مقالات ودراسات

الناقد الجزائري محمد بوكراس و قراءة في العرض المغربي “كل شيئ عن أبي”..محاكمة التاريخ في دورانية سينوغرافية!

المسرح نيوز ـ الجزائر ـ وهران| الناقد محمد بوكراس

ـ 

“كل شيء عن أبي” للكاتب والروائي والناقد “محمد برادة”: “بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات”، من اقتباس واخراج: “بولسهام الضعيف”، المسرحية حائزة على عدة جوائز داخل وخارج الوطن.

دلالة العنوان:

“كل شيئ عن أبي” ملفوظ سردي يشتمل على مقطعين، “كل شيء” بمعنى العموم والشمول، وأبي تعني: الرابطة الدموية بما تحمله من مسؤولية أدبية تجاه الأب، وتحيل في الوقت نفسه على جيل كامل محكوم بفعل كان، والمعنى الثاني يظهر منه معنى الماضي بكل ما يحمله من تناقضات وتساؤلات، تتجه مدلولية هذا الملفوظ “كل شيء عن أبي” إلى التعبير عن حالة من البوح الشامل.

ما تقدّم، ظهر من خلال لوحات هذا العرض الذي اعتمد في تسلسله على أربعة أصوات، تحكي عمرا من تاريخ المغرب الشقيق قبل وبعد الاستقلال، تتوسطها حكاية “توفيق الصادقي” المحامي، ابن القايد، الذي يجسّد التناقض الذي تعيشه النخبة ليس فقط في المغرب ولكن في كل دول العالم الثالث، هذه النخب الحائرة المتراوحة بين التمسك بالخصوصية السوسيو ثقافية وبين الانحلال في استعمار الأمس.

وتلك التناقضات التي يفرضها الواقع، ويقع فيها الأفراد تخلق حالة من اللا استقرار الداخلي، جسدتها شخصيات المسرحية بامتياز من خلال فعل الحكي/ الحركة/ الإيقاع، والأسئلة العتيدة… مازالت راهنة.

المنظومات البصرية والصوتية: المسرحية تبدأ بالإيماء والصمت لاستفزاز المتلقي واستدعاء عقله منذ الوهلة الأولى، المطلوب البحث والتنقيب في حزمة الدلالات المبثوثة، حتى يمكن القبض على رأس الخيط، أول صوت يسمع هو الضحك، وهو ما يتخلل العرض، ضحك استفزازي ساخر متهكم مما سيأتي.

ثم عرض سردي للشخصيات، من شأنه أن يملأ بياضها الدلالي ويضعها في سياق ما هو قادم من العرض، “كان موظّفا في وزارة الأوقاف يلامس السياسة والأزمة الاجتماعية والثقافية …”

“كنا نسمع عن كتيبتين من الطلاب الصامدين في “ظهر المهراس” وفق ما سماه المخرج “القائديون”، الماركسيون والمتأسلمون الأصوليون، وكان الأمن الداخلي والخارجي عاجزا عن إنهاء المهزلة التي لا تفيد الطلاب”.

المسرحية تسرد جملة من المحطات التاريخية بطريقة تعليمية (ذكر التاريخ، والأحداث والتفاصيل، ومقاطع من خطابات) لتكثيف اللحظة التاريخية، واستدعائها على الركح لمساءلتها والتساؤل حولها ومحاكمتها، والسخرية منها والتهكم عليها”.

هل يمكن أن نقول إنه نقد لاذع للواقع /التاريخ؟ هل هي محاكمة جيل لجيل قد مضى؟

عملية النقد طالت جملة من الممارسات عبر سلسلة من اللوحات: الزواج من الأجانب، سلطة الأعراف والتقاليد، بوادر التمرد الاجتماعي على بعض التقاليد وغيرها، والتي كان قد طرحها من قبل الأديب “محمد برادة” في روايته “بعيدا عن الضوضاء..” ولكن المخرج المقتبس “بوسلهام الضعيف” تطرق إلى كل هذه المواضيع بشكل محكم إيقاعي وجميل.

لم نشعر بالملل، لماذا؟

دور الفضاء السينوغرافي:

اختار المخرج بذكاء فضاء الدائرة، أربع شخصيات، أربع دوائر، في فضاء دائري، وهو ما يتناسب بشكل منطقي مع حركية التاريخ التي يقول عنها ابن خلدون أنها حركة دائرية.

فهل أرد المخرج أن يقول أنّ التاريخ يعيد نفسه، وأنّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج ذاتها في حتمية مغلقة غير قابلة للتغيّر والتبدّل؟

ربما نعم، لأنّ مشهد الحمام الذي تمّ تجسيده بشكل جميل، يؤكد هذا المذهب، “فرنسا خرجت وخلات لينا صحابها”.

لأن الأحداث قبل الاستقلال وبعده لم تتغير بشكل كبير عدا تغير الأدوار، كل واحد وجد نفسه في المكان الذي كان يلعنه بالأمس، وهو ما يجسده لقاء الأخوين بعد الاستقلال في باريس

الأول: “أنت تعيش في الغرب وتقري بنتك في فرنسا”

الثاني: “كنت تسب في فرنسا وغير هي اللي ترفد هبالك”

أكثر من هذا، المعارض يتمنى أن يكون مكان الموالي والعكس، كل منهما يتغزل بحياة الثاني في حركة دورانية لولبية، تقلب الأمور ظهرا على عقب.

وهو ما جعلنا نقف عند حقيقة اهتزاز الشخصيات من الداخل، وعدم استقرارها، وطرح التساؤل التالي: من خلق حالة اللا استقرار هذه؟ الأحداث تمر دون تعليق، ودون إشارة، وتبقى هذه الفجوات في إنتاج المعنى من صلاحيات الملتقى، حتى يستمتع أكثر باللعبة المسرحية ويخرج من جاهزية المعنى، واستحواذ منصة إطلاق الدلالات (الخشبة) على إنتاج المعنى.

ما هو جميل في سينوغرافيا العرض أنها كانت موظفة بشكل جميل، حركية مستمرة طوال العرض وتشكيلات دلالية ساهمت في تكثيف المعنى مثلا، تصطف كل تلك الدوائر في نهاية العرض لتشكل نفقا، يمتد إلى عمق الخشبة.

تقسيم الركح إلى حيزين: حيز الفعل وحيز المشاهدة: حيث في كثير من لوحات العرض يتحول الممثل إلى متفرج على الأحداث، ومعلق عليها، قصد خلق مسافة بين المؤدي وبين ما يدور أمامه من أحداث، وبين المتلقي وما يقع على الخشبة في محاولة لكسر الإيهام، والدعوة إلى التأمل والمشاركة التفاعلية، أحيلكم على مشهد الطبيبة النفسية.

المرأة داخل العرض المسرحي:

رغم الحضور الفعلي للمرأة داخل العرض والحيز الكبير من الحرية الذي منحه الكاتب/ المخرج للمرأة في الحركة والبوح، والجرأة في الخطاب والتصور، إلا أنّ حضورها في خضم الإشكالية المجتمعية الكبيرة التي طرحها العرض، ظهر باهتا وسطحيا، فهل تحرّر المرأة مشاركتها في محنة وطنها وأمتها يتوقف فقط عند حريتها الجنسية وإحراز مساحة لممارسة التعبير ورفع الصوت بالمطالب؟

لم نشهد من هذه المثقفة التي انتقلت إلى باريس لإكمال دراستها، غير الحصول على زوج فرنسي تركها بعد ثلاث سنوات، فهل هو قدر المرأة ان تظل رهينة هذه الطروحات المسرحية والنقابية والسياسية البالية؟

الاضاءة:

كانت وظيفية وجمالية ومضبوطة، سمحت لنا بمشاهدة حركات الممثلين وقراءة ملامح وجوههم، وساهمت في تكثيف الكثير من اللحظات الدرامية الحاسمة في العرض.

منظومة الأصوات:

العرض في البداية، جاء مقتصدا جدا في الأصوات والموسيقى، ثم شرع تدريجيا في توظيف هذه الأصوات وفق المتطلبات الدرامية، فكانت أصوات إيقاعية ساهمت في ضبط إيقاع العرض، تراثية موسيقية وغنائية، وعالمية أيضا وُظّفت باقتصاد وإحكام في مكانها.

ما لاحظناه خلال هذا العرض هو الالتفات إلى جسد الممثل وتوظيفه والاستعانة به أحيانا كقطعة من الديكور لإحداث توازن هندسي داخل الفضاء السينوغرافي، والأهم من هذا هو ما لاحظناه من سلاسة في الانتقال من حديث الممثل عن جسده إلى الحديث عن جسد مجتمعه.

ما يلاحظ على العرض أيضا تلك السلاسة/السهولة في الانتقال من الخاص إلى العام والعكس. وهو ما كسر فعل الحكي وأضفى عليه جاذبية خاصة. ولعل هذه النقطة تحسب لصاحب الرواية، محمد برادة صاحب الخبرة الواسعة في إدارة اللعبة السردية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى