مقالات ودراسات

الناقد أحمد محمود سعيد يكتب: الدراما بين الواقع و المأمول مسرحية ” أنتيجون لجان آنوي ” أنموذجًا

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

أحمد محمود سعيد

باحث دكتوراه

في (قسم الدراسات الأدبية، كلية دار العلوم، جامعة المنيا)

 

المسرح هو الحياة، هذه الجملة لخصت فنًا بأكمله يُعدُّ من أصعب الفنون الأدبية؛ فهو نص مقروء وعرض مجسد على حد سواء، يرتكز على تقنيات فنية متعددة فرضتها طبيعة الجنس نفسه؛ ويطرح قيم معرفية ثرة معبرة عن الواقع الإنساني، هذه المعطيات ساعدت فن المسرح أن يجمع الفنون الأدبية كلّها في كفة واحدة؛ ليس ذلك فحسب؛ بل تصدره المشهد الثقافي؛ نابع من الدرامية؛ لأنها المحور والأساس.

والدراما ذات شقين مهمين لا يمكن أن ينفصل أحدهما عن الآخر، واقع حقيقي معيش تكون الدراما مرآة عاكسة له، وواقع تخيلي مأمول تحاول الدراما تحقيقه، وفق معطيات جمالية ورمزية، والمتلقي على إثر ذلك ينتقل من عالم إلى عالم آخر مغاير فكريًّا وثقافيًّا وحضاريًّا، يحلق بفكره وخياله مستكشفًا حقيقة الواقع وآملًا في واقع يحقق طموحاته ورغباته الإنسانية.

وقد عرج حسين خمري في كتابه (فضاء المتخيل دراسة أدبية) إلى ماهية الواقعي والمتخيل وقال: إن المتخيل بناء ذهني أي إنتاج فكري من الدرجة الأولى، في حين أن الواقع هو معطى حقيقي وموضوعي، وعليه تصبح العلاقة بين الواقعي والمتخيل شائكة؛ لأنها قائمة في الأساس على الجدل، وهذا لا يمنع من وجود علاقة وثيقة بينهما، فكلاهما يكملان عملية التلقي.

والقارئ لمسرحية (انتيجون) للكاتب الفرنسي (جان آنوي) يلحظ أنها اشتملت على مضمون فكري عميق خاص بالحكم والسلطة؛ إذ إنها تناقش قضية سياسية أرقت المجتمع العربي ككل، وهي قضية (الاستبداد في الحكم) والتي تمثِّل أيقونة مهمة للكتّاب والمبدعين على حد سواء، ويرجع ذلك إلى الانتشار الملحوظ لهذه القضية، قديمًا منذ الحضارة اليونانية وحديثًا داخل بنية المجتمعات؛ وما زال الأمر مستمرًا حتى الوقت الراهن؛ لذلك آثروا –الكُتَّاب والمبدعين- إلى تتبع هذه الظاهرة وإلقاء الضوء عليها.

وإنَّ كُتَّاب الدِّراما بدت ملامح الرغبة الملحة في تقديم مسرحيات مستقلة تكون تأريخًا وتأصيلًا لهذا النوع من القضايا على الساحة الثقافية، والمسرحية التي نحن بصددها تُعدُّ أنموذجًا مهمًا في تأصيل هذه القضية؛ إذ إن المأساة وما تحمله من مظاهر درامية ملموسة تسعى إلى تطهير النفس الإنسانية عبر إثارة عاطفتي (الخوف والشفقة)، وهذا ما نادى به أرسطو في كتابه فن الشعر.

ومن المعلوم أن الكُتاب المسرحيين في فرنسا كرسوا اهتمامهم بالمسرح اليوناني، وانكبوا عليه، وأعادوا كتاباته، وأسبغوا عليه فلسفتهم؛ آملين في الكشف عن مناحي إنسانية جديدة، تسهم في إظهار تفسيرات جديدة للواقع، وهذا هو الدافع الرئيس – من وجهة نظري- لجان أنوي في إعادة كتابة هذه المسرحية على وجه التحديد، بجانب أسباب أُخرى يكشفها التحليل النقدي.

وعلى ذلك سيقف المقال على مسرحية “أنتيجون” لجان آنوي، كاشفًا عن المواقف الدرامية المعبرة عن جدلية (الواقع والمأمول) مبرزًا طبيعة القضية المطروحة بصورها المتنوعة مستندًا على البني الفنية التي أسهمت في ظهورها.

وتظهر طبيعة العلاقة الجدلية داخل المسرحية من خلال شخصيتين محوريتين، هما: (كارتون/ انتيجون)، حيث يمارس كارتون حاكم طيبة استبداده على الذوات المحكومة، فهو صورة العالم الواقعي، فالكاتب سمح لهذه الشخصية أن تأخذ مساحة كبيرة في بنية الحوار؛ حتى يتسنى له تعرية الواقع السياسي وما آل إليه من أفعال غير إنسانية تمارس على الشعوب المقهورة.

وفي المقابل تأتي شخصية (أنتيجون) رمزًا للواقع المأمول، تلك الشخصية التي حملت على عاتقها مواجهة الاستبداد؛ حيث (كارتون الحاكم) يرفض دفن جثة أخيها (بولونيس) حتى تأكلها السباع، وتفنيها؛ ليكون عبرةً لكلِّ خائن يجرؤ على الوقوف أمام الحاكم؛ لكن (أنتيجون) تبدو حريصة كل الحرص على تكريم أخيها بولونيس في عالم الموتى؛ كما تنص عقيدة الإغريق آنذاك، وإرضاءً للآلهة الوثنية التي تأمر بذلك، فهي صورة لعالم المثل.

إن طرفا الصراع (كارتون/ أنتيجون) تربطهما علاقة دم، فهي ابنة اخته، وحبيبة ابنه وخطيبته؛ لكن مأساة أبيها (أوديب) الحاكم وفنائه، وقتل (الأخوين) بعضهما بعضا من أجل الحكم، وتولي خالها –كارتون- الحكم وممارسة استبداده وتخليه عن قوانين العقيدة الوثنية، جعل العلاقة بين الشخصيتين مضطربة ومرتبكة، كل منهما يحمل حقدًا للآخر.

وجان آنوي وقف على هذه الأحداث بمأساتها الإغريقية، وأعاد تشكيلها من جديد؛ لتناسب الواقع الإنساني المعيش، فالنص كتب أول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد وهو يكتب الآن في القرن العشرين؛ لكن ما يريد قوله آنوي أن قضية الاستبداد السياسي مازالت مستمرة، فهي قضية أزلية ومفتوحة.

فنستطيع أن نلمح أول دائرة جدلية داخل النص، عند امتناع كريون (دفن جثة بولنيس)، وعبر حوار حاد بين (أنتيجون وكريون)، تظهر ملامح رفض أنتيجون فعل كريون اللا أخلاقي/ اللا ديني/ اللا إنساني، وتحاول جاهدة دفن جثة أخيها، وهنا تظهر الصورة الحقيقية للاستبداد؛ إذ إن كريون الحاكم يكرس كلَّ أفكاره الفلسفية التي يؤمن بها في الحفاظ على الحكم من الضياع، فامتناعه عن الدفن في حد ذاته غاية سياسية، فهو يرهب كل من يحاول الاقتراب من الحكم ويخالف أوامره.

هذا اللحم الذى يتعفن في الشمس ؟ في المساء عندما تهب الريح من البحر، تكون رائحته قـــد أدركتنا في القصر، وهو ما ينالني بالغثيان. ولكني مع ذلك لا أذهب أغلق نافذتي).

وكريون بهذا الإصرار يكشف للمتلقي حبه الشديد ورغبته الجياشة في السيطرة على من هم دونه وعزمه على تنفيذ ما أراد، إذ إنه يقف أمام الطبيعـة الإنسانيـة موقف المتجاهل الذي لا يكن للطبيعة أي أهمية أو احترام، وهنا يظهر مدى قساوته وجبروته وسوء استخدامه للسلطة وإدارتها بالشكل السليم الصحيح.

فيقول: ” .. ألا تظنين أنني كنت أفضل أن أدفن أخاك، ولو لم يكن ذلك إلا للصحة العامة. ولكن ينبغي، حتى تفهم الحيوانات التي أحكمها..“.

وجان آنوي يناقش في مسرحيته العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويظهر الفجوة الشاسعة بينهما؛ كما يطرح سؤالًا مهمًا: هل الحاكم يَحكُم بحد السيف ” الاستبداد ” أم بالقانون؟؛ وأخذ الكاتب موقفًا معينًا في هذه المسرحية وكان مرتكزها (عدم دفن جثة بولنيس)، وهو حدث له تأثيره الفاعل في طبيعة الصراع؛ إذ إنه يكشف عن جدلية العلاقة بين ما هو واقعي وما هو مأمول.

فجاء (كريون) بوصفه رمزًا للاستبداد والطغيان في الحكم، وفي المقابل تظهر أنتيجون بوصفها رمزًا للحرية والحفاظ على الهوية الإنسانية والأخلاقية والدينية، ويتضح ذلك في قولها ” انني أستطيع حتى الآن أن أقول لا ، في وجه كل ما لا أحب . وأنا وحدى الحكم . أما أنت وتاجك وحرسك وبذخك ، فكل ما تستطيع هو أن تميتني، لأنك قد قلت نعم”.

إذن صورة كريون داخل المسرحية جاءت بوصفها معادلًا موضوعيًّا لصورة الواقع الحقيقي، وأنتيجون جاءت بوصفها صورة الواقع المأمول التي تسعى إلى تحقيق العدل المطلق.

إن حوار أنتيجون وكريون داخل المسرحية كان سهلًا وبسيطًا وبإمكان القارئ أن يستوعبه بسهولة؛ فلقد ساعد ذلك في الكشف عن الشخصيات وسماتها الظاهرة والمضمرة، ويتجلى ذلك في قول كريون:

كريون : نعم يا صغيرتي . إنها الحرفة . إن ما يصح المناقشة فيه هو ما إذا كان هذا الشيء يجب عمله أو لا . عمله أو لا يجب . أما إذا قمنا بالعمل ، فيتعين أن يجرى على هذا النحو.

ومن خلال الحوار السابق يتبيَّن للمتلقي صورة الحاكم الطاغية الذي يتسم بالجبروت وانعدام الرحمة في تعامله مع المواقف باستبداد حازم وبإتقان شديد، وأنتيجون التي تتعرض لهذا الاستبداد، تقاومه بشدة وترفضه؛ لذلك اتسم الحوار بالمنطق والذي ولد في الوقت نفسه الجدل، فكل منهما يحاول إقناع الآخر، لكن في النهاية يشير الحوار إلى استحالة الوئام الفكري بين طرفي الصراع (كريون وأنتيجون)؛ لأنهما يستندان إلى منطقين متقابلين، لا يمكن المزج بينهما (عالم الواقع/ عالم المثل).

وفي الختام يمكن القول:

إن مسرحية (أنتيجون) كشفت عن طبيعة العلاقة الجدلية بين ما هو واقعي حقيقي متمثل في شخصية كريون، وما هو واقعي مأمول متخيل متمثل في شخصية أنتيجون، حيث جاء الاستبداد بشقيه المادي والمعنوي، فالمادي تجلى في ممارسة الحاكم كريون استبداده على الشعب المحكوم ومنها الأسرة التي ينتمي إليها هذا الحاكم، والمعنوي يظهر من خلال استبداده الفكري وممارسة السُبل كافة في إقناع الغير بتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة؛ لكن هي مصلحة شخصية في المقام الأول، وهي الحفاظ على السلطة من الضياع.

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى