وجوه مسرحية

المورخ والناقد سمير حنفي محمود يكتب عن: مواقف وطرائف فنانى مسرح الزمن القديم!

المسرح نيوز ـ القاهرة| سمير حنفي محمود*

مؤرخ مسرحي وناقد ـ مصر

ـ

مواقف وطرائف فنانى الزمن القديم

مواقف ليست للفكاهة، ولكنها لأظهار حقيقة ليست غائبة، وهى أن فنانى هذا الزمن الذين صنعوا مجد المسرح، كانت لديهم الأهداف والأفكار التى يؤمنون بها، لم يكن أداءهم التمثيلى مجرد مهنة، أو أكل عيش، بل كان الأداء نابع فى داخلهم، ومن ثقافة لها أهدافها وأفكارها، لهذا أرتقوا بفنهم، وصنعوا تاريخاً لهم، ولأجيال عديدة أخرى، حتى وإن أرقتهم تلك الأفكار.

من داخل الكواليس :  فى عام 1958 فى مسرحية رجل الأقدار لبرناردشو، أعتاد صلاح سرحان الذى يقوم بدور نابليون، بالسير فى الممر بين الممثلين قبل البداية، وهو يرتدى ملابس نابليون، ويتذكر كلمات الرواية، ويرددها بصوت عالى، لمحاولة الأندماج فى الدور، ليباغته المخرج نور الدمرداش قائلاً (معاكش سيجارة يا نابليون) فيرد عليه صلاح ( ياريت .. أنا عامل زى نابليون بعد ما نفوه)

ولما تأخر صرف الحوافز والعلاوات فى المسرح القومى عام 1958 كان أحمد حمروش مدير الفرقة، يحرص على التواجد بين الممثلين، فى الكواليس، بدلاً من الهروب من الأزمة، فيجلس مع الممثلين، ويوزع عليهم الفول السودانى قائلاً (ده اللى أقدر عليه دلوقتى لغاية ما أصرفلكم العلاوات).

فى شهر رمضان: ونقلاً عن مجلة الفن 11 يونيه 1958، “أن الأستاذ عباس فارس كان عضواً فى جمعية الفيضيين، وهذة جمعية دينية يقوم أعضاؤها بنشر الدعوة الأسلامية وتعليم المسلمين أصول دينهم، وكان عباس فارس يتفرغ للخطابة الدينية فى شهر رمضان، فيزور الأحياء البلدية ومحطات السكة الحديد، وغير ذلك من الأماكن التى يكثر فيها زحام الناس، فيخطب فيهم خطب دينية، ويبدو أن الأستاذ عباس فارس قد أخذته الجلاله، فقرر أن يذهب إلى معقل الفساد، إلى شارع وجه البركة، حيثُ كانت تكثر البارات، وبيوت البغاء قبل ألغائها، ووقف خطيباً فى أحد البارات، يشتم السكارى ويدعوهم إلى تهشيم البار، وفى أثناء الخطابة، لاحظ أحد الشبان يهم بدخول أحد بيوت الحظ، فجرى نحوه ليمنعه، فما كان من صاحبة المنزل، إلا أن أعترضته وأنهالت عليه هى وبعض النسوة بالضرباً بالشباشب ذوات الكعوب، ونقل على أثرها إلى أقرب مستشفى، ومن يومها عدل عباس فارس عن القيام بمهمة الخطابة فى شهر رمضان.

كما يروى أن مختار عثمان سافر إلى بلدته فى ساحل سليم، خلال شهر رمضان، وفى أحد مساجد القرية, وفى يوم الجمعة، راودته فكرة أن يقف خطيباً بين جموع المصليين، ووافق المنظمين فى المسجد ، لكن مختار عثمان لم يلاحظ وقتها ان هذا المسجد فى جزء من القرية، يكتظ بالأغنياء والأعيان، وفى أثناء الخطبة، أخذته الجلالة الفنية، فأخذ يسب ويلعن فى الأثرياء اللذين يتمتعون بالثراء ويكنزون المال والفضة، على حساب الفقراء، ونسى مختار عثمان، أنه يخطب فى جمع معظمه من الأثرياء، الموعودون بالنار على حد قوله، بل أخذته الجلاله، فأخذ يتوعد هؤلاء الأثرياء بالمصير المحتوم، من عذاب النار، ثم المرض وسؤ المصير، دون أن يلاحظ لهجات الأحتجاج التى كانت تتصاعد من المصليين رويداً رويداً، وكلما أندمج مختار عثمان فى خطبته، أرتفعت لهجات الأستنكار، فظن أنها ثناء،  فذاد من حدته فى توبيخ الأثرياء، الظالمين، أرتفعت لهجات الأحتجاج، حتى كادت تفتك بمختار عثمان لولا تدخل العقلاء من أهل القرية، بدعوى أن أن مختار عثمان من الأولياء، وليس على الأولياء حرج، وهكذا أصبح مختار عثمان من الأولياء.

بديع خيرى وسيد درويش:    يروى بديع خيرى فى مذكراته فى الفترة التى أنفصل فيها عن الريحانى لسفرة بعد تأزم الظروف الأقتصادية, عقب الحرب العالمية الأولى يقول بديع خيرى “أذكر يوما ضاقت بنا فيه سبل الرزق, ولم يكن ما معي وما مع الشيخ سيد يتجاوز عشرة قروش, فاقترحت عليه أن أعكف أنا علي التأليف، وهو علي التلحين، ثم نذهب إلي ميشيان تاجر الأسطوانات ونبيع له إنتاجنا‏,‏ وجلسنا ليلة كاملة وضعت فيها ‏12‏ دوراً، لحنها الشيخ سيد كلها، وذهبنا في الصباح إلي ميشيان يحدونا الأمل‏,‏ وشعر التاجر الخواجة بأزمتنا فطلب سماع ما عندنا، فاخترنا ثمانية أدوار سمعها ثم بدأ المساومة بعرضه عشرة جنيهات‏,‏ وحاولت معه رفعها إلي ‏15‏ جنيها دون فائدة، فاستبد الغضب بسيد صائحا في وجه الخواجة‏:‏ إيه ده يا ميشيان ‏8‏ أدوار تأليف بديع، وتلحين سيد درويش، بعشرة جنيهات، هو احنا بنبيع ترمس‏,‏ فرفع الخواجة السعر إلي‏12،‏ جنيها فتنفست الصعداء‏,‏ لكن الشيخ سيد زادت ثورته، فجمع النوت كلها ومزقها، وألقي بها أمام الخواجة، وسحبني من يدي وخرجنا أشد جوعا‏ًًًً,‏ ولم تر هذه الألحان النور لأنها ضاعت في ثورة كرامة‏,‏ وضاقت الدنيا في عيني، فقلت لسيد أعاتبه‏:‏ عملت كده ليه، وناكل منين؟‏!‏، فإذا به يقول لي‏:‏ اسمع يا بديع‏،‏ الجوع مش عيب‏، لكن خدش الكرامة هو اللي عيب‏، لازم نحافظ علي كرامة الفن‏، ناكل تراب، نسف رمل‏، ناكل من صفيحة الزبالة، لكن يجب أن تكون لنا كرامة‏،‏ الدور بجنيه وربع‏،‏ تأليف‏، وتلحين، وغناء، دي بلد يجوع فيها العباقرة‏،”ومن المواقف الأخرى التى تداولت فى هذه الفترة، موقف يدل على طبيعة الشخصية المصرية، التى يحاول البعض تشويهها، فقد توفى والد بديع خيرى، وكان من الطبيعى أن يقوم صديقه سيد درويش بواجب العزاء له بأحد شوارع شبرا، فذهب سيد درويش إلى أقرب كنيسة قريبة من العنوان، وشاهد هناك قداساً يستعدون له، فظن سيد درويش أنه عزاء والد بديع، فدخل سيد درويش الكنيسة، وقدم واجب العزاء وجلس يبحث عن صديقه بديع خيرى، لكن بديع خيرى لم يظهر، فذهب إلى أحد القساوسه ليسأله، (هو بديع أفندى خيرى ماجاش ليه النهارده، خير حصل له حاجه) فعلم القسيس أن سيد درويش كان يقصد عزاء والد بديع فقال له (عزاء والد بديع أفندى خيرى ليس هنا) فتعجب سيد درويش لكن القسيس ضحك وربت على كتف سيد درويش قائلاً (عزاء والد بديع أفندى خيرى فى الجامع الموجود عند نهاية الشارع) وعندما ذهب سيد درويش لبديع خيرى سأله قائلاً لماذا لما لم تقول لى أنك مسلم؟ فأبتسم بديع خيرى قائلاً هو أنت كنت سألتنى وماجاوبتكش.

عزيز عيد وجورج أبيض: ومن مذكرات روزاليوسف .. أشتد الخلاف بين عزيز عيد وجورج أبيض لأختلاف الأفكار والمذهب الفنية، لهذا تم الأنفصال بينهم، وفى عام 1918 عاد عزيز عيد للتعاون مع جورج أبيض مخرجاً وممثلاً بالفرقة مع فرقته نظير 20% من الايراد، لكن بعد أنتهاء جولة الفرقة، رفض أبيض منح عزيز النسبة التى أتفقا عليه، وقال له جورج أبيض، “صحيح لك عندى ألف جنيه، لكن أزاى تتصور أنى أطلع ألف جنيه من جيبى وأعطيهالك؟ أنا ما بقدر أعمل كده، ولا أخويا سليم بيقدر يعمل كدا، ولا أمى، كمان بتقدر”، وتسنح الفرصة لعزيز عيد بالأنتقام من جورج أبيض، عندما عاد أليه جورج أبيض يطلب منه أن يكون مخرجاً للفرقة الجديدة، فأقترح عليه عزيز أن تكون الفرقة الجديدة ضخمة جداً، وأن تتخصص فى تقديم الأعمال الغنائية الأستعراضية، لهذا يجب أن تكون حافلة بالملابس والمناظر والممثلين، وأن تمتلك مسرحاً ضخماً، وهو ما جعل جورج أبيض يستأجر مسرح الرينيسانس الباهظ فى أيجاره، واشترى لصالح الفرقة رواية أستعراضية من تأليف مصارع شهير وقتذاك أسمه، عبد الحليم المصرى، بها عدد كبير من الأستعراضات، التى تحتاج إلى كمية كبيرة من الملابس والديكورات، وكانت قمة الشيطنه من عزيز عيد أن أقنع جورج أبيض بصوته الأجش بالغناء فى الأوبريت، ومعه المصارع الشهير صاحب الرواية، وأنساق أبيض خلف عزيز، وتوسع فى النفقات بشكل مبالغ فيه، وظهر جورج أبيض بصوته الغليظ يغنى ، والأدهى من هذا أن يشاركه المصارع ضخم الجثة والصوت الغليظ عبد الحليم المصرى، وسط هرجلة من الحركات العشوائية غير المفهومة، وبالطبع سقطت الأوبريت سقوطاً مدوياً، أشفى غليل عزيز عيد، ورغم هذا لم تنقطع صلة عزيز عيد بجورج أبيض.

فرقة عكاشة فى سوريا:  فى عام 1927 قامت فرقة أولاد عكاشة برحلة إلى الأراضى السورية خلال شهر رمضان، ومن حسن حظه، أن فرقته كانت هى الفرقة الوحيدة المتواجده فى سوريا وقتذاك، فاراد عكاشة أن ينتهز الفرصة، ويجمع أكبر أيراد، فأعلن عن إقامة حفلات صباحية، لتسلية الصائمين، وبأسعار مخفضة، وكان الممثل فؤاد فهيم يعمل مشرفاً، وكانت مهمته الوقوف على الباب للأشراف على بيع التذاكر، وفجأة ظهر أمامه رجل ضخم، يرتدى الملابس السورية ويحمل دسته من الخناجر، والسكاكين، والمسدسات، وحاول أقتحام المسرح دون تذاكر، فمنعه المسكين فؤاد فهيم، فهمس له أحد المرافقين قائلاً ( يا مصرى، أنت أتجننت، ما بتعرف مين بيكلمك؟، هيدا عصبجى البلد) ويبدو أن العزة نالت من المسكين فؤاد فهيم فتمسك بدعوى القوانين، بموقفه فقال له العصبجى وهو يخرج أسلحته (أنا صرمايتى القوانين، أنا يا قريع ما بحترم القوانين)، وفى لحظات كان جميع المتفرجين، وأعضاء الفرقة، وفى مقدمتهم، فؤاد شفيق، يلوذون بالفرار بكل ما أتو من قوة، بعد ان أخرج الرجل مسدساً وراح يطلق رصاصات فى الهواء، وألغيت الحفلة الصباحية فى هذا اليوم، وبعد الأفطار فوجئ عبد الله عكاشة بزيارة هذا السورى، عصبجى البلدة، يأتى ليعتذر له، فقد خيل له، أن أهانة بليغة قد لحقته، عندما طلب منه فؤاد شفيق تذكرة، فإن العادة جرت ألا يطلب من رجل له مكانة فى عالم القوة والخناقات تذاكر دخول.

الحب ينتصر على التمثيل:  كانت هناك قصة حب مشتعلة بين مارى منيب وفوزى منيب وسط مواصلة ومعارضة متواصلة من والدة مارى، لكنها كانا يخفيان مشاعرهما تارة ويبوحان بها تارة أخرى، وسنحت لهما الفرصة فى رحلة قامت بها فرقة أمين عطا الله إلى بيروت، وكانت فرصة لهما كى يبوحا بحبهما، وتملكت السعادة من مارى منيب عندما صارحها فوزى منيب برغبته فى الزواج منها، وأمتدت معهما هذه السعاده حتى بيروت عندما كانا يقدمان أحد العروض المسرحية وكان فوزى منيب يقوم بدور خادم يحب أبن سيده، وكانت مارى تقوم بدور أبنة السيد، بينما يقوم فوزى منيب بدور الخادم، وكان من المفترض فى الدور أن تقوم مارى بتوبيخ الخادم على مشاعره، لكن رغماً عنه وعنها ينقلب الدور إلى وصلة عشق بين الأثنين، بينما الجمهور يضج من الضحك غير مدرك أنهما خرجا تماماً عن الشخصيات المرسومه فى الدور وأندمجا فى وصلة عشق، رغماً عنهما .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى