مقالات ودراسات

الناقد والباحث د. محي عبد الحي يكتب: استلهام وتوظيف التراث فى المسرح الإفريقى ” الموت وفارس الملك نموذجًا ” قراءة أنثروبولوجية


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

 

 

استلهام وتوظيف التراث فى المسرح الإفريقى

 

” الموت وفارس الملك نموذجًا “

قراءة أنثروبولوجية

 

دكتور/ محيى عبد الحي *

*ناقد وباحث أنثربولوجي مصري

 

غلاف النص الأصلي

غلاف النص مترجما  مع نصين آخرين للكاتب

 

يُعد التراث جزءًا لا يتجزأ من ثقافات الشعوب على اختلاف هوياتها وأجناسها, فهو المُعبر عن ماضيها وحاضرها، ومن خلاله تتحدد صورة مستقبلها؛ إذ إنه يحدد الهوية التى تميز أمة عن أمة وشعبًا عن شعب وجماعة عن جماعة، وهو ذلك الوعاء الذى تستودعه الأمم ممارساتها وطقوسها وشعائرها، وكل مقومات وجودها وبقائها ونهضتها الحضارية.

 

ويلجأ العديد من الكُتاب والمُبدعين لاستلهام التراث – بمختلف عناصره –  فى مختلف فروع الإبداع الإنسانى والإبداع المسرحى على وجه الخصوص , ذلك الاستلهام الذى يمثّل ضرورة فنية وفكرية لمعظم الكُتاب، من أجل التعبير عن قضايا وهموم وطموحات وآمال الشعوب, وخصوصًا فى تلك الفترات أو الحقب الزمنية التى يتعذر فيها التعبير الصريح والتناول المباشر للقضايا والأحداث الراهنة وقتذاك.

 

وعلى ذلك سوف أتناول النص المسرحى “مسرحية الموت وفارس الملك” للكاتب النيجيرى وول سوينكا Wole Soyinka ( [1] )، بوصفه شكلاً من الأشكال ما قبل المسرحية، والوقوف عند أبرز مرجعياته الأنثروبولوجية عبر تقصّى العلاقة بين المسرح بوصفه ظاهرة اجتماعية، ومعطيات التحليل الأنثروبولوجى لتطور الظواهر الاجتماعية ومن بينها الظواهر الثقافية والفنية التى يُعد المسرح واحدًا منها، وذلك من خلال  رصد  اشتغالات الكاتب على آليات توظيف التراث، وانطلاقًا من حالات الوعى الفكرى والجمالى والبحث عن هوية أفريقية للمسرح تستمد مقوماتها من التراث القبلى، وعدم الاتكاء على المضـاميـن والأشكال الجـاهزة.

فى مطلع الستينيات دعا سونيكا إلى تناول المشكلات الناجمة من اضطراب الأوضاع السياسية بعد الاستقلال، والتى تنتقد الأوضاع السائدة فى المستعمرات الإنجليزية القديمة، وتنبه إلى خطر المبشرين الأوربيين، الذين عملوا على قمع الذات النيجيرية، فقام بمحاولة لمحو فكرة الهوية والسخرية منها، وبعض القضايا الأخرى كازدواجية الوعى واللهجة، ومحاولة القضاء على المستعمر، فكتب مسرحيات عدة منها مسرحية “الموت وفارس الملك” ( [2] ) “Death and the King’s Horseman”  .

 

وتُعد هذه المسرحية إحدى أشهر مسرحيات الكاتب النيجيرى الشهير وول سوينكا، وقد صدرت عام 1975عن دار نشر: إير ميتيو  Eyre Methuen بلندن، وتمت ترجمتها للغة العربية، ونشرت ضمن سلسلة المسرح العالمى الصادرة عن وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد 218 لعام 1987م.

 

وتدور أحداثها حول “اليسين” الذى كان يعمل كبيرًا لفرسان الملك وأقرب أصدقائه، وكان الملك قد مات منذ ثلاثين يومًا، وأنه لابد فى اليوم الثلاثين يتم الدفن طبقًا لعقيدة اليوروبا، وهى عقيدة قبلية، تقتضى بعد موت الملك بأن يُقتل كلبه وجواده، وأن ينتحر أحد الرؤساء ليرافقوه جميعًا فى رحلته نحو العالم الآخر ـــــ عالم الأجداد ـــ وباتمام هذه الشعائر يضمنون سلام الدنيا والآخرة وسلام الأبناء والأحفاد والأجيال القادمة.

 

وتبدأ طقوس انتحار”اليسين” بموكب فى ممر أمام السوق وخلفه ( الطبالون والمداحون)، فيرقص ويغنى فرحًا بالحياة فرحة غامرة ، ورغم إعلانه أنه سوف يؤدى واجبه فى الوقت المحدد، إلا أن ” المداح ” يشير إلى ضعفه وشهوته للمأكل والمشرب والنساء، وذلك يثير خوف الجميع، ويلقى بالشك حول امكانية تنفيذه الانتحار ، خاصة بعد لقائه فتاة جميلة فى السوق وتقدمه للزواج منها قبل رحيلة مباشرة، وتوافق “ايالوجا” أم السوق على تزويجه من الفتاة التى كانت مخطوبة لابنها وتقول: “إن صرخات الراحلين لها الأهمية الأولى على مطالب الأقربين”.

 

وفى منظر آخر نرى منزل ظابط المنطقة الإنجلبزى “سيمون بيلكنجز” وزوجته” جين”؛ حيث يرتديان ملابس تنكرية غريبة من أجل الذهاب إلى حفلة رقص تنكرية، سوف يحضرها الأمير ويوزع فيها الجوائز، وفى هذه اللحظة يأتى “اموزا” سيرجنت البوليس الأفريقى، الذى يعمل بقوة الأمن التابعة للمحتل، ويندهش لرؤيته “بيلكنجز” وزوجته اللذان يرتديان ملابس لطائفة أفريقية ميتة ، ويعتبر ذلك إساءة إلى المقدسات، ولا يكاد ينظر لهما لأنه لايستطيع أن يتكلم ضد الموت مع أناس فى ملابس الموتى ، ثم يطلب “بيلكنجز” من “اموزا” أن يكتب تقريره ثم يرحل ، ويقرأ “سيمون بيلكنجز” ما كتبه “اموزا” ، فيرتبك بعدما سمع أن هناك جريمة انتحار شعائرية على وشك أن تحدث، ويدهش “سيمون بيلكنجز” لذلك، فقد ظن أنه قضى على هذة العادة البربرية فكيف لها أن تعود فى هذه الليلة، وهو المسئول عن الأمن، والأمير موجود بمقر المندوب السامى فى زيارة مفاجئة للمستعمرة ، وحفلة الرقص التى يستعدان لها لاتكرر مرة أخرى كل عام ، فيصدر أمرًا بالقبض على “اليسين”، ثم يذهب هو وزوجته إلى الحفلة، ويفتتح الأمير الرقص بنفسه وينضم لها “بيلكنجز” وزوجته، ويبدى الأمير إعجابه بملابسها وبطريقتها فى الرقص، وفجأة تأتى رسالة تخبره بوقوع أحداث طارئة فيخرج لمواجهتها وتبقى زوجته فى انتظار عودته.

 

وفجأة يظهر “أولندى” الابن الأكبر لـ”اليسين” وهو شاب قد التقى قبل ذلك بالسيدة “جين ” زوجة “سيمون بيلكنجز” التى تفرح برؤيته، فقد كان منذ فترة مصممًا على دراسة الطب وحاول أبوه ابقاءه ليواصل عادات آبائه وأجداده القبلية ، إلا أن “بيلكنجز” ساعده وهربه رغم عدم رضاء أبيه إلى إنجلترا لكى يلتحق بدراسة الطب هناك، وبسبب هذا الموقف قام بنوع من الخصومة بين “اليسين وبيلكنجز”، وحين تعرب عن دهشتها لظهوره في هذه اللحظة ، يخبرها أنه جاء لكى يدفن أبيه، وتصدم حين تجده يتكلم عن موت أبيه ببرود، كجراح يتكلم عن جثة شخص لا يعرفة، فيشرح لها الأمر قائلاً إنه يعتبر أباه ميتًاً منذ ثلاثين يومًا، فقد اخبرت الرسالة أن الملك قد مات، ومعنى هذا أن أباه لابد أن ينتحر فى اليوم الثلاثين ، وباعتباره الأبن الأكبر فعليه أن يحضر ليقوم بترتيبات الدفن وإقامة الشعائر والطقوس، فأبوه قد مات فى فكره من تلك اللحظة وأصبح محرمًا عليه أن يراه وهو حى.

 

ويعود “بيلكنجز” ليصدم أيضًا من رؤية “أولندى”، وبعد قليل يكتشف “أولندى” أن الظابط  قد منع أباه من الانتحار وقبض عليه، وجاء به لكى يسجنه فى زنزانه بالمقر، وهذا عار كبير سوف يصيبهم بالكوارث، ونجد “اليسين” راكعًا أمام ابنه طالبًا الغفران، ولكن أولندى لا يقبل العذر ويرى أن أباه قد ضعف وتخاذل عن تنفيذ وعده، فيقول: ” ليس لى أب” ويهرع نحو القبيلة لينتحر هو، وبهذا ينقذ شرف الأحياء والأموات، ثم تحمل النساء جسده ويذهبن به إلى مقر المندوب، ويطلبن مقابلة “اليسين” لتبليغه رسالة، وحين يسمح لهن تعلن “أيالوجا” التى تقود جماعة النساء أنها جاءت بمهمة، وهى الرسالة التى تحملها النساء على أكتافهن لتوصيل كلمة إلى “اليسين”، فإذا هو جسد “أولندى”ملفوفًا فى حصيرة، وحين يكشف عن الجسد، تقول “أيالوجا” : “لقد آبى الابن ألا أن يكون هو الأب لينقذ شرف الجميع”.

ونرى “اليسين” يقوم بحركة مفاجئة عنيفة، حيث يلف سلسلة حول عنقه ويخنق نفسه قبل أن يستطيع العساكر منعه، وتنتهى المسرحية على دعوة “أيالوجا” للجميع بالنسيان لعالم الأحياء والأموات، والنظر للأجيال القادمة.

 

إن القضية التى طرحها وول سونيكا فى مسرحيته “الموت وفارس الملك”، والذى كان يعانى من آثار الاستعمار ومواجهته من خلال قبيلة اليوروبا الأفريقية، محاولاً الدفاع عن ثقافة أفريقيا وعقائدها ضد الغرب وسياسته، إلا أن الصراع  فى مواجهة العنصر الاستعمارى فى هذه المسرحية حدث عارض وعامل مساعد، لأن الصراع الأساسى نراه يتجلى فى المواجهة  الميتافيزيقية المرتبطة بعالم العقل والشعور فى قبيلة اليوروبا الأفريقية، وهذا الصراع هو ما جعل المسرحية ذات نسيج درامى مُحكم، ومع أن حبكة المسرحية كلها تدور حول نزاع المستعمِر والمستعمَر، إلا أن سونيكا هدف إلى كشف حياة اليوروبا القبلية والعقائدية، حيث الطقوس المتعلقة بالحى والميت، وتلك المتعلقة بالزواج وبالرجل والمرأة، وكشف الممارسات الطقسية للمستعمر ولقبيلة اليوروبا.

 

فنرى كيف تجلى الطقس الأفريقى القبلى ضمن فضاء مفتوح، دون حراس (مداح ، أغانى، طبول، نسوة ، عروس عذراء ..) إنهم أبناء الطبيعة الروحيين يمارسون طقوسهم منها وإليها، ولا يحتاجون إلى حفلة تقتضى التنكر بالملابس، مما يبين رؤيتهم التى تقتضى الاهتمام بالأجيال القادمة، ويتضح ذلك فى قول إيالوجا نهاية المسرحية:  “والآن فلننس الأموات ولننس حتى الأحياء ولنوجه جل اهتمامنا نحو الذين لم يولدوا بعد”

 

وذلك يُدلل على أن الموت لشعب اليوروبا لا يمكن أن يكون نهاية للكون عندهم، ويتضح ذلك كثيرًا خلال الحوار الطقسى الذى يدور بين نساء القبيلة و”إيليسن والمداح”، على عكس الطقس البريطانى، فإنه يتم ضمن فضاء مغلق ” فى دار المقيم” محاطًا بالحراس ورجال الأمن لحمايتهم، والحفلة التنكرية ما هى إلا دليل على أنهم شعب غريب على طبيعة المكان ، وما يقومون به من ممارسات طقسية لا روح فيها، ولكنه من أجل إثبات الذات.

 

ويتضح ذلك فى قول ” جين” زوجة “سيمون بيلكنجز ” الضابط البريطانى: “إن ما يقوم به أهلك هو مجرد عادة بربرية؛ بل إنها أسوأ من ذلك، إنها عادة إقطاعية”.

بينما تصف طقوسهم البريطانية بأنها: “معالجة روحية على الطريقة البريطانية “.

فى حين نجد “أولندى  ابن “إيليسن” يقول لـ “جين” : “إن هناك ثمة خطأ آخر يقع فيه شعبكم  فأنتم تعتقدون أن كل شىء له معنى أو مغزى نتعلمه منكم”.

ونلاحظ أن هناك تناقضًاً نراه فى شخصية “بيلكنجز” (المستعمِر)، فعند وصول خبر محاولة انتحار إيليسن، يحاول منعه ظنًا منه بأنه يدافع عن حقوق الإنسان، وصاحب الحق فى تمييز الخطأ من الصواب، لكنه فى الوقت نفسه يقتل الآلاف من الأرواح الإنسانية من عرقه ، ومن أعراق أخرى ويسجن الكثيرين من أجل تحقيق مطامع توسعية فى أفريقيا.

 

ونجد ذلك أيضًا فى معظم الحوار بين “جين وأولندى” حول هذا التناقض ونلحظ ذلك فى هذا الحوار :

جين: “يعيشون على طريق الانتحار المقدس؟”

أولندى: “وهل ذلك أسوأ من الانتحار الجماعى يا سيدة بلكنجز، وماذا تسمين ما يقوم به هؤلاء الشباب الذين يرسلهم قادة جيوشهم إلى الحرب، وطبعًا لقد أتقنتم أيضًا فن تسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية”.

 

كذلك نلحظ  تناقضًا بين خطاب نساء القبيلة، وخطاب “جين” حيث يأتى خطاب نساء القبيلة عفوى، ولكنه ينُم عن وعى ويُعبر فى الوقت نفسه عن آراء أهل اليوروبا.

 

ويدلل ذلك على الاختلاف الفكرى من خلال الاتهامات المنطقية التى يتهمها أولندى لسياسة الاستعمار البريطانى، والتبريرات التى تظهر من قبل جين المدافعة بل المتحدثة باسم ذلك النظام الاستعمارى، وجدير بالذكر أن ننوه إلى الأهمية الدرامية و الفكرية لـشخصية ” أولندى” فى النص المسرحى، وفى الواقع، فـهو يُعد مزيج للثقافتين: الأفريقية/ الغربية، الروحانية/ العقلانية ، وقد استطاع سونيكا أن يكشف الفرق بين الثقافتين، وصور الصدامات العقائدية التى واجهت كلاً من الطرفين، ودعا بطريقة درامية من خلال شخصية أولندى إلى المزج بين الأصالة الروحية العرقية، والثقافة البريطانية العقلانية، وهذا مايجعلنا ندرك أن عقلانية سونيكا نراها فى أولندى، لأن سونيكا أيضًا مزيج للثقافة البريطانية والأفريقية، ومن ثم تتجلى أهمية وجود أولندى فى المسرحية، وسونيكا فى الحياة الواقعية، وهذا ما تحاول الأنثروبولوجيا الكشف عنه للأشكال ماقبل المسرحية.

وعلى ذلك نجد أن استلهام التراث وتوظيفه عند سونيكا ارتبط ببث القيم الثقافية عن طريق الخطاب المسرحى، وبرزت لديه ثنائية الأصالة والمعاصرة، التى فرضت عليه التعامل مع التراث كمواقف وحركة مستمرة من شأنها أن ترسخ القيم الإنسانية الإيجابية والقومية، وأن عملية استلهام التراث انطلقت من العودة للأصول، وإعادة الاعتبار إلى الموروث الثقافى من خلال إعادة قراءة تراث نيجيريا القبلى.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

[1] ) وول سوينكا، كاتب نيجيرى ، ولد عام 1934 بأبيوكوتا، درس فى المدارس النيجيرية وجامعة إيبادان قبل الذهاب إلى ليدز، بعد الجامعة عمل قارئ مسرحيات فى مسرح رويال كورت  بلندن ، بعد عودته إلى نيجيريا عام  1960 قاد محاولات لتطوير المسرح النيجيرى بينما كان يدرس ويقوم بأبحاث في جامعات إيفى، وإيبادان حتى أودع السجن بعد اندلاع الحرب الأهلية النيجيرية، وقد وصف تجاربه هذه فى “مات الرجل”، عرضت مسرحياته فى أفريقيا، وأوروبا،وأمريكا، ومنها “الطريق” و”الأسد والجوهرة”، إلى جانب مسرحياته، نشر أربع مجموعات شعرية، روايته الثانية صدرت عام 1973، حصل على  جائزة نوبل للأدب عام  1986، يعده البعض أفضل كاتب مسرحي فى أفريقيا قاطبة، ألقى ِالقبض عليه لتزعمه مظاهرة احتجاج شعبية ضد حكومة الرئيس أوباسينجو؛ لفشلها فى مكافحة الفساد والجرائم، ومطالبته بدستور جديد للدولة إلا أنه أفرج عنه.

 

[2])  وول سوينكا، الموت وفارس المُلك، السلالة القوية، عابدات باخوس ، ترجمة : نسيم مجلى، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة،  المركز ِالقومى للترجمة ، 2004.

المصدر الورقي لمجلة أدب ونقد عدد مايو 2019


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock