مقالات ودراسات

الناقد الكبير محمد الروبي يكتب: بعد الثلاثين مازال العسل عسلا

المسرح نيوز ـ القاهرة | مقالات ودراسات

ـ

الآن يمكنني الاعتراف بأننى ترددت كثيرا فى الذهاب إلى مسرحية “العسل عسل” .. للمخرج الصديق إميل شوقى .. وكان سبب ترددى هو اننى كنت قد شاهدت عرض “العسل عسل .. والبصل بصل” الذى أعده وأخرجه الكبير سمير العصفورى عن مقامات بيرم التونسى وعرض على مسرح الطليعة منذ ما يتجاوز الثلاثين عاما .
كان عرضا- فى حينه – تجريبيا بامتياز قفز به العصفورى قفزة فارقة على دربه المسرحى، إذ غامر بتحويل بعض مقامات بيرم التونسى الشهيرة وضفرها فى عرض مسرحى يعتمد على الغناء ويضغط به على جراح واقع بينه وبين واقع بيرم أكثر من نصف قرن. واستطاع العصفورى بحذق وحنكة وجنون فنان مهموم ان يجعل من واقع بيرم فى ثلاثينيات القرن الماضى مرآة لواقع تحياه مصر فى منتصف الثمانينيات.
لذلك حين علمت أن الصديق إميل شوقى ينوى إعادة تقديم إعداد سمير العصفورى للمقامات أشفقت عليه من قسوة المقارنة .. وربما لهذا كلما نويت الذهاب تراجعت، حتى طال التأجيل وبات محرجا ، فتشجعت وذهبت وأنا أحذر نفسى من الوقوع فى مقارنة ستكون بالحتم ظالمة للعرضين .
الآن يمكننى القول وبضمير مستريح ان عرض العسل عسل الذى أخرجه إميل شوقى بنخبة من كوادر المسرح الكوميدى، هو عرض مسرحى جدير بالمشاهدة لأكثر من مرة .
أجمل ما فى العرض انه سيشيع فيك طاقة ايجابية رغم مسحة الشجن والألم التى تتخلله، وستخرج من الصالة تواجه واقعك المتردى بروح غير تلك التى دخلت بها .. إذ انك طوال مشاهدتك للعرض ستفهم العلاقة بين ما يحدث فى واقعك هذا وبين ما كان يحدث فى الماضى وستعرف أن الانزلاق للهاوية التى تحيا في قاعها الآن هو نتيجة طبيعية لمقدمات تخص الذات والمجتمع ، وستكتشف انك مشارك بقدر غير هين فيما تعانى منه الآن .
يعقد معك المعد ومن بعده المخرج منذ المشهد الأول اتفاقا غير مكتوب يؤسس فيه للشكل الذى اختاره لعرضه فهو لن يقدم إليك حكاية منتظمة الأحداث المتصاعدة، لكنه سيقدم لك “فقرات” عن زمن كان، يشير بها – من بعيد أحيانا ومن قريب أحايين كثيرة – إلى ما تعيشه أنت فى زمانك .
لهذا سيكون عماد العرض الاساسى هو الممثل الذى نجح إميل شوقى أن يختاره بعناية، كل فى دوره أو بالأحرى أدواره، فكل منهم يقدم أدوارا مختلفة حسب موقعه من الفقرة المقدمة. فهذه النوعية من العروض تحتاج إلى ممثل صاحب قدرات خاصة، وإلى تدريبات شاقة، فلابد له من أذن موسيقية، بالإضافة إلى خفة ظل طاغية ربما تذكرنا بفهم يوسف إدريس للممثل الفرفور كما وصفه فى مقالاته “نحو مسرح مصرى” وعلى رأسها امتلاكه لقدرات ارتجالية يتحكم فيها حسب الموقف الدرامى وأيضا حسب تغير نوعية الجمهور، وهو مانجح فيه كل أعضاء فريق إميل شوقى صغارا وكبارا.
أما عامود خيمة هذا العرض فهو الموسيقى والألحان، وهنا لابد ان نتقدم بتحية كبرى للملحن المغامر حاتم عزت الذى تجرأ وقبل عملا سبق وان لحن فقراته منذ أكثر من ثلاثين عاما ملحن موهوب هو “على سعد” استطاعت ألحانه لعرض سمير العصفورى أن تسيطر على أذاننا منذ شاهدناه لأول مرة وحتى الآن .فمغامرة حاتم عزت برأيى لا تقل عن مغامرة إميل شوقى. فقد حقق ابتعادا محمودا عن فخ ألحان على سعد وهو إنجاز يعرف صعوبته كل من له علاقة بالفنون وخاصة الموسيقية .
فشكرا فريق «العسل عسل»

منشور في مسرحنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى