مقالات ودراسات

الناقد السوداني “أيمن مبارك نور الدين” يكتب لـ “المسرح نيوز” عن: “المسرح والتنمية، نحومسرح تنموي”

أيمن مبارك نور الدين*

ناقد مسرحي ـ السودان

ـ

مقدمة:
جاءت هذه الدراسة بعنوان المسرح والتنمية نحو مسرح تنموي من ضمن دراسات مشروع الفاو القرية (3) ايام المسرح وقضايا التنمية، الذي أقامته جماعة مسرح السودان الواحد ونادي التراث والثقافة الوطنية بمنطقة الفاو القرية (3)، تهدف هذه الدارسة إلى معرفة العلاقة الجدلية ما بين المسرح والتنمية والمسرح التنموي، ودور المسرح في عملية التنمية الشاملة، الافتراض الأساسي الذي تقوم عليه الدراسة هو ان للمسرح دور كبير في عملية التنمية.
تناقش الدراسة في المحور الاول مصطلاحات ومفاهيم التنمية في اللغتين العربية والانجليزية، وتوضح الفرق فيما بينهما، وتعرفات الامم المتحدة للتنمية، وكذلك انواع التنمية المختلفة، والمسرحيات التي ناقشتها، مثل مسرحية “جان دارك قديسة المسالخ” للكاتب الالماني برخت، ومسسرحية “بيت الدمية” للنرويجي هنرك ابسن، وكذلك تناقش نظريات التنمية عند ابن خلون وماركس، كما تناقش الورقة العلاقة الجدلية بين المسرح والتنمية، ومن ثم المسرح التنموي.
التنمية في اللغة:
لفظ التنمية في اللغة العربية يشتق من نمى بمعني الزيادة والإنتشار، اما النمو من نمى ينمو نماءاً، اذا كان لفظ النمو اقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح فان اطلاق هذا اللفظ علي المفهوم الاروبي يشوح الفظ العربي، فالنما يعني ان الشئ يزيد حالاً بعد حال من نفسه لا بالاضافة اليه، وطبقاً لهذا الدلالة لمفهوم التنمية فانه لا يعد مطابقاً للمفهوم الانجليزي “ Development” والذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم وإستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة علي تحقيق الأهداف، وورد ايضاً بمعنى الاظهار، وذلك وفق رؤية المخطط الإقتصادي الخارجي غالباً، وليست وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنيية بالضرورة، وفي معظم قواميس اللغة العربية نجد ان تنمية الشئ تعني ارتفاعه من موضعيه الي موضع آخر، نما المال بمعنى زاد كثر ولكن مدلول هذه الكلمة لا تكفي في لغتنا اليومية.
تعريفات الامم:
العملية المرسومة للتقدم المجتمع كله اجتماعياً واقتصدياً، والمعتمدة بأكبر قدر ممكن على مبادرة المجتمع المحلي وإشتراكه،
العمليات التي يمكن ان توحد جهود المواطنين والحكومة وتحسين الاحوال الاقتصادية والاجتكاعية والثقافية في المجتماعات المحلية، لمساعدتها علي الاندماج في حياة الامة، والمساهمة في تقديمها بأخصى قدر ممكن.
ارتبطت التنمية من حيث اهدافها وتصوراتها وعملياتها بالاطر الايديولوجية للمجتمع ومدى قناعات هذا المجتمع بها، ويعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث اطلق عليه تأسيس نظم أقتصادية وسياسية متماسكة بما سمي بعملية التنمية، وقد برز مفهوم التنمية “Devilment” بداية في علم الاقتصاد حيث استقدم للدلالة علي عملية احداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين، بهدف اكتساب ذلك المجتمع القدرة علي التطور الذاتي المستمد بمعدل التحسين المتزائد لنوعية الحياة لكل افراده، ثم انتقل المفهوم إلى الحقل السياسي في ستينيات القرن العشرين حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الاوربية تجاه الديمقراطية.
تعرف التنمية ايضاً بنها عملية تغيير إجتماعي متعدد الجوانب للوصول الي مستوى الدول الصناعية، وإيجاد نظم بعددية علي شاكلة النظم الاوربية، وتحقيق النمو الإقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ المفاهيم الوطنية كالسيادة والولا للدولة القومية.
وتطور مفهوم التنمية مع تطور الحياة الإنسانية إلى ان ارتبطت بعديد من الحقول المعرفية، فأصبحت هنالك التنمية الثقافية مثلاً، وهي تلك التي تسعى إلى رفع المستوى الثقافي في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الإجتماعية وهي التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أفراده، بالاضافة إلى ذلك تم استحداث مفهوم التنمية البشرية، التي تهتم بدعم قدرات الفرد ورفع مستوى معيشته وتحسين اوضاعه في اللمجتمع.
أنواع التنمية:
التنمية الاقتصادية:
هي القطب الروحي للتنمية الشاملة كما اشار علماء الإقتصاد، ويعرفها الدكتور عمر محي الدين “هي ثورة العالم الثالث ضد الفقر والبؤس والتخلف بصفة عامة”، وأجتمع كل من هقيل وماركس ورستو وماكس وفيير “ان التنمية الإقتصادية تعني النمو الإقتصادي أو التغير الطويل الامد”، ونقول ان التنمية الإقتصادية هي اساسية في عملية التنمية الشاملة ولكن النتمية البشرية هي الأهم بإعتبار ان الإنسان هو صانع العملية الإقتصادية.
وفي المسرح نجد مسرحيات ناقشت عملية التنمية الإقتصادية، من ضمنها مسرحية “جان دارك قديسة المسالخ” للالماني برخت، نلاحظ في هذه المسرحية تعمق المؤلف في الإقتصاد الماركسي وخاصة نظرية رأس المال، والمسرحية تعكس صراع يدور بين عمال المسالخ والملاك من الرأسمالية محتكري السوق، فقد عمل برخت على تنمية مفاهيم العمال لتنظيم عمل نضالي منسق ضد الرأسمالية ومحتكري السوق امثال ماولر، وفي النص نجد مأسات عمال ضد الرأسملي حتي أن يثوروا عليه كما هو واضح في الحوار التالي:
العمال: نحن سبعون الف عامل في مصانع تعليب اللحم هذه، اجورنا هزيلة، لا يمكن ان ندبر بها معيشتنا، أمس خفضوا الاجور ثانياً فجأة، واليوم رفعوا امامنا هذا الاعلان “من لا تعجبه اجورنا يستطيع ان يقادر مصانعنا”، اذن فالنقادر جميعاً، ولنبصق على هذه الاجور التي تتناقص يومياً.
ويتواصل الحوار عاكساً مأسات العمال حتي يصل:
العمال: يا ويلنا حتى الجحيم يغلق ابوابه في وجوهنا، لقد ضعنا.
مصاص الدما ماولر: يضغط على عنق جلدونا، ونحن الذين نختنق.
وكذلك في حوار
العمال: ستفتحون اقبيتكم ايها الجزارون تجار اللحم البشري.
من حوارت جميع العمال الذين يتدفقون في منتصف الطريق
“نحن نري بحثاً عن عمل، التقينا حشداً هائلاً من الرجال اليائسين، فقدوا جميعاً عملهم… كانوا جميعاً يسألون عن عمل،
إلى ان نظمت القبعات السود اغنية النضال التى ساهمت في تنمية العمال تنظيمياً،
القبعات السود: “يغنون” ..
أصقوا جميعاً… أصقوا الينا
رجل يغرق أمام أبصارنا…
وهناك استغاثة تتناهى الينا…
انها امرأة تلوح لنا تلويحة يائسة…
أوقفوا السيارات .. عطلوا المرور…
حولكم بشر يغرقون، ليس من يبالي بهم…
هل عميت أبصارهم….الخ.
وأستمرت الثورة حتى تم القضاء على الرأسمالي “مصاص الدماء ماولر”.، وهذا النص يعتبر من النصوص التي ساهمت في عكس وجهت نظر للتنمية الأقتصادية، متبني النظرية الماركسية للإقتصاد، وبالتالي ساهم في تثريب مفاهيم للطبقة العمالية، وملكها بعض الادوات لتستطيع من خلالها الدفاع عن حقوقها عبر الثورة علي الاوضاع السائدة.
التنمية الإجتماعية:
التنمية الاجتماعية هي ليست مثل عمليات النفير في القرية، أو اتحاد الشباب لنظافة الترع والمجاري، أو صيانة المدارس والمرفق العامة، أو اقامت محافل ثقافية وصحية… الخ، علي الرغم من اهمية مثل هذه الاعمال الجليلة في عملية التنمية، انما البعد الاجتماعي للتنمية يشمل تحليل القوى الإجتماعية السائدة في المجتمع وطبيعة السلطة، ونظرية الحكم الإجتماعية السائدة في المجتمع، ومدى مشاركة الجماهير في صنع القار والمشاركة السياسية، ويعتبر الجانب السياسي من البعد الإجتماعي للتنمية، وايضاً تفعيل دور المرأة، ومن المسرحيات الإجتماعية التي ناقشت موضوع المرأة، مسرحية “بيت الدمية” للنرويجي هنرك ابسن، والتي عكست قضية الزوج المتسلط علي زوجته، حمل الكاتب هذا العنوان المقولة الإبتداية للنص حيث كانت كالدمية تماماً ليس لها دوراً يزكر في المنزل، استغل عدم معرفتها وخبرتها في الحياة، فكان يحركها كما يريد، ولم تكن تشاركه في صنع القرار في المنزل، واتضح ذلك خاصة فى الفصل الاول والثاني من النص، وفي الفصل الثالث تبدأ المناقشة من بعد العودة من الحفل، وهذه البداية تعتبر بداية الوعي مفهوم المشاركة الإجتماعية، وهي تشبه ثورة الفلسفة الوضعية علي الفلسفة المثالية في بدايتها، و
لقد اجبر الزوج زوجته
نور: لا.. لا.. لا.. لا تحملني على الدخول اريد العودة الى الحفل ما زال الوقت مبكراً.
هيلمر: ولا دقيقة واحدة يا عزيزتي كهذا يسري الاتفاق هيه للدخول حتي يصيبك البرد.
كأنها طفلة صغيرة ليس لها دور في الحياة، هذا النوع من السلط والقهر حرك في نور احساسها ووعيها بدورها الإجتماعي، وبدأت ترفض تعاليم الدين والعقيدة والمثالية، وكأنها تأثرت بالمفاهيم ماركسية ماركس، وداروينية دارون، ووضعية اوجست كونت، وعلومية بيرسون، وتجريبية جون ميل، وهذا واضح في حوارنور التالي:
نور: لا يسمع علي أكثر من القشور التي تلقفتها من الكاهن يوم الاعتراف.
اذا أوهمانا بما تنص عليه تعاليم الدين دون تفقه بالضبط ما يرمي إليه على أي حال… الخ، بل ذهبت هذه الشخصية إلى ابعد من ذلك حيث انها نادت بالمساواة بين الرجل والمرأة، كما دعا لذلك استورت ميل في أحد كتبه بمساواة المرأة مع الرجل.
تقول نور في حوارها مع هيلمر:
نور: لم اعد أومن بذلك اني مخلوق ادمي مثلك تماماً.
وفي الختام تذكر يجب ان اعتمد على نفسي إلى ان تخرج من المنزل في وقت متأخر من الليل وتصفع الباب وتتحرر من قيود زوجها، لقد ساهم هذا النص في تنمية المراة الاوربية وتحررها ومساواتها مع الرجل.
يعرف روجرز التنمية في منتصف العقد الثامن من القرن العشرين.. بأنها عملية مشاركة في التغيير الإجتماعي بهدف إحداث تقدم مادي وإجتماعي بما في ذلك زيادة المساواة والحرية وغيرها من الحقوق مثل المساواة بين الرجل والمرأة ..الخ، وعندما تزكر كلمة إجتماعي إلى جانب التنمية فأنها تعني نمواً إجتماعياً، فعملية التنمية هي عملية تغيير شاملاً للقوى الإجتماعية، وبناءاً على ذلك فهي عملية تغيير إجتماعي مقصود، وفي المسرح نجد نظرية قائمة بذاتها تدعو إلى تغيير إجتماعي مقصود، وهي نظرية مسرح التغيير أو المسرح الملهمي أو التغريب لصاحبه برخت، وهذه النظرية هدفها الاساسي هي التغيير حيث انها تخاطب عقل المتلقي وتتيح له الفرصة في التفكير في القضية المطروحة، وعكس نظرية التطهير لأرسطو طاليس، يقول مالك بن نبي في تأثير البيئية الإجتماعية على موقف الفرد ما يمكن ان نراه عايق لنمو الفرد كعنصر متحرك من عناصر البناء (الحياة الإجتماعية في البلدان المختلفة مغلفة بلفائف من انعدام الفاعلية موصومة بنقائض من كل نوع، تبدو هذه اللافاعلية من تلقاء ذاتها لنظرة المر في صورة انعكاس ثقافة معينة، وهي فضلاً عن ذلك تبدو في مزدوج هو المظهر النفسي الفردي والمظهر الإجتماعي الجماعي)، ومن الملاحظ ان طالب الطب في البلدان النامية عندما يذهب الي تلقي العلم في العواصم الاوربية يحصل على الدبلوم الذي يحصل عليه زميله ذات الدولة، وفي بعض الاحيان قد يكون أكثر استعداداً وزكاء ولكن لا يحصل غالباً على فاعليته، نعني طريقة سلوكه وتصرفه امام مشكلات الحياة الإجتماعية.
للحرية إرتباط مباشر بعملية التنمية، نلاحظ ان القوانين التي تقيد حرية الصحافة يعيق عملية التنمية، من خلال عدم اتاحت المساحة الكافية للصافة لطرح المشكلات التنموية الحقيقية، ووجهات نظر الجهات والمخلفة في حل هذه الإشكلات هذا على سبيل المثال، يحدثنا ماركس في العام 1843م عن الحرية والرقابة (تسمع الحكمة صوتها فقط فهي تعرف أنها تسمع صوتها فقط، ومع ذلك فهي تتصرف على اعتبار أنها تسمع صوت الشعب، وتطلب من الناس ان يتقبلوا ذلك على انه حقيقة،وهكذا يقع الناس في الشك والحيرة أو يكونوا سالبين ويعزفون عن المشاركة في الحياة السياسية، ويهتمون فقط بشئونهم الخاصة، واذا كان علي الناس ان ينظروا إلى الكتابات الحرة على انها كتابات غير قانونية فيستعدونها على اعتبار ما هو غير قانوني على انه حر)، وولعله يقصد ان الحرية غير مشروعة في هذه الحالة، وما هو مشروع لا يعبر عن الحرية، لذلك فان الرغابة تقتل روح التنمية، وقس على ذلك بالنسبة للتقيد في حالة المسرح والفنون الابدعية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني وغيرها.
التنمية الثقافية:
ان أول ما تهدف اليه التنمية الثقافية هو بناء الإنسان معنوياً ومعرفياً، ومن هذا الهدف تبرز الأهداف الثانوية،
نظريات التنمية:
استطاع ابن خلدون ان يربط بين ارقى الامم وتقدمها وانحطاطها، ومفهوم التنمية كما جاء في مقدمته المشهورة، وذلك من خلال أهتمامه بدراسة واقع العمران البشري وأحوال الإجتماع الإنساني، والذي عرف بعلم العمران وما يشير فيه لطبيعة هذا العمران من التوحش والتنافس والعصبيات وكيفية التغلب على هذه المشكلة ومحاولة السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لمصلحة الإنسان، تلك الأراء اثرت بالطبع على علماء الإجتماع والإقتصاد، وخاصة في معالجاتهم لفلسفة التنمية، وخلال القرن الرابع والخامس الميادي قد زاد أهتمام العلماء بعد ذلك حتي نهاية القرن التاسع عشر بقضايا التنمية وذلك من خلال فكرة النمو الإقتصادي، والذي يبرز عبر الاعتماد المتزائد والمتبادل بين الاجزاء المختلفة، كما عالجها بعض علما الإجتماع الأوائل مثل “أوجست كونت” من خلال أهتمامه بخصائي كل تخصص وتقدم، وهذه المحولات تعد بمسابة أفكار تقدمية بالنسبة لعملية التنمية وحين ذاك، فضلاً عن انها اسهمت في ظهور بعض النظريات التطويرية في التنمية والتي تسمى بنظرية التطور في التنمية.
النظرية الماركسية في التنيمة:
يعد كارلوس ماركس من أهم رواد هذا الاتجاه الفكري الذي اشار للتنمية من خلال دراسته وتحليله للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في غرب اوروبا وبعض الاجزاء الأخري من العالم، وقدم من خلال ذلك نموزجاً عاماً لتطور المجتماعات الانسانية، وحاول معالجة بعض قضايا التنمية من خلال هذا النموزجاً وتحليله للدور الذي يمكن ان توديه العوامل المادية في تشكيل الوجود الإجتماعي، وقد أكد على أهمية العوامل الإقتصادية والتكنولوجيا في عملية التنمية، باعتبارها عملية ثورية تتضمن تحولات شاملة في البناء الإجتماعي والإقتصادي والسياسي وغير ذلك من اساليب الحياة القيم الثقافية.
ومن ناحية أخري أشار ماركس للدور الذي يمكن ان توديه علاقات الانتاج في تطور المجتمع، وحدد مراحل التطور بخمسة مراحل:
1/ مرحلة الانتاج البدائي.
2/ مرحلة العبودية أو الرق.
3/ مرحلة الاقطاع.
4/ مرحلة البرجوازية.
5/ مرحلة الإشتراكية.
وهذا المراحل تشير كلها لتطور المجتمع، وتفسر ايضاً النظام الإجتماعي للمجتمع، ومدى تباين حياته الثقافية والفكرية والسياسية، وشبه هذه المراحل بمراحل التنمية، وهذا ما حاول ايضاحه من خلال تحليله للمجتمع التقليدي، كما اضاف ان المنشور الشيوعي يعد في حد ذاته نظرية للتنمية والتحديث، واوضح في بعض مقولاته أن المجتمع الاقطاعي يمثل فكرة ما قبل التنيمة، والتنمية في رأيه تعني تحول المجتمع من الاقطاع إلى المراحل التطورية التي تلي هذه المرحلة حتي يسود النموزج الرأسمالي في الانتاج، وهذا رأه في اوربا بعد العصورالوسطى وحتي ظهور الافكار الحديثة، وهذا ما نتطرق له في دراسة قادمة.
جدلية المسرح والتنمية:
ان المسرح هو فعل إنساني نبيل لا ينفصل عن موضوع التنمية، ومنذ نشأته ظل يساهم في العملية التعليمة والتنموية بأنواعها المختلفة، ومنذ فترة اليونان نجد ان المسرح قد ارتبط بتوعية وتنمية الإنسان، وفي ذلك الحين لم يظهر مصطلح التنمية بهذا المفهوم.
واذا نظرنا إلي معظم النصوص المسرحية نجدها قد ناقشت موضوعات التنمية بطرق مختلفة وبزواية متعددة، ففي ثلاثية “اوديب ملكاً” لسوفوكليس، في الجزء الاول منها “مسرحية اوديب” الذى قتل ابيه فتزوج والدته وفقع عينيه، نسبة للفعل الذي ارتكبه، ويرى في فقع عينيه تطهير لنفسه، وعليه فأن الرسالة المراد ايصالها للمتلقي الاحساس بالخوف والشفقة مما تنبيه من الوقوع في مثل هذا الفعل، اما الجزء الثالث “انتجونا” وهو يناقش مفاهيم العدالة والقانون والواجب، وهي مفاهيم ذات صلة مباشرة وغير مباشرة بعملية التنمية، وهي لها دور كبير في تنمية وتطوير ورفع وعي المتلقي خاصة فيما يختص بالقيام بالواجب في تطبيق القوانيين وتحقيق العدالة.
اما مسرح شكسبير فهو يناقش قضايا مرتبطة بالذات الإنسانية، مثل الغيرة والشجع والطمع والتضحية… الخ، وبتالي نجده أهتم بجانب التنمية المرتبطة بالتنمية البشرية، وكذلك ظهر المسرح التعبيري الذي يناقش النفس الداخلية للإنسان، وايضاً ظهر مسرح العبث الذي ينادي بإعادة إنسانية الانسان الاوروبي، وكذلك مسرح المقهورين لاغستوبوال، الذي يتناول قضايا المقهورين ويساهم في حل مشاكلهم، الى ان ظهر مصطلح المسرح التنموي.
المسرح التنموي:
يعرف الدكتور. ابيو موما أستاذ الدراما بجامعة نيروبي المسرح التنموي بقوله (هو استغلال الاشكال والفنون الشعبية بخيال واسع وحزر كبير، لان برنامج المسرح التنموي يهدف الى بث الوعي الثقافي والتحول لدي المجموعات المستهدفة)، وايضاً من تعريفاته (هو تيار المسرح الجماهيري والشعبي، وهو الذي يبحث عن قضايا معينة مثل محو الامية واصحاح البيئية والزراعة حول اماكن السكن والقهر والامراض المستوطنة والفتاكا… الخ)، ويعتمد المسرح التنموي على المعرفة العميقة ومكنزيمات الثقافة في شكلها الفلسفي والإجتماعي.
ونجد المسرح التنموي في بوضوح في فلسفة بول فريدي التي صممها لتعامل مع جمهور في مكان معين وهو البرازيل، وهو يقول في ذلك (ان التعليم الذي نسعي اليه يهدف إلى تمكين الناس ومناقشة مشاكلهم وتداخلهم في هذا المضمون)، وهذا النوع من المسرح يحزر الإنسان من خطورة التاريخ ويمنه الثقة بالنفس لمواجة هذه المخاطر بدلاً عن الاستسلام لها.
ومنهج فريدى في الدرامة التعليمة منهج معروف حيث انه يرتكز على أحد أهم المناهج التعليمية، التي تقوم علي خيار الابداع، وهي استراتيجية تعليمية تقوم علي التعليم والتغيير في نفس الوقت، ولهذا المنهج خمسة عناصر اساسية يقوم عليها وهي (اللغة والبيئية والمشاركون والثقافة والزمن).
ويمكن القول ان نموزج المسرح التنموي هو تصميم انثربولوجي ثقافي يساعد في عملية التحول الإجتماعي، وهذا النموزج يمتاز بجعل التفكير ينتطل من المحور الثقافي والإجتماعي، وهو بذلك يختلف عن نموزج المسرح الارسطي والمسرح الملهمي، الذان يحافظان عن التباعد والتفريق بين الممثل والجمهور.
اما المسرح التنموي يضع اعتباراً كبيراً للمشاركة الجماعية، لانه يتبين الاحتفالات والنمازج الشعبية من الفنون، فالتحول في المجتمع يتم بمشاركة وتحيك كل القطاعات، اما المسرح الارسطي يتم باكتفاء بظاهرة الممثل الذ يفعل ويمثل امام المجتمع أو المشاهديين.
وهنالك فصل واضح بين المشاهديين في كل النمازج السابقة، وهو فصل بين الموضوع والمادة، وفصل بين الرسالة والوسيلة، اما في المسرح التنموي تقوم فلسفة التصميم علي المسذج بين الرسالة والجمهور، وهو منهج الرسالة هي الوسيلة والوسيلة هي الرسالة، لانه يستعير الاشكال الفنية والابدائية ويتبين النمازج والميكانيزمات الخاصة بالمجتمع.
ونموزج المسرح التنموي اشبه بفتح وتوسيع الفضاء الدرامي للمجتمع، وهو يقوم علي فرضية ان التحول كنظام من نظم التنمية يتم بترقية الامكانيات الذاتية، فالتنمية لا يمكن فرضها من الخارج، فهي ان تم بهذا المستوى فستكون تنمية غير متوازنة، والتنمية الإجتماعية شئ من الداخل يقوم بتطوير الامكانيات الخاصة بهذه المجموعة، وان تمت عملية فرض مفاهيم ثقافية غربية قد يؤدي الى مضار كثيرة بثقافة الناس.
خلاصة القول هو ان المسرح التنموي هو الذي يبحث في قضايا معينة وجمهور معين ومحدد تمسه هذه القضايا، وهو لم يلتزم بشروط المسرح الجمالي انما شرطه الاساسي هو التركيز والتدقيق والتعمق في الموضوع الذي يريد ان يناقشه، والجمهور المحدد الذي يريد ان يوصل اليه الرسالة، ومن أهم القضايا التي يناقشها المسرح التنموي هي قضايا (محو الامية، والسلام والبطالة، والقهر والتربية والمشاركة السياسية… الخ)، والسودان بلد متنوع الثقافات ومتعدد الاعراق ومتباين المشاكل، يحتاج في مناقشة مثل هذه القضايا الى مسرح لدية القدرة علي التعبير عن هذه القضايا بطريقة عميقة وأكثر فعالية وأكثر جدية، وهذا هو المسرح التنموي، ودول العالم الثالث ومن ضمنها السودان ملئة بمثل هذه القضايا والمشكلات التي يناقشها المسرح التنموي، لذلك نحتاج الى مسرح يتناول قضايا التنمية بعمق فلسفي وثقافي، وايضاً نحتاج الي مسرح تنموي لمناقشة القضايا الاولية مثل (التعليم والصحة …الخ).
المراجع:
1- مختار الصحاح – الشيخ الامام محمد بن ابي بكر عبدالقادر الرازي.
2- أجهزة الإعلام والتنمية الوطنية – ولبرشرام – ترجمة محمد فتح – القاهرة الهيئة العامة للتاليف والنشر.
3- الإعلام والتنمية – د. محمد سيد محمد – الطبعة الرابعة دار الفكر العربي.
4- دراسات في التنمية الريفية المتكاملة – مختار همزة.
5- دور الممثل في تنشيط عناصر المسرح بالسودان – جمال سليمان – رسالة ماجستير.
6- التلفزيون والتنمية – الدسوقي عبده ابراهيم.
7- مشكلة الثقافة – مالك بن نبي – دار الفكر بيروت – الطبعة الثانية 1959م.
8- مسرحية جان دارك قديسة المسالخ – برتولد برخت – ترجمة نبيل حفار – الفارابي للطباعة والنشر 1981م.
9- مسرحية بيت الدمية – هنرك ابسن – ترجمة كامل يوسف – مكتبة مصر للطباعة والنشر.
10- الدراما من أجل ثقافة السلام – دراسة في الاصول الفلسفية لمسرح التنموي – نمازج مقترح من قبيلتي دينكا نقوك والمسيرية الحمر – رسالة دكتوراة – ابوالقاسم قور.
11- مقدمة ابن خلدون – عبدالرحمن بن خلدون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى