مقالات ودراسات

الناقدة أمل ممدوح تكتب: بصحراء الشارقة ..  زخم تراثي للبادية في فرجة مسرحية حية

مقال بالصور

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات

ـ 

أمل ممدوح*

ناقدة مصرية

    ضمن حالة تراثية تتخذ الصحراء فضاء ومنبعا لها، بمفرداتها وشخصيتها الثقافية وسحرها الخاص، ضمت ليالي الدورة الخامسة من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، المنعقدة مؤخرا في صحراء منطقة الكهيف بإمارة الشارقة، ستة عروض من دول مختلفة، قدمت بتنوع فرجوي في فضاء حر يحتمل مفاجآت الطبيعة والحالة المباشرة فيزيدها حياة وتفاعلا ممتعا، يتطلب أحيانا من فريق العمل ذهنا حاضرا للسيطرة دون خروج عن النص، كجموح مهرة في أحد العروض، أو اشتداد الريح، الأمر الذي يعطي مذاقا مثيرا وصادقا، كما تعكس العروض ثقافات الدول المشاركة وإن ظلت تشترك في سمات أساسية للبادية والصحراء وعالمها المتفرد الخاص، وفيما يلي نستعرض هذه العروض المشاركة من كل من الإمارات والكويت وموريتنانيا والسودان والعراق والأردن ..

 

 

 الإمارات “مطايا البيان ” ..

الحقيقة ليست تأويلنا لها .. تناول قصصي رمزي زاخر بصريا

نبدأ بأول عروض المهرجان وهو العرض الإماراتي “مطايا البيان” لفرقة مسرح الشارقة الوطني، من تأليف فيصل جواد وإخراج محمد العامري، وهو من بطولة أحمد الجسمي ومحمد العامري وإبراهيم سالم وآخرين، ويبدأ بداية جاذبة دراميا وبصريا، حيث يصبح الفضاء المسرحي على رمال الصحراء كلوحة ساخنة التشكيل بإضاءة حمراء عامة صارخة بينما يرتمي عدد من الأشخاص منتشرين على الأرض أمام الخيام؛ يبدون قتلى إثر معركة، بينما يحيط بالخلفية وراء الخيام دخان كثيف يوحي بالبرد والمأساة االثقيلة، بينما يتفقد شيخ يرتدي زيا عربيا قديما هؤلاء الناس، مع تعليق صوتي مسجل ومضخم “بلاي باك” بالعربية الفصحى كبقية العرض، يتحدث عن قيمة الكلمة وأمانة الإنسان، وظلم الإنسان بتحريف معنى الكلم (وهو التعبير الذي يستخدمه العرض بمعنى الكلام كثيف المعاني) بعد بيان، وأن العقول للكلم مطايا البيان، تعليق لا يفسر سريعا الحدث الآني بل يشير لما وراء حدوثه، في سرد سجعي يتخذ أسلوب الراوي، فهذا الشيخ راوي الحكاية ومن يعلم ما ورائها، بداية افتتاحية عن ذروة الحدث، ليبدأ السرد بالرجوع الحركي للخلف مع ثبات الراوي في المنتصف مستكملا حديثه، فيقوم القتلى ببطء يتعاركون ثم يعودون برماحهم للخلف، بتقنية سينمائية بإرجاع الصورة للخلف وما تعنيه من رجوع للزمن يوحي بسرد لبدء الحكاية، حيث تزرق الإضاءة كحالة ما زالت هادئة بعد ومستقرة، مع اعتماد بؤر الإنارة المحددة لمن يتحدث أو يتحدثون، نجد ثلاث خيام ، واحدة على اليمين وأخرى في المنتصف وثالثة على اليسار، كل منها تضم أسرة ابن من أبناء أحد الشيوخ ، يبوح والدهم  لكل منهم بجملة واحدة حيث يقول لهم “أبناء عمومتكم يطمحون في عقولكم، يطمعون في رؤوسكم ويطلبون قلوبكم”،

يبدأ الأمر بالخيمة اليمنى للإبن الأول، الذي يرى حين يتلقى الجملة أنها إعلان حرب، وتبدأ الهمسات في تناقل الجملة، لتصبح الجملة منتشرة كنذير لكارثة كبرى ودق لطبول الحرب، لننتقل بعد إظلام لحظي للخيمة الثانية الوسطى للإبن الثاني التي تنار دون غيرها، لنرى كيفية تلقيه للجملة، ثم ننتقل للخيمة الثالثة للإبن الثالث، حيث يختلف تأويل كل ابن للجملة مع إشارة لخطورة سرعة تناقل هذه التأويلات لتصبح كحقيقة عامة مسلم بها، تذهب بعيدا عن مضمون النص الحقيقي، الأمر الذي يتماس بشكل ضمني وإن لم يرد ذلك، مع ما يعانيه العالم من جراء التفسير السطحي للنصوص الدينية الذي يجر الويلات على كل المجتمعات، ليصل الأمر في العرض لاقتتال وعداء مع أبناء العمومة، بسبب سوء تأويل هذه الجملة الواحدة بحسب أفكار وطبيعة كل منهم، حتى إذا استقر التأويل الصحيح زال الخلاف وساد السلام وتصالح الجميع وسادت الإضاءة الزرقاء الهادئة كالبداية.

العرض ذو معنى ضمني واضح حول تحري الدقة في تناول الكلام، ومحاولة الفهم الصحيح والحقيقي لمعانيه، حيث سوء التأويل قد يجلب المصائب والدمار، وقدم ذلك ببنية الحكاية البسيطة، في مشاهد متتالية تجسد حكاية مباشرة الرمز لكنها تحوي إسقاطات ضمنية تدين التناول السطحي للكلمات والنصوص، وبالتالي تدين أفكار الرؤوس التي فسرتها وألبستها ما يشابهها من توجهات قد تكون بريئة منها، ساد العرض الحالة والأداء التراجيدي، مع سينوغرافيا جيدة التوظيف واضحة التأثير في العرض، كتكوينات المشاهد وإضاءاتها الجمالية والدرامية معا، مع استخدام المصابيح المضيفة تشكيليا للمشاهد والمرتبطة دراميا بها، حيث توحي استخداماتها بالانتشار والتنقل، حين تنتشر في أيادي الشخصيات حين يبثون الجملة متهماسين وحين يبدأ الهبوط من أعلى الجبل لبدء الحرب، حيث تحملها الشخصيات المغيرة في أيديها، مؤكدة أيضا على عالم الليل والظلمة الدرامية الضمنية رغم الإنارة،

 

مع حسن التأكيد على الانقسام لفريقين بتمييز الفريقين من أبناء العمومة في الملابس نسبيا وفيما يركبون؛ حيث فريق أسفل الجبل يستخدم الخيول والآخر قادم من أعلاه يستخدم الجمال، مع استخدام جيد للموسيقى في حالاتها المختلفة ونقاء صوتي وتشكيل مميز، مما كان يمكن أن يغني عن فرط استخدام التعبير النصي والجمل التي اتسمت كثيرا بالأسلوب الإنشائي المتكرر في كثير من الأوقات، إضافة لإيقاع جيد إجمالا لهذا العرض المنضبط والجذاب بصريا، والذي يعد من أفضل عروض المهرجان.

 

الكويت “الأصاخيب” …

مأساة الطاعون وأمراض اجتماعية.. تراجيديا جيدة طالتها الميلودراما

ومن الكويت كان عرض “الأصاخيب” لفرقة المسرح الشعبي، وهو من تأليف فلول الفيلكاوي وإخراج محمد الشطي، وبطولة هبة مطيع وجراح مال الله وعبد الله المسعود وعثمان الشطي وغيرعم، يبدأ العرض بإضاءة عامة حمراء توحي بخطر وخضراء داخلية للخيمة المركزية، بينما تبدأ بقية الخيام في اتخاذ نفس الإضاءة، حيث الإضاءة في العرض عموما شديدة التشبع والتواجد الدائم، مع صوت صيحات وانتشار أشخاص يحملون مصابيح بيضاء، مع دخان في الخلفية يوحي بحالة مكثقة دراميا وتحمل وقع الضباب المنبىء بمأساة، مع استخدام للهجة المحلية بتقنية “البلاي باك” الصوتية، تظهر ثلاث خيام بثلاث أسر، يمنى ووسطى ويسرى، في الخيمة اليمنى أسرة سالم الذكوري الغليظ مع زوجته وبناته، الناقم على كونه أبا للبنات، أما الخيمة الوسطى فلمسعود وزوجته التي يحبها وتنجب مولودا ذكرا ما إن يسعد به سعود حتى يكتشف موته فيصبر ويرضى، والخيمة الثالثة لفتاة تنتظر الزواج من حبيبها، ليذهب الرجال الثلاثة سعيا وراء الرزق، بينما يحل الطاعون، حيث يدور العرض حول هذا الحدث المأساوي الذي شهدته الكويت عام 1830، بانتشار مرض الطاعون الذي قضى على نصف سكان المجتمع في هذه الأيام سواء في “سور الدروازة” أو في البادية الكويتية، وهو اختيار جيد للموضوع في حد ذاته يلقي الضوء على حدث تراجيدي هام في تاريخ الكويت، وبحلول الطاعون في العرض تصبح إضاءة الخيام مائلة للبياض شاحبة كالمرض، ثم تبدأ في الاحمرار عند الموت، مع مزيج آخر مفرط من الألوان الإضائية غير المبررة أو المتسقة،

 

تموت بنات سالم الغائب الذي يصدم بذلك عند رجوعه وينهار، مقدرا بعد فوات الأوان قيمة بناته اللاتي كان دائم السخط والنقمة لإنجابه لهن، وتموت زوجة سعود عند رجوعه بينما أنجبت له بنتا، هي من تحيا في النهاية كتعبير عن الأمل، ولا يعود الحبيب لحبيبته بل يموت في الصحراء على مشارف الديار، حالة مأساوية مؤثرة، يعيبها الإفراط الميلودرامي في تقديمها وصياغتها والتأكيد على ذلك رغم أن الموضوع بذاته كاف للتأثر، فتكثر المبالغة والعويل المتكرر والإلقاء المبالغ ميلودراميا، وقد يتفق هذا مع اسم العرض “الأصاخيب” وهي كلمة تعني الأصوات العالية والتي من المنطقي أن ترتبط بالكوارث، لكن في نفس الوقت كان يمكن أن يظل تجسيد هذا العنوان رمزيا بتكرار نسبي لصراخ أو نحيب دون المبالغة فيهما ودون وصم الأداء والبناء بالمبالغة الشديدة، كما يضم العرض راويا أيضا، لكن الراوي هنا شديد المبالغة أدائيا وإلقائيا وفي الإسراف في البكائية، كما يكثر استحدام الموسيقى والإضاءة بشكل يبدو مفرطا وعشوائيا نوعا ما، العرض به سمات جيدة ونص جيد، وموضوع جيد الانتقاء متميز ويعكس عدة قضايا اجتماعية كاذكورية والرضا بإنجاب الإناث والرضا عموما، وكاد أن يكون منضبطا لولا المبالغة الميلودرامية التي أهدرت عمق الموضوع.

 

موريتنانيا “ليالي لعزيب” ..

الحب وخصومة اختلاف الأعراق .. حالة طريفة سادتها العشوائية

نأتي للعرض الموريتاني “ليالي لعزيب” لفرقة جمعية دور المسرح للتكوين والإنتاج الفني، بطولة النبوي البخاري والهادي بكات وباب أمين ميني وخديجة تيرن وآخرين، وتعني كلمة “لعزيب” وقت سقوط الأمطار في الخريف، وبالفعل يبدأ العرض بسقوط الأمطار وصوت سقوطها مصحوبا بصوت الرعد، مما يعطي إحساسا حيا في بداية العرض الذي يدور حول التنقل بحثا عن الكلأ مما يقرب بين قبيلتي “لماحين” و”الدواشر” المتفرقتين لسنوات والمختلفي العرق، لكن يتطور الأمر بطلب إبن زعيم قبيلة “لماحين” ليد ابنة زعيم قبيلة “الدواشر”حاد الطبع، الذي يكتشف ثأرا قديما بين القبيلتين، مما يشعل حالة الخصومة ويؤدي إلى اقتتال القبيلتين، ليصبح الثأر والانتقام عائقا أمام الحب والزواج والسلام، حتى يستطيع أحد الوسطاء الصلح بين القبيلتين ويستطيع الحب أن يطفىء نار الخلاف والانتقام.

يبدأ العرض كما سبق أثناء هطول المطر مع إضاءة زرقاء هادئة مسالمة، بينما نجد خيمتان إحداهما على اليمين ولأخرى على اليسار تشيران ضمنيا لجانبين وحالة متضادة موفقة تعبيريا، وتأتي الحوارات حية ليست عبر التسجيل الصوتي المسبق، ليبدأ تدريجيا إعجاب شاب هو إبن زعيم القبيلة التي تسكن الخيمة اليسرى، بالفتاة ابنة زعيم القبيلة التي تسكن الخيمة في الجهة اليمنى، فالتكوين المبدئي مناسب لدراما العرض الذي صيغ في قالب كوميدي طريف، ميزه عن غيره في هذه الجزئية، إلا أنه شابه الكثير من الارتباك والترهل والإطالة مع حركة عشوائية غير منضبطة مما أضفى ضعفا عاما على العرض، رغم حيوية وتلقائية الممثلين وطاقتهم التي كانت واضحة، لكنها ظل ينقصها الانضباط والاحتراف، تراوحت الحركة بين اليمين واليسار بشكل مفرط أضر ثباته الدائم بالإيقاع، مع عدم وضوح اللهجة وغموضها حتى عند الحديث بالعربية الفصحى، إضافة لمباشرة وضعف الحوار، لتمضي الأحداث في القصة البسيطة بعد إطالة حتى يلتقي الحبيبان وتزول الخلافات الأسرية ويعم السلام، مع رقصة تراثية بالملابس الموريتانية التقليدية التي قدم بها العرض في قصة بسيطة طريفة كانت بحاجة للكثير من الانضباط.

 

السودان ” المك نمر ـ حب في الصحراء”..

حب بين سطوة وثأر.. إبهاج بصري وشاعرية غنائية

ومن السودان قدمت فرقة المخمل للفنون الأدائية عرض “المك نمر ـ حب في الصحراء”، تأليف إبراهيم العبادي وإخراج عادل حربي، وبطولة طارق علي وإيمان حسن وعبد الرحمن الشبلي وعبد الحكيم الطاهر وآخرين، وهي نص شعري لمسرحية “المك نمر”، التي كتبت في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، وهي من المسرحيات الكلاسيكية التراثية الهامة، تدور أحداثها الواقعية في منطقة البطانة، وهي بادية محازية للنيل ونهر عطبرة ومنطقة شندي، يتناول العرض قصة حب بين فتى”طه” وفتاة “ريا”، كلاهما من قبيلة “البطاحين”، لكن زعيم قبيلة “الشكرية” واسمه “ود دكين” يلتقي يوما بالفتاة، فيرغب بالزواج منها مستندا لنفوذه وجاهه، غير آبه بقصة حب العشيقين اللذان يهربان إثر ذلك إلى منطقة أخرى، فيطارد “ود دكين”  العاشقين حتى يبارزه طه ويصرعه، فيلجأ الحبيبان إلى “المك نمر” زعيم قبيلة “الجعلية”، الذي يحميهما مواجها قبيلة ود دكين التي تطالب بالثأر، وذلك وقوفا مع الحق رغم صلة النسب بينه وبين هذه القبيلة.

هذا العرض له طبيعته الخاصة، حيث تطل سريعا الروح السودانية بموسيقاها المميزة وملابس الشخصيات، في حالة فولكلورية دامجة بين التراث السوداني الأفريقي والعربي البدوي، مع رقصات استعراضية بسيطة وغناء ممتزج بطابع غربي كأغنيات ديزني بحسها المخفف والمحبب، دون فقد الروح السودانية، مع تكوين ذو تشكيل بصري مبهج يبرز المفردات الفولكلورية، كالسلال والمواد المصنوعة من القش وملابس مبهجة الألوان خاصة للفتيات، ليبدو العرض كالأوبريت الغني دراميا وفرجويا دون إثقال، تسوده تكوينات مختلفة نسبيا في اختيار أماكنها من الصحراء، وحكاية مبسطة بحبكة وصراع بسيطين ونهاية سعيدة، تدعم قيمة العدل والحب الذي بهما يسود السلام، وإن كان هناك قدرا من عدم وضوح النطق من البعض، مع بعض العشوائية في الحركة، إضافة لمشهد غير منسجم مع طبيعة العرض لأطفال صغار يمثلون غربان تنذر بالشؤم، حيث استخدمت في ملابسهم بعض الإضاءات التي أدخلت طابعا مصطنعا متنافرا مع الحالة الطبيعية والفطرية السائدة، إضافة لركاكته الرمزية، من جهة أخرى كان أداء بطلة العرض لافتا للنظر مع حضور قوي لها وصوت جيد أضاف للحالة في مجملها.

 

 العراق “سبيل الأصالة” ..

 أصالة تردها السنون ..بنية أسطورية جذابة بصياغة تقريرية

وننتقل إلى العراق بعرض “سبيل الأصالة” لفرقة جلجامش المسرحية، من تأليف معد هاشم وإخراج عبد الرضا جاسم ، وبطولة ضياء الدين معتمد وسما فراس ونور فراس ومحمد علي محمد، يبدأ العرض بشكل يوضح القصة المباشرة على لسان من يروي عن الشيخ “بطاح”، الذي توفي تاركا ابنتين إحداهما ماتت والأخرى مرضت بعد أختها حتى أصيبت بالجنون، بينما نراها في بؤرة إنارة جانبية ترتدي ثيابا سوداء مبعثرة الشعر يلعب معها الأطفال في الرمال، كبداية بنكهة أسطورية مشوقة، ليجيء زائر هو الشيخ “مسلط” لخيمة أخيها طالبا يد إحدى بنات الشيخ بطاح كما أوصاه والده المتوفي، فيعرف أنه لم يتبق من بناته سوى “العنود” تلك التي أصيبت بالجنون، فيطلب رؤيتها ويوافق على الزواج منها، فيتزوجها ويذهب بها خارج القبيلة، لننتقل زمنيا لسنوات من خلال الانتقال للخيمة اليسرى، حيث نجد فيها أخت الشيخ مسلط الذي نعرف أنه رحل بينما أنجب من زوجته ابنا “الذيب”، ربته هي ورعاه خاله ودربه على الفروسية، بعد موت أمه ورحيل أبيه الذي نعرف أنه لم يرحل، بل تم خطفه من إحدى القبائل التي ترفض تسليمه إلا لأحد أقربائه الرجال،

بينما لم يكن لديه سوى ابنه الرضيع، هذه النقلة الزمنية كانت لتكون جيدة إن صيغت بشكل مقنع موح بها بصريا لا سرديا فقط، وهو ما لم يحدث، نرى بعد ذلك في ركن بعيد عند شجرة صغيرة هذا الأب الأسير الذي يسعى سجانه لسماع قصته فيتعاطف معه، يعرف الإبن بشأن والده الذي كان يظنه ميتا، فيذهب في التو وحده يحرره ويعود به، فكأن أصالة الأب من سنوات يردها له الإبن بعد سنين، لكن ذلك تم بحالة سريعة فاترة غير مقنعة ولا تتناسب بشكل كاف مع العاطفة الدرامية، فالمواقف والأداء بدوا تقريريين رغم جودة النص والموضوع، باستثناء أداء جيد بوضوح من الممثل الذي أدى شخصية “الشيخ مسلط”، فهناك اصطناع في صياغة المواقف والوقفات المواجهة بشكل مباشر للجمهور، ضمن حالة تقريرية سادت الأداء وأغلب مشاهد العرض الذي كاد أن يكون جيدا لولا ذلك، لتأتي النهاية سعيدة احتفالية وغنائية بعودة الأب ومعه سجانه النبيل الذي أحب الرجوع معهم، وزواج الذيب من حبيبته ابنة خاله.

 

الأردن ” زين المها .. مهاجي الرمال”..

فروسية ونبل يهزمان الشرور .. زخم فرجوي يتنفس حياة

تختتم ليالي العروض بالعرض الأردني “زين المها ـ مهاجي الرمال” لفرقة مادبا المسرحية، من تأليف وإخراج د. علي الشوابكة، بطولة رسمية عبده ومعتز أبو الغنم وسماح جرار وطارق نعيم وتيسير علي وغيرهم، وهو يدور حول قصة “زين المها” المعروفة تراثيا، التي حدثت في بادية الشام في فترة زمنية اتسمت بالصراع بين القبائل البدوية، في قصة ملحمية وبسيطة في ذات الوقت، فيبدأ العرض لتطل منه حالة حية تملأ الفضاء، تعكس مذاقا تراثيا صادقا غير مصطنع، مع تكوينات موفقة وإضاءة موحية غير مبالغة، تعتمد على البؤر الإنارية أكثر من الإضاءة الملونة وإن وجدت بشكل مقتصد كالإضاءة الزرقاء الموحية بالليل والبرودة، تسود الأحاديث البدوية التي تبدو تلقائية وتكثر الشخصيات بشكل حيوي مبرر في عدة المشاهد، ونرى الممارسات اليومية كصب القهوة من الدلة واحتسائها في جلسات الخيام، والأغاني الشعرية وعزف الربابة الذي أضفى حسا فولكلوريا مع صوت صهيل الخيول واستخدام الجمال بشكل يجسد الروح البدوية ويضفي حياة حقيقية على عالم العرض،

 

يقدم العرض لنفسه من خلال مشهد افتتاحي نلمح فيه عن بعد اقتتال خلفي على إحدى التلال، ثم نرى حديثا جماعيا أمام خيمة وسطى بين عدد من الرجال لدى الشيخ “وهدان” الذي يستضيفهم، ممتدحين شعرا أخيه “ركان” الفارس الذي ذهب يطارد مهاجمي القبيلة ليسترد ما سرق من ماشيتها، لتبدأ زوجة وهدان في إثارة غيرته من أخيه والتي تغار بدورها من زوجة أخيه المخلصة الجميلة “زين المها” التي تجلس وحيدة بانتظار زوجها في الخيمة اليسرى، ليعود ركان منتصرا بالماشية ليدب خلاف بينه وبين أخيه وهدان الذي أوغرت زوجته صدره، وسرعان ما يندم عليه وهدان لكن بعدما أغضب أخيه الذي يرحل غاضبا مع زوجته، ليتعرضا في رحلتهما لاعتداء ينتصران معا فيه،

حيث “زين المها” فارسة شجاعة تبارز وتمتطي الخيل، ليتصالح الأخوان بعدها ويعود الأخ الغائب في نهاية سعيدة، وبرغم بساطة القصة، تميز العرض إخراجيا وأدائيا ونجح في بث حالة فرجوية ممتعة وحية، مع استخدام لتكثيف مشهدي يمزج الحالة المسرحية بالسينمائية، حيث ينبع مشهد من آخر ويعملان معا في نفس الوقت، بحيث يخفت أحدهما الذي كان متقدما كما حدث في أحد المشاهد ويبرز الآخر، صوتا وإضاءة ودراما، مما أضفى ثراء مشهديا وقوة فرجوية في عرض من أقوى عروض المهرجان وأفضلها.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق