مقالات ودراسات

الناقدة ماجدة موريس تكتب عن : “مسرح التليفزيون الجديد”

ماجدة موريس

ناقدة ـ مصر

ـ

هل هبت ريح الثقافة فجأة على قنوات التليفزيون الخاصة فقدمت مسرحا سواء ضمن برامجها أو بمفرده؟ أم أن الغيرة هى الدافع إلى هذا؟.. وإذا كانت الغيرة على الثقافة موجودة فلماذا يصبح المسرح هنا هو اسكتشات هدفها الضحك غالبا، والسخرية من أيامنا أحيانا..

والحكاية أن الفنان أشرف عبدالباقى استطاع أن يفتح مساحة جديدة للمشاهد من خلال فرجة تختلف عن رؤية المسلسلات المصرية والتركية والهندية، كانت هذه المساحة بعنوان “تياترو مصر” مساء الجمعة على شاشة mbc مصر.. ولأن أشرف فنان مؤمن بالتجربة والتجديد، فقد استطاع انتقاء مجموعة من الممثلين والممثلات الجدد الموهوبين، بعضهم جاء من ستديو خالد جلال بقصر الإبداع، والبعض اكتشفه، ثم اكتشف أيضا قاعة فسيحة جديدة تابعة لجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا ومع المؤلف نادر صلاح الدين الذى تحول إلى مخرج أيضا فى النسخة الجديدة من هذه التجربة والتى أصبح لها جمهور يملأ المسرح ونسمع تصفيقه عبر الشاشة الصغيرة،

وهو ما يذكرنا ببدايات التليفزيون فى مصر حين أنشأ المسئولون عنه فرق التليفزيون المسرحية لتقدم مسرحيات كاملة يتم تسجيلها من أجل العرض على الناس فى أمسية أسبوعية حتى يصبح المسرح جزئا من الثقافة التى تقدم للمشاهد، فى هذا الوقت ظهر جيل جديد من نجوم المسرح الذين أصبحوا علامات فى تاريخ التمثيل، خاصة نجوم الكوميديا  مثل عبدالمنعم مدبولى وفؤاد المهندس وشويكار وحتى عادل إمام بدأ العمل على مسارح التليفزيون وغيرهم.. غير أن الأمس غير اليوم،

ومسرح التليفزيون لن يتكرر، وما يتم تقديمه اليوم على شاشات القنوات الخاصة هو مينى مسرح، اسكتشات ضمن عرض من مشاهد متعددة سواء ما يعرض ضمن “تياترو مصر” أو “مسرح مصر” على قناة “الحياة”، غير أن هذا ليس كل شيء، فقد أصبح لبرنامج “بيت العيلة” الذى تقدمه نجوى إبراهيم بعد عودتها لتقديم البرامج بمسرحه الخاص كما تقول مقدمة البرنامج، والذى لا يزيد على تمثيلية قصيرة تقدم كفقرة ضمن البرنامج،

صحيح أنها تقدم على خشبة ضمن الديكور الباذخ للبرنامج والذى يتضمن مواقع متعددة لفقرات مختلفة إلا أنها اسم على غير مسمى غير أن أكثر مسارح التليفزيون الآن جدية وقيمة هو المسرح الذى يقدمه محمد صبحى ضمن برنامجه “أعزائى المشاهدين.. مفيش مشكلة خالص” على شاشة CBC، ففى البرنامج يجمع صبحى بين العرض المنفرد له فى البداية والذى يخاطب فيه الجمهور الكبير فى مسرح دائرى أنيق، عرض يجمع بين الجدية فى قالب ساخر، وبين السخرية بأسلوب جدى لفنان لديه قضية مختلفة فى كل حلقة، ومنها يستمد الأفكار التى يقدمها سواء عبر وقفته وحيدا على المسرح “one man show”، ثم يستكمل مناقشة القضية عبر مسرحية قصيرة من ثلاثة فصول يشاركه فيها نجوم آخرون، أغلبهم ممن كانوا معه فى فرقته المسرحية، أهمية هذا هنا هو أن ما يقدمه صبحى له هدف محدد وواضح من البداية للنهاية،

ففى حلقة عن قضية التعليم جاء “تفكيك” القضية إلى عناصرها والانتقال من المناهج إلى الأساتذة إلى النظار ثم التلاميذ والحصاد شديد الأهمية فى وضعنا جميعا أمام قضية وطن تم تخريبه من خلال ضرب العملية التعليمية به أو خصخصتها وهو ما استطاع البرنامج تقديمه ببراءة شديدة، وأيضا حلقة عن قهر المرأة فى المجتمع ظهرت فيها لأول مرة كممثلة – جيدة – المطربة غادة رجب.. المسرح داخل برنامج صبحى هو الأقرب لشكل ومفهوم العرض المسرحي، فالفكرة واضحة والتطور الدرامى والانقلاب ثم النهاية ومحدودية الشخصيات فى إطار عرض قصير كلها عناصر تبقى على “فكرة المسرح” لدى المشاهد، سواء جمهور البرنامج أو جمهور البيوت، وربما يصبح هذا الإقبال على استعادة المسرح أو جزء منه فألا طيبا على المسرح الحقيقى فتنفرد إحدي القنوات أمسية أسبوعية لعرض مسرحى من العروض التى تقدمها المسارح الآن أو تساهم فى إنتاج عروض مسرحية بالاشتراك مع مؤسسة المسرح.. وبحيث تستعيد الأغلبية من المصريين هذا الفن من عالم النسيان بعد عقدين من اختفائه تقريبا من حياتهم..

وبرغم أن ما يقدم على الشاشات الآن هو مسرح بدون مناقشة أو حتى شرح لما قد يفيد المشاهد إلا أن ارتفاع الذوق الفنى فيما يقدم للناس عبر الشاشات الصغيرة جدير بأن يمتص جزءا مهما من الأوقات التى يبحث فيها المشاهدون عن برامج مختلفة أو أعمال فنية قادرة على تغيير مذاق الحياة، أعمال أكثر قيمة من المسلسلات التركية والهندية واللولبية الممتدة والتى تلقى بالمشاهد إلى عوالم خيالية ومجتمعات وردية.. المشاهد يحتاج الآن إلى فنون تربطه بواقعه وتعلو به إلى آفاق الأمل فى واقع أفضل وعلى الشاشات الصغيرة ومخططيها وملاكها أن يكونوا أكثر ذكاء فى فهم المشاهد المصرى الآن وإلا انصرف عنهم، عليهم أن ينفقوا جزءا مما يكسبونه فى تقديم ثقافة وفنون ترتقى بهذا المشاهد الذى مازال وفيا حتى الآن لشاشاته المحلية.

ــــــــــ

الأهالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى