مقالات ودراسات

الناقد والباحث المسرحي أحمد بلخيري يكتب: النبي والفانتاستيك والاحتجاج في “مقبرة” العراقي “علي العبادي” (2ـ 3)


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

بقلم: الناقد والباحث المسرحي أحمد بلخيري

 

 

 

 

النبي والفانتاستيك في المتخيل الدرامي
*النبي
مفهوم النبي، في الأصل، مفهوم ديني، يوصف به الشخص الذي يُخبر عن الله. لكن “النبي” في النص الدرامي “مقبرة” هو دور تؤديه شخصية في لعبة مسرحية. “النبي”، في هذا المعنى الأخير، خرج عن سياقه الديني الأصلي ليحوز معنى يفيده السياق، وهو سياق سياسي غير ديني. أما الفانتاستيك، حسب “معجم السرديات”، فيتعلق “بحدث يخرق قوانين العالم”2 .
وهما موجودان معا في المشهد الأخير في النص الدرامي، الذي يتيح إمكانية فهم وتأويل النص الدرامي برمته من البداية إلى النهاية. ذلك أنه أمام العجز عن إيقاظ “الموتى”، من أجل الاحتجاج، كان اقتراح البحث عن دور نبي. وإذا كان طلب الاحتجاج مقصورا في المشهد السابق، حيث كان دور القَواد، مقصورا على الموتى، ففي المشهد الأخير، مشهد النبي، شمل طلبُ الاحتجاج الموتى والأحياءَ أيضا. إن الرغبة في مشاركة الأحياء في الاحتجاج هي من أجل الخروج من “المأزق”، حسب النص، ومن أجل التغلب على “قحط الموت”. القحط لغة “احتباس المطر ويُبس الأرض”3.
القحط في الأصل مرتبط بالأرض، لكنه هنا ارتبط بالموت. لذا، فإن كلمة “قحط”، في هذا الاستعمال، تعبير مجازي، يدعو إلى التأويل والتفسير انطلاقا من السياق الدرامي. إن قحط الموت يعني “احتباس” الموت و”يُبسها” أي عدم وجود الموت باعتبارها وسيلة للعيش بالنسبة للدفانين.
والشخصيات محركة دعوى الاحتجاج، وهم الدفانون، هي ضحية مثل الموتى. حيث كان فقدُ الاسم، وكذلك سرقته من لدن “القط”. متى كان ذلك؟ “منذ تلك السنوات التي كان فيها الدخان لغة الحياة” كما جاء في النص (الدفان الثالث). الدخان الصادر عن البارود مؤشر Indice يدل على الحرب لأن مصدره البارود. تلك هي دلالته المقصودة في النص. فقد ذُكرت كلمة الدخان في تركيب لغوي بدون كلمة البارود مرة واحدة، وذُكرت مقرونة بالبارود، عن طريق العطف، ثلاث مرات. لذا، فإن السياق اللغوي/الدرامي، أي على صعيد اللغة والأحداث الدرامية، الذي استعمل فيه مؤشر الدخان سياق حزن وليس سياق فرح؛ ذلك أن الدخان قد يكون مؤشرا على دلالة أخرى غير الحزن. هذه الحرب كانت “منذ سنوات”. أما “القط” في هذا الاستعمال فهو استعارة، وهو قط وليس قططا أي مفرد وليس جمعا. وهي، أي الشخصيات، الآن، في الزمن الدرامي، قبل مشهد النبي، بدون أحلام وبدون آمال.
وقد لعبت شخصية النبي في النص الدرامي دورا حاسما في تغيير مجرى الأحداث الدرامية. لقد دعا إلى أن يشارك الموتى الأحياءَ في الاحتجاج ضد الظلم. ورغم توجس الدفانَين (الثاني والثالث) من هدف “النبي” من دعوته تلك، وقد زاد هذا التوجس في الكشف عن تطلعاتهم الذاتية الفردية إلى حد الإفصاح عن الرغبة في الاستيلاء على ممتلكات الموتى بعد إيقاظهم، فإنهما رضخا لتوجيهات النبي في النهاية.
الوحدة المعجمية “نعمة”، التي جاءت على “لسان” النبي، غيرت الأفق الفكري للصراع الدرامي. إن تعبير التخلص من “قحط الموت” يفيد الرغبة في الموت، أي موت الآخرين من أجل الكسب والحياة بالنسبة للدفانين باعتبار الدفن وسيلة للرزق. هنا يتجلى الحل الفردي. أما تعبير”نعمة قحط الموت” فيفيد الرغبة في توقف الموت من أجل الحياة. الموت الذي يكون سببا فيه الظالم لأن هناك مظلومية، وفي كل مظلومية لا بد من ظالم ومظلوم. لهذا السبب وردت على “لسان” النبي كلمة “مظلوميتكم” التي تنطوي في حد ذاتها على هذه الثنائية الأخيرة. وبهذا يكون النبي قد غير مسار الأحداث الدرامية في النص، وأعطى للصراع الدرامي مضمونا آخر، حيث كان الانتقال من صراع من أجل القوت إلى صراع ضد الظلم.
من أجل تنفيذ هذه التوجيهات تم إيقاظ الموتى. وقد أبان الحوار الدرامي، وهو حوار أحادي حيث كان الدفانان يخاطبان الموتى دون رد من هؤلاء، فضلا عن الذاكرة ذاكرة الدفانَين، أبان عن أن أجساد أولئك الموتى كان منها ما كان “قطعة من الفحم”، أو ألقي به في القمامة وعليه آثار التعذيب، أو كان جسدا بلا لسان… أي أن الموت لم يكن طبيعيا. والفعل المبني للمجهول، ألقي، يدل على وجود طرف هو الفاعل، أي كان سببا في الموت غير الطبيعي.
توجيهات النبي وتأطيره للمحتجين، أمواتا وأحياء، تقف خلفهما رؤية فكرية تنزع إلى السلم، ولكنها ترفض الظلم. يتجلى ذلك في تحديده سبب الاحتجاج. لقد دعا الموتى إلى الاحتجاج “على الموت الذي غيبهم في أزمنة البارود والدخان المتقاربة والمتباعدة”. وقد تكرر هذا التعبير في ثنايا الحوار الدرامي ثلاث مرات، مع اختلاف طفيف يتعلق ب الضمير المتصل الموجود في فعل غيب. فمرة تم استعمال الضمير المتصل في صيغة جمع المذكر المخاطَب، ومرتان استعمل في صيغة جمع المذكر الغائب، وذلك تبعا لاختلاف المخاطَب (الدفانون-الموتى). كما أنه حدد مكان الاحتجاج وهو المقبرة نفسها. تحديد مكان الاحتجاج غير منفصل عن تلك الرؤية الفكرية، إذ” لا يوجد مكان يتسع لجحيم أحلامكم سوى هذا المكان” (النبي). أما طريقة الاحتجاج فهي التظاهر مع حمل اللافتات. لكنها لافتات فارغة أي لا كتابة فيها. ثم إنها بيضاء. لماذا الفراغ والبياض؟ لأنها
“العتبة الأولى لقلوبكم، ولتشهد على مظلوميتكم” (النبي).
الفراغ والبياض إذن عتبة أولى للقلب، وكذلك للشهادة على المظلومية. هما عتبة للقلب أي لإصلاح الذات. وهما أيضا شهادة على المظلومية. والظلم، الذي هم ضحيته حسب مدلول كلمة مظلومية، ليس مصدره الذات بل طرف آخر غير الذات. وإذا كان الدفان الثالث قد قال إن الموتى “فيهم الطيب والخبيث”، فإن النبي، وانسجاما مع رؤيته الفكرية، قد خاطبهم بقوله “أيها الأنقياء الطيبون”.
كل هذا يدل على الدور الفكري والتأطيري للنبي. لقد حدد مضمونَ الصراع، ووسيلةَ الاحتجاج على الظلم، ودعا إلى أيقاظ الموتى من أجل المشاركة في الاحتجاج والتظاهر. لذا، كانت نهايته الموت رميا بالرصاص. الجهة التي قتلت النبي ليست موجودة في ملفوظات النص الدرامي. غير أن سلوكها هذا، الذي يبدو مباغتا، يوحي بأنها كانت تراقب وتتابع عن كثب ما يجري داخل المقبرة من خلف “الستار”. وهي لم تقتل القَواد، ولكنها قتلت النبي. كما أنها واجهت الاحتجاج السلمي الأبيض بالرصاص.
*الفانتاستيك
الفانتاستيك أو الفانتاستيكي Fantastique هو “جنس خِطابي يتولد من التردد الذي يحصل للقارئ و/أو الشخصية عندما يفاجأ بحدث يخرق قوانين العالم كأن يظهر الشيطان أو الجان أو مصاص الدماء فجأة…”4. يندرج الفانتاستيك، إذن، في إطار الغريب والعجيب. وفي النص الدرامي “مقبرة”، إذا كانت أجساد الموتى لا ترد مباشرة في الحوار الدرامي على المخاطِبَين الحيين، فإنها تتكلم في المتخيل الدرامي. فقد خاطبها الدفان الثالث قائلا:”اسمعوا …اسمعوا…ما هذا اللغط والأحاديث الجانبية، أنسيتم أنتم في حضرة نبي…رجاء الزموا الصمت واستمعوا لما يقوله النبي”.
موتى تم إيقاظهم، وهم يتكلمون. لكن كلامهم، وهو بأصوات مرتفعة، مبهم غير مُبين. فاللغط هو “الأصوات المبهمة المختلطة والجلبة لا تُفهم”5. ويشاركون مع الأحياء في الاحتجاج السلمي تنديدا بالظلم. الإيقاظ، وليس الاستيقاظ، أو الإيقاظ الذي أعقبه استيقاظ، واللغط، والمشاركة، وهي كلها تتعلق بالموتى، لا يمكن أن يحدث كل ذلك في الواقع. هناك إذن “خرق لقوانين العالم”؛ لكنه حدث في المتخيل الدرامي/المسرحي لأن المنبع الفني للفانتاستيك هو الخيال والتخييل وليس الواقع . هذا هو مظهر الفانتاستيك في النص الدرامي “مقبرة”. وقد تم توظيفه في تلاحم بنيوي يخص النسيج الدرامي. ثم إن الموتى الذين استيقظوا بعد إيقاظهم وشاركوا في المظاهرة، وتجاذبوا أطراف الحديث فيما بينهم، لا يمكن أن يكونوا موتى في الحقيقة والوقع. هنا تم استعمال “الموتى” بالمعنى المجازي. وقد سبقت الإشارة إلى المعنى المزدوج لكلمة “الموتى” سابقا.
المقارنة بين شخصيتي القَواد والنبي
*القواد
هناك اختلاف جلي بين شخصيتي القَواد والنبي في “مقبرة” على مستويات الصفة، والوظيفة، والرؤية الفكرية. فعلى مستوى الصفة، إن صفة قَواد من القِوادة وليس من القيادة؛ وهي في هذا الاستعمال تدل على المفرد. أما القُواد فهي جمع لكلمة قائد؛ وهما معا، أي القُواد والقائد، من القيادة. تشترك الكلمتان في التركيب الصوتي وتختلفان نطقا وشكلا. وفي النص كانت شخصية “القَواد”. وهو”الساعي بين الرجل والمرأة للفجور”6، وهذه هي الوظيفة التي يحيل عليها النص من أجل الكسب المادي. ولما كان الأمر كذلك، فقد رفض الدفنان، الأول والثاني، القيام بهذا الدور لعذرين مختلفين، ولكنهما يلتقيان في العمق. فقد رفض الدفان الأول الدور قائلا: “أنا أنحدر من عائلة معروفة، وذلك سوف يجلب العار لي ولعائلتي التي طالما وعدتها بأن أكون بارا بها”. ورفضها الثاني قائلا:”ماذا سأقول إلى كل هؤلاء (يشير إلى الموتى) بعد كل هذا النضال مع الأرض؟”. وهناك مظهر آخر يدل على الامتعاض من هذا الدور. يتجلى هذا في بتر كلمة قواد حينما قال الثالث “أنا قوا…”. كانت وظيفة القواد، التي فشل فيها، هي حل المشكل وتجاوز المأزق.
وعلى المستوى الفكري، كانت غاية القَواد هي ادخار الكثير من المال. وبعبارة أخرى، كانت الغاية عنده ذاتية مصلحية تخص الدفانين فقط، وهي مصلحة مادية. هذه الرؤية الفكرية الضيقة عبرت عن رفضها في النص السخريةُ، سخرية الدفانَين من القواد لأنه “فاشل”، وهذا حكمهما، ولأنه حتى الموتى عصوا “أوامره”. أمام هذا “المأزق”، كما ورد في النص، كان اقتراح شخصية النبي. وهو اقتراح كان بعد يأس من الاقتراح في حد ذاته، حيث كان “اقتراح اللااقتراح”.
*النبي
كلمة النبي كلمة دينية، وهي صفة للموصوف بها عموما. وفي النص الدرامي/المسرحي، اضطلع بهذا الدور الدفان الأول. لذا، كانت في هذا المشهد الأخير عبارات في الحوار الدرامي/المسرحي ذات حمولة دينية: “تضرعوا إلى الرب”، و”ألطف بنا يالله”. وظيفة النبي هنا هي البحث عن حل بعد المأزق الذي وجدت فيه الشخصيات الثلاث ذواتها. هذا الحل، خلافا لمشهد القَواد، استجاب له الموتى. وتم إعطاء مضمون آخر جديد للصراع الدرامي، حيث لم يعد الصراع صراعا من أجل المال، بل من أجل الاحتجاج على الظلم؛ وليس من أجل مصلحة فردية، بل من أجل مصلحة يمكن وصفها بالعامة. ويبدو أنه كان في طريق النجاح ، وليس الفشل، خلافا للقواد.
يتبع الجزء الثالث


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock