مقالات ودراسات

الناقد المغربي أحمد بلخيري يكتب حصريا لـ “المسرح نيوز”: ضد أفلاطون

المسرح نيوز ـ المغرب| بقلم:  أحمد بلخيري*
ناقد مغربي
ـ
خلَّف اليونانيون للإنسانية تراثا فلسفيا ومسرحيا غنيا،لايمكن دراسة تاريخ الفلسفة وتاريخ المسرح دون العودة إلى هذا التراث.تُضاف إلى هذا الغنى الريادة فيهما معا.وقد تأتى لهم ذلك بفضل عوامل عديدة متضافرة أسهب المؤرخون في البحث فيها والكشف عنها.عرف هذا التراث نموا مطردا،وكانت قد بدأت إرهاصاته الأولى مبكرا مع هوميروس وربما قبله،ثم وصل إلى مرحلة النضج والاستواء مع شعراء التراجيديا الكبار اسخيلوس  (525-456ق.م)،وسوفوكليس(479-405ق.م)،ويوربيدس(484-406ق.م)،فضلا عن أرسطوفان(445-385ق.م) شاعر الكوميديا،ومع فيلسوفين عظيمين هما أفلاطون(428-347 أو 348 ق.م)وأرسطو(384-322 ق.م)،وقبلهما كان سقراط (469-399 ق.م) الذي لم يخلّف أثرا مكتوبا،ولكنه خلف منهجا في البحث عن الحقيقة يعتمد على السؤال والحوار.في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد عرف هذا التراث أوج عظمته لاسيما في أثينا بوصفها مدينة-دولة.
بعد هؤلاء الثلاثة كان ما اعتبره عبد الرحمن بدوي «خريف الفكر اليوناني»1. نستنتج من التواريخ السابقة أن العصر الذهبي للتراجيديا اليونانية،حيث بلغت أوجها مع الثالوث المعروف،قد لايتجاوز تسعين سنة.أما العصر الذهبي للفلسفة اليونانية،حيث بلغت أوجها مع العظيمين السابقي الذكر،أفلاطون وأرسطو،فقد لايتجاوز ستة عقود من الزمان إذا أضيف إلى زمنيهما زمن سقراط. لكن قبل العصر الذهبي لكليهما،أي المسرح والفلسفة،كانت هناك إرهاصات وسيرورة تاريخية لم يغفلهما هذا الكتاب للناقد لحسن قناني، حيث تحدث عن زمن البدايات وأشعار هوميروس وهزيود التي ربطها أفلاطون في الكتاب الثاني من جمهوريته2 بالخيال والكذب والباطل وليس بالحقيقة والعقل.
هذا التراث اليوناني الفلسفي والمسرحي،الذي كان بين القرنين المذكورين،هو موضوع هذا الكتاب،وبالتحديد العلاقة بين المسرح والفلسفة فيه أي في ذلك التراث.كان البحث في هذه العلاقة من لدن لحسن قناني الذي جمع بين تدريس الفلسفة،بعد التكوين الجامعي والقراءة المستمرة للفكر الفلسفي قديما وحديثا كما تدل على ذلك مصادر ومراجع الكتاب،والإبداع المسرحي.هذه الثقافة الجامعة بين الفلسفة والمسرح أهلته لاقتحام غمار الموضوع بنفس تحليلي وعُدَّة نظرية مهمة.
وقبل مباشرة البحث في تلك العلاقة بدأ من حيث كان من المفترض أن تكون البداية.
بدأ من تحديد «منطق»الفلسفة و «منطق»المسرح.لكلمة منطق في هذا الاستعمال معنى محدد يتعلق بتحديد خصائص كل منهما أو مكونات كل منهما،كل على حدة،الفلسفة باعتبارها تفكيرا تأمليا وعقليا ونقديا ونسقيا،والمسرح باعتباره فنا ونصا وعرضا.لكل منهما منطق خاص أي نحو (Grammaire) خاص به.بعد هذا التحديد ركز البحث على العلاقة بينهما.
انتقلت هذه العلاقة من النزاع والتنافر والصراع بينهما إلى الالتقاء. في علاقة النزاع أسهب الناقد لحسن قناني في عرض موقف أفلاطون من الشعر والشعراء، وضمنهما الشعر التراجيدي وشعراء التراجيديا،الذي طرد الشعراء عموما من جمهوريته.سبب هذا الطرد يتعلق بعلاقة الشعر بالحقيقة والعقل،وتأثيره على عقول الشباب.نتيجة هذا التأثير عنده هي الفساد والإفساد،فساد تلك العقول بعد إفسادها،بسبب نشر تلك الأشعار بين الناس،لأنها تقدم الآلهة والأبطال بطريقة مشوَّهة حسب رأيه،إذ لايجوز تقديم الآلهة وهي تشن الحرب أو تحيك المؤامرات ضد بعضها البعض.زد على ذلك،أن الشعر عموما،بالمعنى اليوناني ومنه المسرح،عنده ليس سوى محاكاة للمحاكاة.ولذلك فهو محاكاة من درجة ثانية لأنه يحاكي الظل.وعليه، فهو بعيد عن الحقيقة التي هي غاية الفلسفة. لتقديم رأي أفلاطون رجع لحسن قناني إلى محاورات أفلاطون.
وكانت هذه المحاورات،لكل واحدة عنوان محدد،قد اتُخذت شخصية سقراط شخصية رئيسية فيها.من خلال شخصية سقراط في المحاورات تم تقديم آراء فلسفية عديدة لأفلاطون تتعلق بالإنسان، والكون، والوجود، والنفس وعلاقتها بالجسد إلخ،ومنها رأيه في الشعر عموما، وكذلك رأيه في الفلسفة.تبعا لهذين الرأيين تحددت العلاقة بين الفلسفة والمسرح أو المسرح والفلسفة حسب منظوره.لكن المفارقة التي تحدث عنها هذا الكتاب بإسهاب هي أن سقراط،سقراط التاريخي وليس سقراط المحاورات،هو نفسه كان يستعمل،مثل سقراط المحاورات،أداة أساسية لايمكن تصور وجود مسرح بدونها،هذه الأداة هي الحوار.من هنا جاء تعبير«الحوار السقراطي»الذي يعتمد على السؤال والتوليد.والحوار عنصر أساسي وجوهري في البنية الدرامية ومنها البنية التراجيدية.
لكن رغم موقف أفلاطون،فإن هذا الكتاب بحث عن مظاهر الالتقاء بين المسرح والفلسفة.هذه المظاهر بعضها خارجي وبعضها داخلي.تتجلى المظاهر الخارجية في عوامل النشأة المشتركة بينهما.في هذا السياق،كشف الكتاب عن العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي والعامل السياسي والعامل الثقافي.وهي عوامل متضافرة،كانت نتيجة تضافرها أن تبوأت ثقافة وعلوم اليونان عموما،التي أطلق عليها العرب في العصر العباسي بعد تأسيس «بيت الحكمة» في بغداد علوم الأوائل،مكانة خاصة في تراث الإنسانية.رأى الناقد أن هذه العوامل الخارجية كانت سببا في ظهور المسرح والفلسفة معا عند اليونانيين القدماء.
بالإضافة إلى العوامل الخارجية،بوصفها عوامل التقاء بين المسرح والفلسفة من حيث النشأة،توجد كذلك في الكتاب مظاهر التقاء أخرى منها علاقة كل منهما بالأسطورة وتقنية الحوار.وإذا كانت محاورات أفلاطون تشترك مع النص الدرامي،ومنه النص التراجيدي،في تقنية الحوار،فإن الجسد الفلسفي يشترك مع العرض المسرحي في التعبير بواسطة الجسد.الجسد الفلسفي في هذه الحالة علامة،وكذلك الشأن بالنسبة للجسد المسرحي.مع الجسد الفلسفي كانت مسرحة الفكر،وكان الانتقال من المجرد إلى المحسوس وليس من المحسوس إلى المجرد كما هو معتاد ومعروف في الفكر الفلسفي.في إطار مسرحة الفكر والتعبير الفلسفي عن طريق الجسد تم استحضار ديوجين صاحب المصباح.مع ديوجين كان الفكر في حالة فعل Action.
وإذا كان الكتاب قد قدم تفسيرا سياسيا محتملا لطرد أفلاطون من جمهوريته،يتعلق هذا التفسير بالنظام الديمقراطي في أثينا والدراما لارتباطهما بالواقع وليس بعالم المُثُل،فإن هذا الأخير،مع ذلك،عبر عن فكره بأسلوب مسرحي في محاوراته كما بيَّن ذلك الناقد لحسن قناني في هذا الكتاب.لم يستعمل الخطاب الفلسفي الأفلاطوني الحوار فقط في المحاورات،بل استعمل كذلك وسائل كوميدية منها السخرية والضحك.لهذا حكم الناقد لحسن قناني على نفي أو طرد أفلاطون الشعراءَ من جمهوريته واستعمال وسائلهم في خطابه الفلسفي بكونه مفارقة. في هذا الكتاب نظرات ثاقبة وتمثل للثقافة اليونانية القديمة،وبصفة خاصة الفلسفة والمسرح.كما أن هناك تتبعا لانتقال هذه الثقافة من الشفوية إلى الكتابة.ويتميز،فضلا عن ذلك،بتنوع مصادره ومراجعه ومصطلحاته.
ذلك أنه في هذا الكتاب يوجد سقراط، وأفلاطون،وأرسطو، وسوفوكليس،ويوربيديس،وأرسطوفان،ولالاند،ونيتشه،وهايدجر،وألاردس نيكول ،وبتر بروك،وابن رشد،وديكارت،وميخائيل باختين،ورولان بارت،وعبد القاهر الجرجاني،وجيرار جنيت… إلخ.كما توجد فيه مصطلحات عديدة منها الفلسفية (الماهية،الميتافيزيقا،اللوغوس…)،ومنها المسرحية (التطهير،التغريب،الميتامسرح،التمسرح،المسرحة…)،ومنها ما يتعلق بالنقد الأدبي(تعدد الأصوات…).
يتبين من متن الكتاب أن صاحبه خبير بلغة المسرح،ومستوعب لجوهر المفاهيم الفلسفية المستعملة فيه.وهذا ليس غريبا وليس مستغربا من مثقف ومبدع مسرحي،تمكَّن من الجمع ثقافيا بين نوعين من أنواع المعرفة كلاهما يسعى إلى تنوير الإنسان في كل زمان ومكان:المسرح والفلسفة.ويمكن القول بأن أطروحة هذا الكتاب تتجلى في نقض ونسف ما أقدم عليه أفلاطون في جمهوريته حين نفى أو طرد الشعراء منها.وعليه،فهذا الكتاب هو ضد أفلاطون.ولذلك فهو،أي الكتاب، يقر بإمكانية الالتقاء بينهما.لا ليس إمكانية الالتقاء بل إنهما قد التقيا فعلا منذ العصر اليوناني القديم،وحتى عند أفلاطون نفسه من خلال محاوراته.
ختاما يمكن القول بأن الناقد لحسن قناني قد قدم في هذا الكتاب جزء من عصارة تجربته المسرحية وثقافته الفلسفية،ويمكن أن يتلو هذا الجزءَ جزءٌ آخر وربما أكثر.ويبدو أن قوة خطابه النقدي فيه موجودة في داخله لاخارجه.فهو لا يستغل لا لقبا ولا موقعا،كيفما كان نوعهما،ولا يختفي وراءهما، كما يفعل البعض،لتقديم » فكر« ضحل متهافت.قوة ناجمة عن وضوح الرؤية،وتماسك الخطاب،وسلامة وسلاسة التعبير.وإذا كان ميخائيل باختين قد أبرز علاقة محاورات أفلاطون بالرواية،فإن هذا الكتاب قد أبرز علاقتها بالمسرح.لإبراز تلك العلاقة اعتمد الناقد على مصادر ومراجع متنوعة،يكشف توظيفها،في هذا الكتاب،عن ثقافة ثرية متحركة غير جامدة مواكبة للعصر الذي يعيش فيه صاحبه.
هوامش:
1-عبد الرحمان بدوي،خريف الفكر اليوناني،دار القلم بيروت،ط/5،1979.
2-توجد اختلافات لغوية وأحيانا اصطلاحية بين ترجمة حنا خباز لجمهورية أفلاطون وترجمة فؤاد زكريا لها.ورد، على سبيل المثال، في ترجمة حنا خباز ما يلي: «س:ياعزيزي اديمنتس لا أنا ولا أنت في موقف شعراء،بل في موقف مؤسسي دولة.ويجب أن يعرف مؤسسو الدولة الصيغة التي يجب على الشعراء أن يصوغوا بها أساطيرهم،ويحظروا عليهم تجاوز حدودها.
على أن المؤسسين غير ملزمين أن ينظموا لهم الأساطير. اد:أنت مصيب.ولكني استعمل كلماتك نفسها فأقول:ماذا يجب أن تكون تلك الصيغ في اللاهوت ؟ الله علة الخير ليس إلا
س:أرى أن تكون كما يلي:يوصف الله في كل حال على ما هو في ذاته.سواء كان ذلك في الشعر القصصي أو الغنائي أو الروائي.هذا هو الحق. اد:نعم إنه حق !
س:فمن المؤكد أن الله صالح،ويجب وصفه بالصلاح والحق الذي فيه. اد:لاشك في ذلك».(جمهورية أفلاطون،دار القلم،بيروت،لبنان،ط/5، 1975،ص/68).
أما في ترجمة فؤاد زكريا فورد ما يلي: -إننا لسنا شعراء يا أديمانتوس،لا أنت ولا أنا،وإنما نحن ننشئ دولة.ومهمة منشئ الدولة هي أن يصوغ القوالب العامة التي يجب أن يصب فيها الشعراء أقاصيصهم،ويضع لهم الحدود التي ينبغي ألا يتعدوها،أما تأليف القصص ذاته فليس من شأننا.
-هذا صحيح كل الصحة،غير أني أود أن أعلم ما هي بالضبط تلك الحدود التي ينبغي أن نلتزمها في الكلام عن الآلهة.
-إليك رأيي:يجب أن يمثل الاله دائما كما هو،أيا كان نوع الشعر،أعني سواء أكان شعرا غنائيا أم شعرا ملحميا أم شعرا مسرحيا. -هذا صحيح. -ولكن أليس الله في ذاته خيرا،وأليست هذه هي الصفة التي يجب أن يمثل عليها ؟
-بلا شك».(جمهورية أفلاطون،دون ذكر لا الناشر ولا سنة النشر، ص/68،ترجمة فؤاد زكريا راجعها على الأصل اليوناني محمد سليم سالم). في الترجمة الأولى لم يذكر الشعر المسرحي والشعر الملحمي.حسب الترجمتين الشعر القصصي في الأولى هو الشعر الملحمي في الثانية.وتعني كلمة الروائي في الأولى المسرحي في الثانية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى