مقالات ودراسات

الناقد العراقي حسين رضا حسين يكتب عن “حلم الغفيلة”: حينما تستدرج د. “ليلى محمد” الوجع الانساني إلى منصة الحلم في عرض مسرحي

 حسين رضا حسين

ناقد مسرحي وأكاديمي عراقي

ـ

تقدم ليلى محمد (تأليفاً وتمثيلاً واخراجاً) فرضيتها البصرية ومقترحها الجمالي في حلم الغفيلة عن طريق الحلم في لحظة تيه وغياب واستلاب في عالم أصبح أكثر قسوة وجفاء وعبر اسئلة تتعلق بوجود الانسان وكينونته، والفرضية الاساسية تكمن في امكانية المقسم أن يصبح موحداً، بمعنى هل يمكن للوجود أن يستمر، أو للتعايش بين الجنسين –الزوج والزوجة- أن يؤكد تكامله لو تم تقسيم عالمهما إلى نصفين. وحلمها يستطيل عبر مشاهد متعددة تمتد في بنية أفقية في الكشف، ودائرية في المبنى والمعنى.

وبداية الحلم، في المشهد الأول، تجد الزوجة نفسها في مكان ما وهي فاقدة للذاكرة مع آخر لم تعد تعرفه (هو زوجها)، هكذا في غفلة من وجود منتهك أو في لحظة حلم تستيقظ الزوجة وهي في حالة استلاب وغياب مطلقين، وفي لعبة العرض التي تستدرج فيها الكينونة في فتح مغاليقها تتكشف الذاكرة عن بعض عوالمها الجميلة، وهي لا تتورع في كل مشهد أن تكشف عن ذاك الوجع الانساني التي تمارسه الذكورة كقوى مهيمنة في الوجود. عندما تسأله (هل قمت بخيانتي) فيجيب (مرة واحدة ومع صديقتك التي استدرجتني) .

%d8%ad%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%81%d9%84%d8%a92

هكذا تنتفض فتضع حداً فاصلاً بينهما، حداً بين عالمين (هذا الحد يقسم خشبة العرض الى نصفين بوساطة شريط أبيض) ليكون كل في نصفه، كل في عالمه، منقسمان منشطران، وفي لحظات تجلي وكشف تتساءل في مشهد آخر ألسنا بحاجة إلى بعضنا البعض، بل في محاولة الخروج من غيابها تؤكد حاجتها إلى نصفها الثاني، لكن لم تعد هي من تقرر الاجابة. نحن أزاء لعبة حلم، ولأننا كذلك فالمكان صفري بلا ملامح أو ذاكرة، والزمان يكاد يكون صفرياً لو لا أنهما (على شجرة الانتظار) وهما مسلوبي الارادة في زمانهما، ولأن فرضية العرض هي الحلم، فنحن لسنا في بنية تتشكل عبر السبب والنتيجة، وليس في بناء ذروة أو ذروات مشهدية، والوجود لم يعد كذلك، حتى الشخصيات وهي تفعل فأنها تستجيب للواقعي في الحلم على الرمزي في الواقعي ، بمعنى أنها تكشف عن نسقها المتخلخل في وجود ملوث بوجود حلمي هو الآخر لم يعد متماسكاً، بل أكثر اهتزازاً،

%d8%ad%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%81%d9%84%d8%a91

ولهذا فان أداء الشخصيتين (ليلى محمد، ومحمد هاشم) جاء تجسيراً لفضاءات الحلم الذي يكاد يقترب من التجريد أحيانا، ومن السريالية أحياناً أخرى. حتى في لحظات غضبها أو في لحظات فرحها، في صباها وقد نفضت عن ذاكرتها بعضاً من غبار وجع السنين، أو في حزنها الآني فأنها وكأنها في حلم، قدمت شخصية أخرى (ليست كما في العرض المسرحي حرير، التي قدمتها قبل ثلاث سنوات على خشبة المسرح ذاته، تلك الشخصية الواقعية التي استدرجت ذاكرتها فنزفت وجعاً إنسانياً شفيفاً، فاتسمت بالصلابة في وجود يشاكسها ويقمعها ويقهرها).

والشخصية هنا كما يفترض لها أن تكون في حلم، تلهو كطفلة، وترقص كمراهقة، وتنتفض كامرأة انتهكت كرامتها، وتحبّ كأنثى، إلا أنها أيضاً تلسع كنحلة حين يحاول الايقاع بها، وشخصية الرجل أيضاً كان أداؤها كما هو الحلم في لحظة استرخاء وهي تتمرغ في وجعها الواقعي. وكما في المشهد الأول ينتهي المشهد الأخير بالإيقاع ذاته، وبالمكان ذاته، لكن هذه المرة الرجل/ الزوج، هو من يصحو فيجد نفسه في حالة استلاب وغياب مطلقين، وكأن العالم والوجود في تكرار دائمين مع تبادل الأدوار.

وتجسيد الحلم تكشف في روابط التقنيات التفاعلية فكان للحلم (الحدث المسرحي) أن يتموضع في مكان منعزل وسط العالم/وسط خشبة العرض، وهو مسور بقماشة مرئية للمتلقي وكأننا حتى في لعبة الحلم فاننا مراقبون ومنكشفون للعالم، ولم تعد هناك ثمة عزلة ما أو حميمية ما حتى لو انزوينا في مكانٍ صفري، بما فيها الحلم التي هي لحظة خاصة ومتفردة للحالمين، مع تقسيم خشبة العرض (الحدث- الفكرة إلى نصفين أو عالمين) بوساطة الشريط الأبيض، ومعها كان كانت المؤثرات الموسيقية الحية بآلة الجلو أن تشكل بعضاً من مناخات غموض الحلم وبهجة الغياب، وبهذا فان المخرجة كشفت عن مضمراتها في المجاز الصوري عبر المضمر العلاماتي في الشريط الأبيض الذي قسّم العالم إلى نصفين، وإلى غرفة الحلم المنعزلة/ المكشوفة، وهو مضمر يزخر بالمعنى لتطرح فرضيها الجمالية عبر سؤال العرض هل يمكن لنا أن نتعايش في ظل وجود منتهك ومقسّم، أو أليس العالم ليس الا حلماً متكرراً يعيد قراءة ذاته مع لعبة تبادل الأدوار؟ ويمكن أن يقودنا هذا إلى تأويل أكثر اتساعاً هل لنا أن نتعايش في وطن مقسم؟

لكن السؤال المهم الآخر هو هل يمكن لذائقة المتلقي التي تمترست بالقوى المحكمة والمتسلطة، وبقوة البنى المتماسكة وفحولتها، والاداء المعبر عنها في أن تجسر مجسّاتها باتجاه متعة التلقي أم ما زال هنا بعض الوقت في أن يكون للحلم في استطالته وتوزعه وتشتيته كزمن سريالي أن يعيد بناء لعبة التواصل مع الآخر المتلقي ويستدرجه إلى منصة بصرية وجمالية وفق آليات العرض المقترحة اخراجياً. الدكتورة ليلى محمد التي تواصل تأكيد ولعها وشغفها الفني ومنذ قرابة أربعة عقود وهي تعتلي خشبات المسرح تؤكد في هذا العرض مرة أخرى على انتمائها ووجودها للمسرح بشكل فاعل مؤلفة وممثلة ومخرجة هي وفريق العرض الذي شاركها التمثيل في حلم الغفيلة التي عرضت على المسرح الوطني مساء الثلاثاء 8/11/2016، محمد هاشم ومحمود رجب ووليد غازي والدراماتوج د. يوسف رشيد والسينواغرافي عصام جواد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى