مقالات ودراسات

الناقدة أمل ممدوح تكتب: الجمهور الناسك والفن النقي

المسرح نيوز ـ القاهرة |أمل ممدوح

ـ

الناقدة أمل ممدوح

مسرح لا تناديك إضاءته أو يجذبك ديكوره وسينوغرافيته أو تبهرك ملابسه ولا يبحث عن مغازلة أهوائك وتسليتك.. ربما هو مسرح قرر الوقوف باعتداد عند الشاطىء الآخر الذي يغمره الظل حتى تراه بلا رتوش متى أتيته بلا رتوش؛ خالصا راغبا فيما لديه، ذاك الذي اختار شكله فاختار به مريده وزائره ، فلا يحتاج لشيء خارجه سواك لتصبحا معا نسيجا واحدا ، إنه المسرح قليل الإنتاج أو ” الفقير” كما أسماه جروتوفسكي المخرج المسرحي البولندي ، يختلف الأمر إذا نظرنا لاقتصاده على أنه افتقار عما لو أنه قرار، فالنظرة الأولى ستدعوك للتواجد باسم الدعم المتعاطف والأخرى باسم عشق البكورة والحالة الفنية الخالصة ، ولا نظن أحدا ليغادر منزله وأسرته ويسير طريقا قد يكون بعيدا من أجل ما يراه منقوصا لأجل الدعم فقط ،  فإن حدث سيكون عددا محدودا أتى صدفة أو كان قريبا بلا معاناة ، أما النظرة الثانية فتأتي بجمهوره الحقيقي المعني الراغب حقا ،

 

ولما كان هذا المسرح المعتمد بشكل أساسي وكامل على الممثل جسدا وصوتا وإمكاناتهما التعبيرية؛ قليل الإنتاج فلن نتوقع أيضا دعاية مبالغة أو مبهرة خاصة أن جمهوره بهذا المنحى القصدي سيكون نوعيا مهتما بالأساس أو على الأقل غير راغب أو شديد الانغماس في الحالة الاستهلاكية السائدة وربما فار منها ، بل ربما كان متجردا كهذا المسرح الذي يجرد كل الإضافات غير مبق فقط إلا على الطرفين الأصيلين للعملية الفنية وهما الممثل والجمهور، لذا لا أرى أن الرصد أو الإحصاء العددي لجمهور هذا المسرح صالح لتقييم نجاح التجربة وأهميتها ، فوجود هذا المسرح يستمد أهميته من ذاته وقلة جمهوره شيء شديد التوقع وإن زاد كان مؤشرا إيجابيا للتعطش للفن الخالص .

يتساءل جروتوفسكي لماذا نحن مهتمون بالفن ؟ ليجيب “حتى نعبر عن حدودنا وحتى نوسع من حدودنا وحتى نملأ الفراغ من حولنا ونشبع حاجتنا وإن غايتنا في ذلك هو البحث عن الشفافية وانتزاع أقنعتنا ، والمسرح أولا وأخيرا هو مكان للإثارة ومن خلال صدماته يجبرنا على هجر الأقنعة ويقودنا إلى المستحيل الذي يصعب تعريفه والذي فيه خلاصنا “، فمتى حقق المسرح ذلك فقد أدى وظيفته وهو ما يسعى له جديا هذا المسرح وفلسفته النازعة للزيف والوهم ،

 

فحين تزال كل الطبقات الشاغلة عن الجوهر يصبح اللقاء به حميميا وهو تماما ما قصد بهذا المسرح؛ تكسير خشبة المسرح والإحساس المبالغ بها والوصول  بفقدان طغيانها على كل من الممثل والجمهور لعلاقة أكثر قربا وحميمية ينصتان فيها لبعضهما بعد نزع كل الأقنعة  وفقد الرغبة فيها ، هنا يختلي المشاهد بالحالة النقية التي يحمل ثقلها وطاقتها الممثل الذي تحمله هذه الحالة مسؤولية أن يعكس بذاته كل الوظائف الأخرى، وهنا الممثل لا يقف في بقعة شديدة البعد بل يبدو شريكا مقدسا للمشاهد قد يشركه معه نفسيا وتفاعليا ويقربه مكانيا في تقارب معني به القضاء على المسافة بين الممثل والجمهور على المستويين المادي والفلسفي، الأمر يقودنا لتساؤل عن تصور لجمهور هذا المسرح الذي يسهل تخيل عدم تقليديته وعدم استهانته أيضا أو ترخصه.. يسهل تصوره جمهورا جادا أو نوعيا أو مرنا غير جامد ، أما فئاته العمرية فهو صالح لاجتذاب جميعها إذا أتقن غايته وأخرج فيه الممثل طاقته المعوضة لكل ما حجب والعاكسة لما يريده والجاذبة للتفاعل والخالية من الاستعارات الزائفة التي فر منها هذا المسرح وفر منها جمهوره إليه كالناسك وإن قل .

ـ

العدد الرابع نشرة مهرجان ” مسرح بلا إنتاج” في دورته 2017  بالإسكندرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى