مقالات ودراسات

الناقد أحمد خميس يكتب: الشقيقات الثلاث.. وتحولات الصور والأفعال

 

المسرح نيوز ـ القاهرة | أحمد خميس*

ناقد مسرحي مسرحي مصري

ـ

 

رغم أن معظم مسرحيات أنطون تشيكوف تتكئ علي الغوص في دهايز النفس البشرية غريبة الأطوار فتقدم تخبطاتها وهزائمها وأحلامها وهواجسها في صورة أحداث وهزائم تقلب المواقف والتطلعات رأسا علي عقب إلا أنه ككاتب قد أهمل كثيرا منذ عشرات السنين فقلما يقابلك عرض مسرحي يتناول أحد مآسية الشهيرة أو حتي كوميدياته القليلة , ويبدو أن الثرثرة الزائدة عن الحد في معظم مسرحياته كانت سببا رئيسيا في ذلك الأمر إلي جانب إنتهاء بعض موضوعاته من المجال الإجتماعي كبستان الكرز علي سبيل المثال.

وقد حاولت فرقة جورجيا للرقص والموسيقي والتي قدمت عرض (الشقيقات الثلاث) في إفتتاح الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي تجنب الغوص في العلاقات والصراعات المتشابكة في النص الأصلي من خلال رؤية متجددة تقوم علي الرقص الحديث وفك شفرات الشخصيات والأحداث والإتكاء علي المعادل المشترك بين الفتيات الثلاث وعشاقهن معتبرة أن علاقات الحب والجنس والتوق للرحيل إنما هي تيمات إنسانية يمكن التحرك من خلالها لتقديم عرض راقص مشوق تلعب فية الصور والأزياء والحركة الرشيقة والاضواء المعتني بها أدورا مهمة في تمرير الأفكار والأطروحات للمتلق المتابع للأحداث

ورهان العرض المسرحي هنا يمر إلينا من بوابة الحياة الرتيبة التي تعيشها الفتيات الثلاث اللاتي يعانين فراغا عاطفيا وإجتماعيا طاحنا الأمر الذي يفعل من تعطيلهن لبعضهم البعض فلو حاولت إحداهن الخروج من التكوين الذي يبعث علي الاكتئاب والملل ورسمت لنفسها خطة بديلة سارعت إحداهن لمنعها عبر إشارة اليد لتدخل كل منهن في شرنقة مغلقة لا يخفف وطأتها سوي العلاقات العابرة مع بعض الضباط القريبين والذين يتوالي ظهورهم وإختفائهم حسب الخدمة العسكرية في المعسكرات القريبة من منزل تلك العائلة , كل منهن تمني نفسها بالحب المستحيل والتوق للهرب من هذا المنزل الكئيب وذلك المصير البائس  , يحوطهن دائما الامل في التغيير المرجو والحياة البديلة في موسكو التي تمثل لهم سحر خاص فهي المدينة اللاتي ولدن فيها وإرتحلن عنها رغما عنهن

في العرض يلاحظ أن الدراماتورج قد تخلي عن التركيبة الإستاتيكية التي صنعها تشيكوف والتي قصد منها تأكيد الضجر والإنكسار وعدم الرضا  كما تم  إهمال كون الأخت الكبري (أولجا) تعاني من العنوسة وأورد إلينا المعد مجموعة من العلاقات والبني المتكررة  بحيث يبدو أن الشقيقات الثلاث قريبو الشبة والإنفعالات من بعضهم البعض وأن ما يفرق بين قصة وقصة بعض التفاصيل غير المهمة والتي يمكن أن تمحوها الصوروالرقصات المتكررة والعلاقات المتشابكة التي تدور في فلك الحب والجنس والتطلع للهروب أو حتي الإحتفاء السريع في بعض المناسبات التي تدبر خصيصا لتبادل المعرفة والعلاقات السريعة

وقد صنع المعد إطارا حاكما لطبيعة العلاقات بحيث تبدأ وتنتهي عند نفس الافعال تقريبا (البنات يجلسن بجوار بعضهن البعض يحتسين القهوة) , فقط يلاحظ مع نهاية الأحداث أن الحزن الزائد أصبح يخيم علي تلك الأسرة الصغيرة التي باتت تنتظر مجموعة جديدة من الضباط كي تنشأ علاقات مغايرة قد تنتشلهم من ذلك المصير الصعب , ولن تلحظ في هذا التكوين أي ضغينة تحملها إحداهن للأخري فقط حزن مخيم علي الجميع وشوق وحسرة قد تتبدل مع الوافد الجديد الذي يعني الدخول في نفس دائرة العلاقات والأحلام

وقد تميز العرض برشاقة الراقصين وقدراتهم الجسدية الكبيرة مع سهولة التيمات التي يقدمونها وتشابة أحداثها فلن تقابلك في تلك الرؤية أي من الاحداث الملغزة أو تلك التي تحتاج لجهد كبير كي تبدو واضحة للمتلق غير المتخصص , ويبدو أن المخرج كان يراهن بداهة علي صنع حدث درامي راقص ذات تكوين سهل يمكن من خلالة عبور العرض المسرحي لثقافات مختلفة وأذواق متباينة , وهي مسألة تمتاز بها كثير من عروض الرقص الحديث , إذ تجدها عروض خفيفة لاتحمل عمق الافكار التي يمكن تمريرها عبر الدراما والحوارات والصراعات الكبيرة التي تعج بها المجتمعات ومن ثم لايبقي كثيرا في الذاكرة من تلك العروض إلا الحقيقي منها والذي إجتهد فيه فريق العمل كي يصنع عرضا مغايرا ذات طبيعة معقدة تعطيك ملامح جديدة ورؤي مختلفة كلما شاهدتها , بمعني أدق لايبقي غير العرض الذي إقترب عن جد من طبيعة الدراما ودورها في التشابك مع القضايا الملفتة , وهذا العرض في تصوري قد حقق الحدود الدنيا من العرض الراقص الذي يتحلي راقصوة بقدرات أدائية لافتة لكنه , كما أن مصمم الإضاءة يتمتع بقدررات طيبة في تنويع مصادر والوان الإضاءة المناسبة للأحداث والتيمات المعروضة ولكن الدراماتورج لم يغوص بقدر كافي في طبيعة أعمال أنطون تشيكوف رغم إجتهاده ووعيه الفارق إلا أنه في ظني لم يطور الأفكار والأطروحات بحيث تشتبك مع اللحظة الراهنة وتنحت من خلالها تيمات تماثل ذلك التعقيد الكبير في العلاقات الإنسانية والقضايا الإجتماعية فماذا عن الشقيقات الثلاث بعد أكثر من ماءة عام من عرضها الأول ؟ , لقد تناسي تماما تلك الحساسية المفرطة بين الشقيقات الثلاث ولم يعطي ذلك الجانب الهام أهمية تذكر في التناول , فقط سوف تجده قد إهتم أكثر بصناعة اللحظات التي تناسب الفوتوغرافيا فكثير من اللحظات الدرامية المعروضةتهتم إهتمام فائق بأثر الصورة ومجالها عند المتلق , ومن ثم سوف تجد البني التي تقف عند لحظة الصورة , كما سوف تجد مشاهد بعينها ذات طبيعة فارغة من الداخل كتلك التي يتم من خلالها تبادل الاقمشة والتلويح بها وتمريرها عبر مجموعة الراقصين , صحيح تصنع تلك اللحظات صورا جيدة ولكنها تنتهي بنهاية العرض ولا تبقي كأثر جمالي له مدلول جمالي أو فلسفي مهم

إن ذلك العرض الذي قدم في إفتتاح المهرجان أعادنا مرة أخري للأسئلة الأولي حول تحولات الدراما ومجال المسرح بعد الدرامي

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى