مقالات ودراسات

الناقد العراقي د. منصور نعمان يكتب: الوضعي والميتافيزيقي.. في عرض مسرحية بيت أبو عبدالله

عرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ 14 من مهرجان الهيئة العربية للمسرح ببغداد 2024م

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

د. منصور نعمان  العراق

 

اقترح اتجاه ما بعد الدراما، شكلا متحررا من أسر النص الدرامي، مستفيدا من مخرجات العروض المسرحية التي اتخذت سياقات وان تباينت فيما بينها ،إلا ان ما بعد الدراما اجتهد بإيجاد منافذ مشتركة بدءا من الصورة التي شدد عليها كريك الى بلاستيكية مييرهولد ،الا الجسد الناطق عند غروتوفسكي. واستطاع ان يشكل من تلك الصور في العروض المتنوعة طريقا جديدا ومغايرا لبنية العرض المسرحي الذي منح صانع العرض حرية كبيرة باختيار واستقطاب وتوظيف كل التقنيات التكنولوجية فضلا عن استخدام السلايدات والموسيقى الغرائبي ما يجعل العرض المسرحي طاقة جديدة حاملا لا لمعنى واحد بل انفتاحا لمعان مختلفة، فلغة العرض تسمو على الحوار، بوصف اللغة اكبر من الحوار.

الا ان ذلك لم يمنع من جعل العناصر السينوغرافية جميعها تحمل تباشير الحوار وان لم تنطق، فالفعل الجمالي يجعلها شريك فاعل عضوي، فجسد الممثل القادر على الارتجال وبث الإشارات صار اكثر مرونة بفعل الأفكار التي  تبلورت بوصف الانسان قد اكتشف حالة الهوان والانكسار، فصار الجسد هو النفس، والنفس مكمن الجسد، وهذه الثنائية بين القطبين  شدد  عليها بعض الفلاسفة بين من يؤكد على الفصل بينهما أو يغلب احدهما عن الآخر ،او من يجعلهما يعملان معا.

وهي المسألة الفلسفية الشائكة بين قطبين هما: الوضعي والميتافيزيقي، فالنقس البشرية  عالقة بينهما، ولا تستطيع خلاصا منهما، انها التركيبة البشرية على مر الحقب والعصور، اذ بقي الهاجس الماورائي يستقطب الفكر البشري على الرغم من التحولات  الجوهرية العاصفة في الحياة وما حدث فيها من تطور كبير .

ان تأرجح الانسان بين القطبين الفاعلين، جعل ما بعد الدراما تنفذ الى عوالم غنية ، وصار البحث بالوجود وما فوقه ،مساحة كبيرة للتأمل والتفكير، ولم يعد النص الادبي بكاف للإجابة عن حزمة التساؤلات المؤرقة ،من هنا كان الابتعاد عن نص المؤلف الجاهز وعالمه المؤطر ، يعد امرا مقبولا، لأن الانفتاح على الكون والعالم والحياة ،يمنح العرض لغة وجمالا وفكرا وفلسفة  تبحر باستقطاب مراكز جديدة لم يجر تناولها من حيث الشكل الفني ،الذي يسعى لخلق الدهشة والمتعة معا ،فضلا عن حالة الانتباه لما يحدث في عوالمنا .

من هنا تمركز الاهتمام بنص العرض عبر موضوع واحد يمتلك متوالية عددية قابلة للتوالد والتكاثر، بوصفها تنهل من موضوع فلسفي هو: (الوضعي والميتافيزيقي)الذي يشكل أرضية لكل فعل بصري حركي سمعي في مناخات العرض المسرحي.

كما في مسرحية ( بيت أبو عبدالله) لكاتبها ومخرجها (انس عبدالصمد)التي قدمت ضمن المهرجان 14 للهيئة العربية للمسرح ببغداد، وكما العنوان الذي بدا اليفا، وكأننا  سنرى بيتا بغداديا لعائلة متواضعة، قد تعاني من بعض الازمات.

ان المشاكسة جاءت من العنوان المراوغ الذي يشكل عتبة العرض نفسه، الذي اختلف تماما عن العنوان المعلن وبذلك فان افق التوقع قد هشم تماما، وسرعان ما يجد المتلقي نفسه انه يرقب عوالم وليس عالما واحدا ،ففي البدء لم يكن هناك حوار

اذا انتفى وجود الحوار وحافظ على قوة اللغة ورسوخها من خلال ما انيط بعناصر العرض  من وظائف جديدة جعلتها ناطقة جماليا ، فالجسد صار حاملا للحوار، وكل إشارة وتعبير ،انما هو حوار غير منطوق ويكون ضمن وسط اللغة بوصفه قادر على إيصال الأفكار وتنويعها عبر حركة الجسد وتكوينه وايقاعه وبالتالي يكون الجسد ساردا ،وبالمعنى ذاته صارت حركة الممثلين بمثابة الحوار، وقد عمق اشتغال العناصر الأخرى ، فالمنظر/المكان ،كان هو الاخر يتشكل ويتحرك ويتغير الى اشكال مكانية مختلفة، فالمكان كان معاديا على الرغم من وظيفته المألوفة، وما تحولات المكان من الألفة إلى العداء، إلا خرق للأبطال وجندلهم في عالم وضعي خانق وميتافيزيقي يعد مجهولا، ووسع من طبيعة المكان ذاته، فهو مكان وأن حدد، بالبيت، بالكنيسة، بالملعب، بالمطبخ، إلا أنه يسمم الأبطال بعدائية سافرة، ويدفعهم للصراخ، والارتجاف، واطلاق قوالب صوتية ليست ذات معنى، لكنها تؤسر وتثير، وتحفز التفكير ببعد أنثروبولوجي.. فالأصوات التي يطلقها الممثل – وكأنها رثاء للذات البشرية، والموسيقى التي كانت تكافح وبشراسة ضد الأبطال.

والاضاءة التي اتخذت سياقان ، الأول: الكشف عن الوضع المزري للأبطال، اما الآخر فقد كان تكوينات هندسية تتحرك في فضاء العرض وانيطت بها مهمة تشكيل أجزاء من المكان لتحرك الدلالة من بيت الى كنيسة الى مكان للملاكمة ،الى حالة  التضييق المكاني على الابطال وكأنهم داخل محجر في  سجن، لتشكيل  عالم غرائبي التي تبدو فيه الريح تجرف كل شيء كما في المشهد الأخير. وحتى الإكسسوار ،انيطت بها وظائف جديدة جعلته يرتقي  من وظيفتها التقليدية الى علامة لها وقعها ووجودها الفعلي ،فالطعام الذي يتم تناوله، سرعان ما يتم بصقه وكان جهة ما تضغط على الابطال وتجعل من الحياة جحيما لا يطاق فالطعام حياة وحين تبصقه برعب، يشير الى مدلولات متعددة ،ابسطها حالة القهر والضيق والمضايقة . اما الحبل الذي كان الرابط بين قطبي الوضعي والميتافيزيقي اذا يتمسك البطل بالحبل المتدلي والممتد الى ما لانهاية له ، بإشارة الى ارتباط البشر بما يقع خارج وجودهم الحسي، بمعنى اخر ارتباط الابطال بأيديولوجيا مهيمنة ومسيطرة ولا يمكن الخلاص منها وتأكد ذلك عبر يقترن بإشارة السواعد المرتفعة للأعلى ومضمونة الكفين وكأنها عملية دفاع بوحدة البشر بمستنقعهم الوضعي. إنه الأمل بالإنقاذ، أمل قد لا يتحقق، لكن لابد من الإيمان به، إنه سيتحقق ذات يوم، وعلينا ان ننتظر!

اما صورة العين التي اخذت حيزا كبيرا من الفضاء وظهر الابطال مقزمين ازاءها عين واسعة ترقب ما يحدث دون إشارة لما يمكن حدوثه ،وهي علامة يتجلى فيها البعد الميتافيزيقي الذي يرقب ويرى لكنه لا يغير شيئا ،عين واسعة جامدة وكأنها تسخر مما آل اليه البشر. غيران العاصفة التي تمر، وفي الوقت ذاته تٌسحب قطع الديكور من الفضاء المسرحي الى خارجه بمثابة اعلان عن طوفان إلهي

من هنا نفهم ان شكل العرض كما يبدو لم يكن بنية راسخة متماسكة، بل شكل متهشم مجزأ، مقطع الاوصال (متملخ). وهذا الشكل الفني الجمالي مرواغ، اذ ان بنية العرض كانت بوجهين هما:

الوجه الخارجي الممزق والمفتت والمطحون .

اما الوجه الآخر الداخلي المتماسك .

فلم تعد العناصر المرئية  متماسكة، فالمكان هو الوعاء المكتظ والمتغير، وسرعان ما يتحول البيت إلى كنيسة، ويتحول أيضا إلى سيرك للصراع، مثلما هو بيت يؤمه الأبطال الثلاثة الذين لا نعرف عنهم شيئاً، بل ولا نريد أن نعرف شيئاً عنهم، لأننا  ادركنا العالم الغريب الذين يحيونه، إلا إن كان ذلك لا يمنع من متابعتهم ومراقبتهم واكتشاف ما في انفسنا. من جاء البطل الرابع مشاركة ازمة الابطال الثلاثة

إن جمال العرض، انطلق من الشكل ذي الدلالة، شكل محطم، ملتبس المعني، بحزمة علامات ضوئية، وبأجساد منهكة و مجندلة، لا تعرف ما يختط لها، وذلك ساهم بإطلاق حرية حركة الجسد، الذي صار روحاً عبر سلسلة من العذابات غير المعلنة، إلا أن المتلقي سيضفي عليها المعنى، تلك التي تشكل النقط السوداء في العرض، قابلة للتأويل والقراءة المختلف..

وبعد كل هذا الخراب، تأتي الريح، وكأنها ريح عاتية قادمة من بحر تستمر لدقائق، وكأنها لحظة زمنية مفارقة، تكتسح الموجود، في مساء أو كاد يكون لتنهي كل شيء.

فما من وضع بشري يبقى، وما من ميتافيزيقي راضٍ عن الوضعي، وهي اشكالية الوجود والعدم، والإنسان بينهما تحركه عواصف لا تتوقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى