسدية للممثل.

2- أضاءة تتضمن لغة وقيمة لونية لها دلالاتها التعبيرية في الفضاء المسرحي، وفعلها   الدرامي في حركتها مع لغة الجسد ، وخصائصها في المناخ المشهدي من خلال تحديد    المكان ، وفي تركيز نظر المتلقي على الحدث والشخصية المعنية .

 3-  الأزياء التي تعد من بين اكتر التقنيات خصوصية ، لكونها تلعب دوراً درامياً في    مكان الحدث وطبيعة العرض ، وفي تصميمها المتلائم مع الزمان والمكان ، وبما  يخدم شخصية ونفسية الممثل إضافة الى تجانس الوانها .

يقول (باتريس بافي( ” العلامة المحسوسة للزي هي اندماجه في العرض وقدرته على العمل كديكور متجول ، مرتبط بالحياة وبالعبارة “(معجم المسرح – ترجمة ف. خطار- ص 150).

 4-  الماكياج الذي تكمن أهميته في ترسيخ وتأطير القناع الدرامي للممثل ، ومساعدته على تقمص ومعايشة الشخصية الدرامية ، وفي التمييز بين شخصية وأخرى .

5-  الموسيقى هي العنصر المهم والمنظومة الكاملة من المشاعر والأحاسيس ، التي تساهم في إثراء قدرة الممثل على التعبير، وعلى تنمية حواسه وخياله ، وتحديداً حين تأتي من صلب طبيعة العرض ، واحتياجه لدورها كعنصر درامي له دوره في تشكيل المعنى،  يقول (باتريس بافي) : ” إن عرضاً منظماً بطريقة موسيقية ليس عرضاً نلعب فيه على آلات موسيقية أو نغني لخلق خشبة ، إنه عرض مع تقسيمات إيقاعية محددة   ودقيقة ، عرض حيث الوقت يكون منظماً بصرامة ” Meyer hold ,1992 , 4 : 325 . ( معجم المسرح ص 355-356 ).

وفي هذا السياق  يرى (آدولف آبيا ) في الموسيقى الفن المثالي الذي تطمح الى مكانته كل الفنون،   لذلك هي كفيلة بتنظيم عناصر العرض المشهدي بوحدة منسجمة متكاملة ، وبدونها لايتحقق هذا الإنسجام )كتاب الموسيقى التعبيرية  د. علي عبد الله ص 37 ).

 وعن أهمية الموسيقى وتأثيرها على الممثل ، يقول (غوردون كريغ  ( Gordon craig -لكي يثير الممثل الإنتباه إليه ، يطالبه بأن يكون صوته مرناً ناصعاً ومجلجلاً ، وهذا لا يأتي إلا من خلال اعتماد الموسيقى تمريناً للصوت ، والبحث عن الطبقة المناسبة للدور بعد مواءمة كل طبقة صوتية مع آلة موسيقية معينة ، باعتبار ان الآلات الموسيقية تقابل كل منها صوتاً إنسانياً( كتاب الموسيقى التعبيرية د. علي عبد الله ص – 42 – 43 ).

    وعلى ذلك لا يمكن ان تكون هناك سينوغرافيا صحيحة وفاعلة وناجحة في توظيف سياق  موسيقي دون الإضاءة ، أو بناء كتلة لونية جمالية للديكور من دون تناسق إبداعي مع حركة الممثل . يقول (باتريس بافي): ” كل استخدام للجسد على الخشبة كما في خارجها، يستلزم تمثيلاً عقلياً للصورة الجسدية ، وللممثل اكثر من سواه الحدس الفوري بجسده ، وبالصورة المرسلة ، وبعلاقته بالحيز المحيط ، لا سيما بشركائه في التمثيل، وبالجمهور، وبالفضاء ، وبسيطرته على العروض خلال حركاته ، يتيح الممثل للمشاهد إدراك الشخصية والخشبة ، وتماثلها خيالياً مع نفسه )معجم المسرح – ترجمة ف. خطار-ص   148) .

    في المحصلة ، السينوغرافيا فن متجدد يرتكز على أسس علمية ترتبط بالتكنولوجيا ، التكنولوجيا التي فتحت آفاقاً واسعة للإبداع في حال تم استخدامها ضمن منظومة العرض المسرحي في قيمته الجمالية والدلالية ، ووسيلة للتلقي الإيجابي في الأسلوب والشكل والمضمون ، وليس غاية للإبهار والتشويش لمجرد التجريب والتغريب السينوغرافيا فن يبحث في ماهية كل ما هو قائم على خشبة وفضاء المسرح بحس تشكيلي درامي ، السينوغرافيا فن يختزل مجموعة مدركات شكلية وموضوعية وجمالية ، هي القراءة البصرية التي تنطلق من روح النص ، والكتابة البصرية التي  تساهم في قراءة المخرج احتواءه الكامل للغة الحوار، في إطار من التكوينات ، والإنشاءات البالغة الإيحاء ، التي توفر للممثل أن ينحت بأدائه لوحات تشكيلية مثقلة بالدلالات التعبيرية الجميلة تعزف أجمل الموسيقى ، التي قال فيها المؤلف الموسيقي والكاتب المسرحي ( ريتشارد فاغنر – RICHARD WAGNER  ) ” إذا أردنا أن نتخيل الجمال في أكمل صورة ، فيكفينا أن نستمع إلى موسيقى جميلة ، وهكذا دورها في جمالية السينوغرافيا .

شادية زيتون دوغان

مصممة سينوغرافيا – لبنان

مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي ( 12 )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى