مقالات ودراسات

الناقد محمد الروبي يكتب: المقولة الخطأ!

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات

محمد الروبى*

ناقد مسرحي مصري

 

كثيرة هى المقولات الشائعة التى نرددها ونتعامل معها بإعتبارها حقائق ثابتة مقدسة لا يمكن مراجعتها ، بل وربما يصل تقديسنا لهذه المقولات إلى حد إتهام بعضنا البعض بالتجديف .وهو ما أراه شخصيا سببا رئيسا فى تكلس أفكارنا ومن ثم جمود حركتنا ومن ثم إعادة إنتاج المنتج والتحرك فى المكان متوهمين أننا نسير إلى الأمام بينما نحن نتراجع إلى وراء يزيد مع الزمن فراسخا كثيرة .

ومن هذه المقولات الأخطاء مقولة ( الناقد حكم ) أو ( الناقد قاض ) . وقد ظللنا نردد هذه المقولة حتى إقتنعنا أنها الحقيقة التى تضاهى حقيقة أن الشمس تطلع من الشرق !

 

وبرأيى المتواضع ( وأنا أحد من ينتمون إلى عالم النقد ) أن هذه المقولة ( الخطأ ) واحدة من الأحجار التى أعاقت تقدمنا المسرحى. نعم .. فقد تعامل الناقد مع نفسه بإعتباره الحكم العدل مالك الحقيقة الذى لا يأتيه الباطل أبدا ، ومن ناحية أخرى تعامل المبدع مع الناقد بإعتباره مالك صكوك الغفران المسرحى ، يمنح هذا العمل صفة ( المسرح ) ويمنع عن ذلك رحمة الإبداع .

وكنت دائما أضرب أمثالا ( تاريخية) على فساد هذه المقولة . منها مثلا مسرحية ( هاملت ) لشكسبير ، التى تعد أحد أهم إبداعات المسرح فى العالم ، والتى حظت بما لم يحظ به إبداع آخر طوال التاريخ البشرى من حفاوة ودراسات وشهرة . هذه المسرحية رآها ناقد شهير هو ( ت. س . إليوت ) وحسب نظريته المحددة والمعروفة ب ( المعادل الموضوعى ) بأنها مسرحية ضعيفة !

 

وهنا لابد أن نتساءل : إذا ما كان الناقد حكما يؤخذ كلامه بما لا يصح معه المراجعة ، فعلينا أن نقتنع بأن ( هاملت ) هى أضعف مسرحيات شكسبير !

 

الأمثلة كثيرة ومتكررة على مدار تاريخ الإبداع المسرحى فى العالم . منها على سبيل المثال ، ما فعلته مسرحية ( هرنانى ) التى رفضها النقاد ( الأكاديميون ) وكذلك الجمهور ، ثم أصبحت بعد ذلك نقطة مفصلية فى حركة تاريخ المسرح . وعلينا إذن أن نتساءل هنا أيضا : ماذا لو طبقنا مقولة ( الناقد حكما ) على هذه المعركة … أما كنا الآن ما نزال نرفض “هرنانى ” وبالتالى نكون قد حرمنا من كل ما جاء بعدها ؟

 

والآن هل نحتاج أن نتوغل أكثر فى ذكر الأمثلة ونتذكر ما فعله ( بريخت ) فى نظرتنا إلى المسرح ؟ ، وغيره الكثير والكثير .
إذن ألا ترون معى أن علينا الآن أن نضع هذه المقولة ( مع مقولات أخر ) تحت مجهر المراجعة وأن نتذكر مجددا أن الناقد ما هو إلا متذوق راق ، قارىء للعمل ومفسر له ( حسب ما يحمله من أفكار ومفاهيم حول المسرح والعالم) .وأن العمل الإبداعى هو الذى يفرض قوانينه التى على الناقد أن يكتشفها. وأن مقولة (الناقد حكم ) صنعت منا – دون أن ندرى – قطاع طرق على طريقة بروكست وسريره الشهير .

ـــــــــــ

المقالة منشورة في العدد السادس من نشرية مهرجان المسرح العربي الدورة الـ 12 2020 المقامة بالأردن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق