مقالات ودراسات

الناقد محمد ناجي المنشاوي يكتب حصريا لـ “المسرح نيوز” عن: المسرح القروي بين النسيان والأمل في البعث

بقلم: محمد ناجي المنشاوي

ناقد مصري

ـ

تمهيد تاريخي موجز

لا يختلف الباحثون في مجال المسرح حول فطرة الإنسان في كل مكان على “التخييل” و”المحاكاة”، ومنها انبثقت كل الفنون تقريبا من شعر وقصة ومسرح لدى معظم الشعوب التي عرفت الحضارات الإنسانية الأولى كالفرعونية والبابلية والآشورية وغيرها، و”التشخيص” غريزة فطرية ولد بها الإنسان يقلد أصوات الطيور والحيوانات ويقلد حركات كل لكائنات التي تحيط به، كما أنه يقلد نظيره الإنسان وخاصة عندما ينقل عنه رسائل إلى طرف آخر في المرحلة الإنسانية البدائية قبل الكتابة والقراءة، فالإشارة والحركة والصوت هي وسائل الاتصال بين البشر آنذاك، واستمر ذلك كله مصاحبا للإنسان على مدى تاريخ طويل في عمق الزمان مارا بمراحل تطور في مجال الحركة والإشارة والمحاكاة وبدأت الحركة تنتقل من العشوائية إلى الحركة المنظمة التي تمثلت في الرقص المعبر عن طقوس دينية في المعابد وفي حفلات الملوك والأباطرة، وذاع التمثيل بين الناس بعفوية وتلقاءية وجاء ارتجاليا في كب الأحوال، ثم بدأ المسرح اليوناني عند “أرستوفانس” و”سوفوكليس” و”يوربيدز” وظهر كتاب “الشعر” لأرستطاليس، فبدأ المسرح يميل إلى التقعيد فترسخت قواعده الكلاسيكية والتي أصبحت الطريق لكتاب المسرح في أوروبا،وفيما بعد ذلك بقرون عدة عند العرب.
وقد اعتاد مؤرخو المسرح على القول بأن: العرب لم يعرفوا المسرح إلا بعد ظهور الإسلام ومع بداية عصر الترجمة عن العلوم الأوروبية إلى العرب إلى العربية في العصر العباسي ويعللون لعدم اهتمام العرب بالفن المسرحي أو عدم معرفتهم به بأن الحياة العربية بطبيعتها كانت حياة رعوية تعتمد على التنقل والترحال وعدم الاستقرار حيث الظروف التي تدفع بالقبائل إلى تعقب الكلأ والعشب ومساقط المياه مما يحول بينهم وبين الاستقرار، وهو العامل الأساسي في وجود أي مسرح؛

فالمسرح يعتمد على عناصر أساسية هي خشبة المسرح والجمهور والممثلون والنص، ثم يعللون لعدم عناية العرب المسلمين به بعد ذلك لاصطدامهم بطبيعة المسرح اليوناني الذي يقوم في جوهره على “تعدد الآلهة” فالوثنية هي جوهره وهو ما يتنافى مع جوهر العقيدة الإسلامية الجديدة.
ويرى البعض أن القبائل العربية التي كانت تعيش في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام كانت مشغولة دائما وأبدا بفن الشعر، وقد استحوذ الشعر على كل اهتمامات هؤلاء المتقدمين استحواذا كاد أن يصرفهم عن الاهتمام بأي فن آخر فاستحق الشعر عندهم بالفعل أن يكون ديوانهم الذي من خلاله يعبرون عن كل ما يتصل بشؤون حياتهم من تفاصيل دقيقة.

كما أن العربي البدوي بطبعه يميل إلى الخطابة والإيجاز في العبارة، واتسم خياله بأنه خيال محدود بحدود البيئة الفقيرة التي يعيش فيها فجاءت صوره وخيالاته الشعرية صدى لهده البيئة ولا يتوغل خياله بعيدا وعميقا بحال من الأحوال، وغلبت صبغة النائية على شعر هؤلاء الجاهليين؛ تلك الغنائية التي لا تعرف إلا الصوت المنفرد بعيدا عن الحوار والجدل، فلا نجد بصيصا للغة حوارية جدلية في أشعارهم تنبئ عن إرهاصات لأصوات شعرية يمكن أن تنحو بالقصيدة منحى حواريا مسرحيا أو يشكل بنية مسرحية مستقبلية، وهو أمر طبيعي لدى شاعر يتأهب للتنقل والترحال ويشد الرحال دائما إلى أماكن عدة دون استقرار.
هذا ما ذهب إليه الرأي التاريخي النقدي وأجمع عليه، إلا أنني أرى أن الأمر لا ينبغي أن يوضع في مجملة ومجموعه في سلة واحدة، وذلك لأن ما ذهب إليه هذا الرأي إنما يلقي بظلاله فقط على “الجزيرة العربية” أي ما بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وأظن أن الأمر في “مصر” خاصة ومنطقة حوض النيل عامة كان له من الخصوصية والتفرد والتميز ما يجعله ينأى عن تلك الحال التي كانت تسود الجزيرة العربية، وربما لا أكون مبالغا إذا قلت إن تلك الخصوصية لا تزال تنطق بوضوح وبقوة إلى عصرنا الراهن، فمن العبث تماهي الحالة المسرحية في الجزيرة العربية مع الحالة المسرحية في مصر وحوض النيل، فالأمر في مصر كان مختلفا جدا الاختلاف.
فإذا كان المسرح في الخليج وشبه الجزيرة العربية بدأ يعرف خطواته الأولى منذ الستينيات من القرن العشرين أو قبل ذلك بقليل، فإن المسرح في مصر يعود بتاريخه إلى أزمنة سحيقة منذ العهد الفرعوني، فقد عرفت مصر المسرح في أشكال عدة من الطقوس الدينية والنصوص التي كتبت خصيصا للإنشاد المسرحي والاحتفالات الدينية، وليس بخاف على الباحث المدقق العلاقات المصرية بالدولة اليونانية والرومانية منذ عهود تتوغل في الزمن القديم، وكل ما هو منقوش ومدون على جدران المعابد والمسلات الفرعونية وما هو موروث من برديات ومسارح قديمة كالمسرح الروماني بمدينة الإسكندرية،كل ذلك يخرج مصر من تعميم النقاد الجائر والذي يقطعها عن تاريخها المسرحي القديم.
علينا إذن ومن الآن فصاعدا أن نضع الأمور في مواضعها الصحيحة دون جور أو التواء وأول ما نفعل إقصاء المسرح المصري بتفرده عن بدايات المسرح العربي بشكل عام، ومن المعروف أن المصريين قد عرفوا المسرح في صورته الحديثة مع مقدم الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798م، أي قبل مضي القرن الثامن عشر بعامين فقط، وإشراق شمس القرن التاسع عشر صاحب التغيرات الكبيرة في مجال الأدب والفن والسياسة والاقتصاد، وكانت الحملة الفرنسية على مصر لها وجه ثقافي حرصت الحملة الاستعمارية على إظهاره كلون من الدعاية السياسية لإبراز الجانب الحضاري الفرنسي كوسيلة حاول بها الفرنسيون التقرب إلى الشعب المصري ضمن وسائل أخرى عديدة، وكان ضمن ذلك أن قدمت الحملة مسرحيات كانت تعرض ـ للأسف ـ باللغة الفرنسية فيما كان يسمى بالنادي الصغير “تيفولي” وذلك لتسلية جنود الحملة فيما يبدو.
ولكن بعد ذلك بحوالي سبعين عاما تقريبا وفي عهد الخديو إسماعيل بنيت دار الأوبرا ومثلت عليها أوبرا “عايدة” بالفرنسية وفي سنة 1876م ظهر أول رائد مصري للمسرحية “يعقوب صنوع” (1839ـ1912م) المعروف بأبي نظارة، وكان يعرض مسرحياته في حديقة الأزبكية والتي مال فيها إلى انتقادات سياسة واجتماعية مما أوغر قلب السلطات المصرية عليه آنذاك فكانت تبادر بإغلاق مسرحه.
وقد حاول “صنوع” في مسرحه أن يكون باللهجة العامية المصرية مما يؤكد حرصه في ذلك الوقت على التواصل مع الجماهير التي لم يكن لديها الوعي السياسي بالقدر الكافي، والجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من مسرحيات ذلك العصر كانت في أغلب الأحوال تخرج من عباءة الترجمة ليتم تمصيرها بعد ذلك، هذا وقد نزحت فرق شامية إلى مصر في مطلع القرن التاسع عشر حيث لم تجد نجاحا في البيئة الشامية فيممت وجهها شطر مصر يحدوها الأمل في النجاح وهو ما تحقق لها بالفعل، حيث الجماهير المتذوقة والتي تربت على حب “الفرجة” و”التشخيص” و”الاحتفالية” عبر أزمنة طويلة تربى فيها الذوق المصري في المدن والقرى والنجوع والحواري والأزقة وفي المنتديات العامة والخاصة، تربى على تذوق الفن على مختلف مشاربه ودروبه وسبله، مما هيأ البيئة المصرية لتستقبل هذه الفرق لتعطيها صك “النجاح” أو “الفشل” فقد عرف المصري البسيط الفن المسرحي من خلال “صندوق الدنيا” و”الأراجوز” و”البيانولا” الأكثر حداثة من “صندوق الدنيا” و “الأراجوز”، فسرى في عروق المصريين وفي وجدانهم حب االمسرح.
وكان من أثر ذلك أن وجدنا صدى له في “القرى” حيث “المسهراتي” و”السامر” وغيرها في المسرح المفتوح في الليالي المقمرة وهو ما عرف بـ “الجرن” وهو ما سنتحدث عنه لاحقا في هذه الدراسة.
وفي عام 1910 عاد جورج أبيض من بعثته في فرنسا والتي درس خلالها أصول الفن المسرحي وكان قد سبقه أمير الشعراء أحمد شوقي إلى فرنسا فكتب أولى مسرحياته الشعرية “علي بك الكبير، أو فيما هي دولة المماليك” والتي أسس بها شوقي المسرح الشعري العربي الذي تعزى إليه ريادته عن جدارة؛ إذ قدم بعد ذلك مصر كيلوباترا وقمبيز والبخيلة وأميرة الأندلس وجنون ليلى والست هدى، ثم تابعه في هذا المضمار الشاعر عزيز أباظة، وبعد فترة من اعتماد مسرحنا المصري على الترجمة والتمصير أو استمداد الموضوع من التاريخ العربي القديم كما فعل مارون نقاش وأبو خليل القباني النازحان من الشام إلى مصر فقد آن الآوان ليعود جورج أبيض من بعثته لتؤلف له خصيصا مسرحيات اجتماعية منها “مصر الجديدة” لفرح أنطوان، ثم ما تلا ذلك من فرقة يوسف وهبي عميد المسرح العربي وصاحب فرقة رمسيس، وكذلك فرقة نجيب الريحاني، ثم ظهور المدرسة المصرية الجديدة التي اهتمت بالتأليف المسرحي وتناول القضايا الاجتماعية والواقعية وعلى رأس هذه المدرسة الأخوان محمد وحمود تيمور، ثم كان توفيق الحكيم وعودته من فرنسا مغرما ودارسا لفن المسرح؛ فقدم أولى مسرحياته “أهل الكهف” عام 1934، وكان غزير الإنتاج في مجال التأليف المسرحي؛ إذ ألف حوالي سبعين مسرحية تتبع قواعد التأليف المسرحي بمنتهى الدقة، وكان مسرحه متنوعا بين المسرح التاريخي والاجتماعي واللامعقول والذهني ثم كان على أحمد باكثير، فرشاد رشدي، والفريد فرج، ونعمان عاشور، وصلاح عبدالصبور، وعبدالرحمن الشرقاوي، وأنس داود، وفاروق جويدة، ومحمد إبراهيم أبو سن، وغير ذلك عشرات آخرون.
إذن هذه هي البيئة المصرية وما سبق بعض ألوان من الزهور المسرحية التي ازدهرت ونورت فيها وأثبتت أن الإنسان المصري هواه مع المسرح، شغوف به بسبب الإرث المسرحي القديم الذي شكل ذاكرة مصرية جمعية مما حدا بالمصريين إلى ممارسة المسرح في أنديتهم المختلفة وفي مناسباتهم المتنوعة للتعبير عن الأفراح والأتراح على السواء..

أنواع وأشكال المسرح القروي

يمكن تقسيم أشكال المسرح القروي على هذا النحو:

أـ الأشكال البسيطة:
وهي شكل مسرحي يأخذ شكل الاحتفالية الإنشادية أو هي الحوار الغنائي القصير:

1ـ المنشد في الموالد والأفراح: وهو يقف على مسرح تصاحبه فرقة موسيقية محدودة العدد، ويقوم المنشد بحكي قصة شعبية أو جانبا من سيرة أبي زيد الهلالي أو الظاهر بيبرس وهو يتمثل ما ينشده في أداء حركي تصاحبه موسيقى، تحاول أن تعاونه في تجسيد المشهد الذي يرويه للجمهور في ساحة من ساحات القرية أو المدينة.

2ـ طبقات الذاكرين في حلقات الذكر: حين يتحلقون أو يصطفون ويقوم بالذكر مع التمايل يمينا ويسارا، وفي الخلف منشد ينشد ما يتيسر له من سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وصحابته وبطولات سيد الشهداء الحسين وغير ذلك.

3ـ التأويز: وهو لون من شعر النقائض أو خارج من عباءته ولكن في صورة كلام مسجوع أو زجل مرتجل متبادل بين اثنين من أهل القرية الموهوبين في إدارة مثل هذا التراشق السجعي الزجلي، يحمل مضامين هجائية فكاهية قد تصل إلى حد القذف والشتم اللاذع، والألفاظ البذيئة الفاحشة في كثير من الأحوال التي تثير حفيظة المتبارين لاستمرار التراشق مما يثير الحضور في مجلس فكاهي خالص إذ يحتوي على لون من الصراع المسرحي اللانوعي موزع بين المتبارين المتخاصمين خصاما وقتيا مرهونا بزمن المجلس وكذلك بين أنصار هذا وذاك، وهو لون من الفكاهة اللفظية.

4ـ زفة العريس: إذ يقوم بعض أهل القرية من أصدقاء العريس بالسير معه في شوارع القرية ويغنون له ويرقصون ويقفون عند دور أهله وأصدقائه وأقاربه ويتحلقون حوله في شكل دائرة راقصة يتصاعد منها الغناء والحوار بين الراقصين، والمشاكسات مع العريس التي تحمل كما من الدعابة كبيرا.

5ـ التحطيب: وهو التنافس بالعصي بين اثنين يتخلله حوار بينهما، يحمل ألوانا من التهديد النفسي ليجبر الخصم على الانسحاب أو يؤثر عليه لينهزم، وسط حشد من المشاهدين.

6ـ سبوع المولود: حيث يضع أهل القرية المولود في “غربال” ويشكلون صفا ثم يدور هذا الصف في حلقة وهم يغنون أغاني خاصة بهذه المناسبة مع “رش الملح” و”إضاءة الشموع” وتوزيع الحلوى على الحاضرين.

ب ـ الأشكال الارتجالية:

1ـ فريق الجُرن: وهو فريق يكونه عدد من الصبية الصغار وأحيانا ينضم إليهم بعض الكبار في “جُرن” من أجران القرية. والجرن ساحة فسيحة يستخدمه الفلاحون في موسم الحصاد افصل حب القمح والأرز والبرسيم ويقيمون عن فيه السرادقات عند موت أحد من أهل القرية أو إقامة حفل عرس.
أما فريق الجرن فيستخدم هذا المكان في التجمع في الليالي القمراء، فيؤلف أحدهم فكرة معينة ثم يقوم بتوزيع الأدوار على الصبيان، ثم يتركون الحوار لارتجال خالص، وفي حوار عفوي بين الصبيان الممثلين إلى أن تنتهي المسرحية المرتجلة بصورة عفوية مرتجلة أيضا وسط جمهور من أهل الحارة.

2ـ فرق السامر: وهي فرق كانت منتشرة في مدن مصر من شمالها إلى جنوبها، وتتألف هذه الفرق من مجموعة من الهواة في مجال الغناء والتمثيل ولعب “الأكروبات” وإجادة الحركات البهلوانية، وتتألف الفرقة من رجال ونساء في أغلب الأحوال بصورة ارتجالية وقلما يتم تأليفها بطريقة منظمة ثابتة ودائمة لأن العاملين في هذه الفرق من أرباب البحث عن لقمة الخبز إذ يعيشون في بيئة اجتماعية فقيرة أو معدمة.
وهي فرق لا تعمل إلا في القرى في حفلات العرس إذ ينزل قروي المدينة ليتفق مع إحدى هذه الفرق، فيقوم المسؤول بجمع ما يستطيع جمعه من رجال ونساء، لهم دراية بالعمل في هذا المجال، وتقدم هذه الفرقة أغاني ورقصا شعبيا أو شرقيا، ثم تختم حفلتها الليلية ببعض الألعاب البهلوانية والأكروبات، ثم يرتجلون مسرحية فكاهية مثل “الكوميديا ديلارتيه” يكون عمادها رجلا يصبغ وجهه باللون الأسمر عادة ويطلق عليه اسم “عثمان” ويقوم بدور “خادم” يتصف بالغباء وخفة الدم والظرف، ويعمل عند “الباشا” ويشترك معه الباقون في هذه المسرحية الارتجالية التي يقصد بها إضحاك القرويين، وكان القائم بدور عثمان هذا يتحدث في دوره بلهجة نوبية. ولم تكن لهذا النوع من الفرق أي أهداف ثقافية أو تربوية أو اجتماعية وإنما ينحصر هدفها في التسلية والتهريج والإضحاك بأي أسلوب، وهذا ما كان ينتظره المشاهدون من القرويين البسطاء.

3ـ الأراجوز (أو القرة قوز) : عبارة عن تصميم لدمية رجل يرتدي طربوشا، تحركه أصابع محترف من وراء ستار، بينما لا يظهر للجمهور سوى دمية الأراجوز، ويقوم محرك الأراجوز بالكلام الذي يبدو في صوت حاد غريب مثير للضحك وربما يحرك هذا الرجل أكثر من أراجوز في وقت واحد ويدير بينهما حوارا فكاهيا من خلال سرد قصة تنتهي بموعظة يتخللها جو فكاهي، وكان هذا الأراجوز يجوب الميادين في المدن والقرى المجاورة ليعرض فنه المحبوب لقاء قروش زهيدة من الذين يتوقفون لمشاهدة فنه حسبما تسمح لهم جيوبهم عن طيب خاطر. والأراجوز يتحدث بلغة عامية مصرية دارجة فكهة تناسب عقول المشاهدين وله هدف وعظي وهدف مادي لكسب العيش.

4ـ مسرح مراكز الشباب: عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952م في مصر اهتمت الدولة منذ اللحظة الأولى بالشباب والقرى في إطار توجه اشتراكي كان يعنى بالجانب التثقيفي للجماهير الظامئة لهذه الثقافة، وكانت القرى المصرية ولا شك قبل ثورة يوليو 1952م، أشبه بالجزر النائية عن اهتمام الحكومات والوزارات قبل الثورة، وكانت الصبغة العامة التي تصبغ القرويين في هذه الفترة من الزمان، هي صبغة الفقر المدقع والحرمان والتخلف والأمية والجهل والمرض.
وكان التعليم نادرا في هذه القرى وكان يحظى به غالبا أبناء الأثرياء من القرويين فحسب، وهؤلاء كانوا يمثلون نسبة ضئيلة للغاية من مجموع السكان.. وكان القرويون يعيشون حياة بسيطة تتردد بين العمل في الحقل طوال النهار، ثم العودة إلى منازلهم المبنية بالطوب اللبن يتسامرون في المساء بالجلوس على (المصاطب) وهي مقاعد من الطوب اللبن ملاصقة للمنزل الريفي ويتجاذبون أطراف الأحاديث في موضوعات خاصة بمشاكلهم المتعلقة بالحقل والحيوانات ومياه الترع والساقية وغير ذلك، وكانت وسائل تسليتهم محدودة في النهار وفي الليل، ففي النهار يلعبون (السيجا) على تراب التلال والحقول وهي لعبة أشبه بالشطرنج أو يلعبون لعبة “الكوتشينة” وفي المساء يلعب أطفالهم وصبيانهم “الاستغماية” أو يرتجلون (تمثيلية)، وأحيانا يجلس بينهم من يحسن القص والحكي فيحكي له م جانبا من السيرة الهلالية أو الظاهر بيبرس ويهبط عليهم من حين إلى آخر السيرك المتجول أو “البيانولا” أو “صندوق الدنيا” والذي كانوا يطلقون عليه أحيانا “صندوق العجب”، تلك كانت حياة هؤلاء القرويين في هذه المرحلة من حياة القرية المصرية قبل قيام ثورة يوليو 1952م.
وبعد تلك الثورة بدأت الفرية تأخذ ملامح جديدة على مهل، ومع توجه حكومة الثورة نحو القرى وإنشاء مراكز شباب بها منذ مطلع الستينيات من القرن المضي تأسست هذه المراكز الشبابية على أساس رياضي ثقافي اجتماعي وبدأ نشاط نوعي يدب في أوصال هذه المراكز التي شجعت بدورها الطاقات الدفينة لدى شباب القرى على الظهور على كل المستويات وخاصة الرياضية والثقافية.
ففي مجال الثقافة أقيمت الندوات وطبعت المجلات وعلقت مجلات الحائط على جدران هذه المراكز، وتكونت الفرق المسرحية من شباب هذه القرى وعقدت إدارات الشباب بالمدن مسابقات حول الفن المسرحي بين مراكز الشباب في القرى مما كانت تمثل دعما معنويا لها لتمارس نشاطها بشغف.
وقاد هذه الفرق وتحمس لها شباب فيه من الحماس المشتعل والذكاء الوقاد ما يثير التقدير والإعجاب وكانت الفرقة المسرحية في مركز الشباب القروي تضم مجموعة من شباب وصبيان القرية الهواة المغرمين بفن التمثيل والغناء، ومن الطريف أن الأدوار النسائية داخل النصوص المسرحية التي كانت تعرض كان يقوم بها (شباب ذكور) وكان بعضهم يجيد ـ إلى درجة الإتقان ـ تقمص هذه الأدوار النسائية وتشخيصها إلى درجة الإقناع، وكان من بين شباب القرية من لديه القدرة على عمل المكياج اللازم للمثلين, وكانت أدوات المكياج وخاماته يشتريها مركز الشباب من المدينة القريبة للقرية، كما كان مركز الشباب يستعين ببعض الموسيقيين من المدينة لمعاونتهم في حفلهم المسرحي، كما يقوم المركز بتأجير “فراشة” بكسر الفاء كما ينطقها العامة وذلك لبناء مسرح مؤقت ويقوم شباب القرية بجمع أكبر عدد من (الكَنَب) بفتح الكاف والنون، وهي مقاعد خشبية طويلة يستعين بها القرويون في دورهم للجلوس عليها أو النوم عليها أيضا، ثم ترص هذه المقاعد الخشبية بنظام معين لتشكل “خشبة المسرح” ثم يحاط بسرادق من الفراشة المؤجرة، كما يقوم المركز بتأجير مكبرات الصوت اللازمة من المدينة، وكذلك مناظر الديكور الخلفي والستائر، والستارة الأمامية.
وعلاوة على ذلك فإن معظم هذا العمل إن لم يكن جميعه يتم إنجازه عن طريق الجهود الذاتية من تبرعات أهل القرية الذين كانوا يجودون بما يقدرون عليه من قروش كانوا يدفعونها عن طيب خاطر. أما النصوص التي كان الفريق المسرحي يقوم بتمثيلها فكانت نصوصا تتنوع بين نصوص لكبار الكتاب المسرحيين إلى جانب نصوص أخرى يقوم بكتابتها هواة التأليف المسرحي من شباب القرية، وكانت النصوص التي يكتبها هؤلاء الهواة القرويون تتنوع بين الموضوعات الاجتماعية التي تتضمن المشاكل المحلية لأهل القرية ذاتها، ونصوص مأسوية وأخرى فكاهية هزلية، بالإضافة إلى عدد من (المونولوجات) الغنائية والمشاهد المسرحية من (البانتومايم).
ومن المدهش أن فلاحين أميين كانوا يشتركون في التمثيل ببراعة، وكان مخرج النص يقوم بتحفيظ الأدوار لهؤلاء الأميين من الفلاحين، وكانوا يحفظونها عن ظهر قلب، وبالطبع كان كل من يقوم بالإخراج هم شباب القرية الذين لهم دراية لابأس بها بفن التمثيل، وكانت (بروفات) مجمل هذه الأعمال المسرحية و”الغنائية” تتم داخل مركز الشباب لمدة شهر أو شهرين على الأكثر، وكان العرض يتم ليلا حيث يجتمع أهل القرية والقرى المجاورة لمشاهدة ما يتم عرضه من مسرحيات ومونولوجات وأغاني، وغالبا ما ينتهي عرض هذه الأعمال مع الساعات الأخيرة من الليل أو قرب طلوع الفجر لتبقى هذه الاحتفالية عالقة في أذهان المشاهدين القرويين ليبقوا في حالة انتظار وبشغف ولهفة للاحتفالية القادمة في فصل الصيف وذلك بعد موسم (جمع محصول القطن) وقبيل بدء العام الدراسي الجديد.
تلك فترة ـ حقا ـ مشحونة بالشجن والحنين والحب وروح الجماعة والمودة والإخلاص والرغبة في إنجاز شيء له أهميته في التثقيف والتنوير بالإضافة إلى التسلية وتزجية مساحات الفراغ والخواء والملل التي كانت تصيب مجتمع القرية لافتقارها لمثل هذه الأنشطة وندرة مصادر التعليم والتثقيف والتوجيه، فلم يكن عدد المدارس والجامعات وعدد المقبلين على التعليم كما هو حاصل الآن.

إذن ما ماهية المسرح القروي؟

يمكن القول بأن المسرح القروي هو ذلك المسرح أو العروض المسرحية التي تعرض على مسرح مؤقت فقير أعده الفريق المسرحي بمركز الشباب، وهو ينتمي إلى “الهواية” لا إلى “الاحتراف” وليس من بين أهدافه أي لون من الكسب المادي على الإطلاق، فغايته إشباع الهواية وإبراز المواهب التمثيلية في القرية من حيث التأليف والإخراج.
وهذا المسرح له جمهور خاص، نوعي هو جمهور من فلاحي القرية، وبطبيعة الحال لم يكن التمثيل ولا الإخراج يتبع منهجا علميا ولكنه مسرح تغلب عليه صفة العفوية والتلقائية.

ما حال هذا المسرح القروي الآن؟

في رأيي إنه كان من المنتظر أن يزدهر هذا المسرح ويصيبه التطور مع دخول الكهرباء لكل قرى مصر، وظهور التلفزيون وانتشاره وانتشار التعليم وانخفاض نسبة الأمية وتحسن الظروف الاقتصادية للفلاحين. ولكن مع الأسف الشديد بدا أن هذه العوامل التي حملت آمال التطور والازدهار لهذا المسرح هي نفسها العوامل التي أدت إلى اختفائه رويدا رويدا، حتى نكاد لا نسمع عن أي عرض مسرحي يمثل بالقرى.
بالإضافة إلى عوامل أخرى طرأت على المجتمع المصري عامة والمجتمع القروي خاصة، ويرى الباحث من خلال خبرته الذاتية أن هناك عوامل أدت إلى هذا الاختفاء لهذا اللون المسرحي.

عوامل ضعف واختفاء المسرح القروي

تتعدد عوامل ضعف واختفاء المسرح القروي وتتنوع بين عوامل خارج القرية وأخرى داخلها، وعوامل اقتصادية وأخرى اجتماعية وآخرها سياسية ويمكن إجمالها فيما يلي:
1ـ تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر بعد حرب أكتوبر 1973م، فقد ترتب على هذه السياسة الاقتصادية الجديدة انتشار طبقات من (الطفيليين) وتجار السوق السوداء وتجار المخدرات مما أثر بدوره على الهرم الاجتماعي بدرجات سلبية متفاوتة.
2ـ انصراف عدد كبير من الفلاحين عن العمل بالحقل الزراعي وإقبالهم على السفر إلى الدول العربية الشقيقة المجاورة للعمل بها، وكان هذا بمثابة هجرة عشوائية في غياب من التخطيط الحكومي.
3ـ دخول الكهرباء إلى كل قرى مصر، وصاحب ذلك انتشار أجهزة التلفزيون والفيديو فيما بعد بمنازل القرويين.
4ـ التطلع الاجتماعي لدى متعلمي القرى في مدارس المدن والجامعات إلى اتخاذ المدن سكنا ومأوى لهن.
5ـ تراجع أو وأد أحلام الطبقة الوسطى تحت وطأة الظروف الاقتصادية الجديدة.
6ـ انتشار ظاهرة التطرف الديني وظهور ما يعرف بالجماعات الإرهابية.
7ـ تكاسل المؤسسات الثقافية الرسمية وتجمدها وغياب دورها التثقيفي وخاصة قطاع الثقافة الجماهيرية.
8ـ مفاوضات (الصلح) مع العدو الصهيوني وعقد ما عرف بمعاهدة السلام معه في (كامب ديفيد).
9ـ عودة المهاجرين من العمالة المصرية من الدول العربية الشقيقة بمفاهيم ورؤى جديدة.
10ـ (مَدْنَية) القرى (اشتقاق من المدينة) مما جعل بعض هذه القرى تتحول إلى (مسخ) لا معنى له.
11ـ هجرة الأقلام الأدبية والنقدية التي كانت متحمسة للمسرح بشكل عام إلى العمل بالصحافة والمؤسسات الثقافية خارج مصر مما شكل لونا من (النفي الإرادي).

وكان من نتائج ذلك على مسرح القرية

1ـ ندرة القيادات الشبابية الدافعة للفرقة المسرحية.
2ـ المقارنة الظالمة أو المتعسفة عند القرويين بين ما يرونه من تمثيليات وأفلام تلفزيونية وما يرونه من تمثيل مسرحي على مسرحهم القروي بسبب عناصر الإبهار في التلفزيون.
3ـ افتقاد الريف المصري (البكر) و(الفطري) براءاته القديمة واللهاث وراء متابعة الأفلام الإباحية.
4ـ عدم إيمان شيوخ القرية الجدد بأهمية هذا اللون من المسرح ومقابلته بالسخرية والنظر إلى العاملين به بصفتهم عاطلين ومضيعين للوقت.
5ـ افتقاد الروح الجماعية لدى القرويين ووجود نوع من (التفسخ الاجتماعي) بينهم وتشتت أهدافهم.
6ـ تجمد أنشطة معظم مراكز الشباب وتحولها إلى أنشطة على الورق فقط (حبر علة ورق) وأخذت شكلا صوريا لا جدوى منه يودع في أدراج إدارات بيروقراطية غير مؤمنة بالعمل الثقافي.
7ـ عزوف شباب القرى عن الاشتراك في عضوية مراكز الشباب وتفضيل اللجوء إلى (الشللية) التي تجنح إلى أفكار دينية متطرفة أو جرائمية مختلفة.
8ـ افتقاد وحدة (التجانس) بين أهل القرية عامة وشبابها خاصة وذلك بعد نزوح شريحة من أهل المدن للسكن بالقرى المتاخمة لها بعد أن ضاقت بهم المدن نظرا لغلو السكن المدني.
9ـ تبني شباب القرية الجديد لقيم فكرية سلبية مثل (الأنامالية) وأنماط سلوكية بعيدة كل البعد عن جوهر القيم الريفية الجميلة التي أخذت طريقها إلى الاختفاء تدريجيا.
10ـ اعتماد القرويين على استقبال فرق “مسرح الفلاحين” التابعة للثقافة الجماهيرية والقادمة من المدن المجاورة أحيانا.

كيف يستعيد المسرح القروي عافيته وازدهاره؟

يمطن أن يستعيد المسرح القروي عافيته وازدهاره إذا توافرت له هذه الظروف:
1ـ المبادرة الجريئة المخلصة من شباب القرية المثقفين، وذلك بمخاطبة مجلس إدارة مركز الشاب ومحاولة إقناعه بضرورة التخلي عن كسله وجموده وضرورة البحث عن عمل جاد يجتمع عليه شباب القرية، ولتكن حفلة فنية مسرحية.
2ـ الإكثار من الاتصال بين الشباب المثقف القيادي والموز المؤثرة من شيوخ القرية وكبارها لإقناعهم بمدى أهمية النشاط الثقافي وأثره على التوجه الإيجابي لصبية وشباب القرية وذلك لحمايتهم من الانحراف.
3ـ عقد مسابقة بين شباب القرية في فن التمثيل لاختيار أفضل العناصر.
4ـ تفعيل كتابة مسرحيات تستوحي المشكلات الاجتماعية المحلية بالقرية بأقلام موهوبين من شباب القرية.
5ـ تفعيل تقديم عروض مسرحية بأبسط التكاليف حتى يتسنى للقائمين عليها عرضها مرات عدة وتكرار التجربة دون عوائق في الأعوام التالية.
6ـ إقناع أولياء أمور المشاركين في العروض المسرحية بأنها وسيلة فعالة لإشباع حاجات وهوايات أبنائهم وأن ذلك وسيلة تربوية كالمدرسة والجامعة.
7ـ منح كل العاملين بالعروض المسرحية جوائز رمزية كحافز لهم على الاستمرار.
8ـ تكريم شيوخ القرية وكبراء العائلات في الحفل المسرحي السنوي بصورة تليق بهم وذلك لكسب ودهم ليصيروا عونا للعاملين بمسرح القرية.
9ـ يمكن الاستعانة بهذه الفرقة المسرحية القروية أثناء العام الدراسي لتقديم عروض مسرحية تعليمية كمسرحة المقررات الدراسية لطلاب الشهادات العامة كخدمة لأبناء قريتهم.
10ـ الاتصال بمراكز الإعلام والصحافة للترويج لنشاط هذه الفرقة كحافز لها وإشباع موهبتهم بالظهور لعل نفرا من هذه الفرق يكون لهم فرص العمل التمثيلي في الفرق المسرحية الكبرى بالعاصمة يوما ما وليصير مسرح القرية مصدرا من مصادر الإمداد للعاصمة بالمواهب التمثيلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى