مقالات ودراسات

الهيمنة ودور التكنولوجيا في انهيار المجتمع (مسرحية خوف سائل انموذجا )

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

 

كرار فياض

 

لن يخلو مختبر الوجود من تركيبة الحزن الذي كان أحد مسباباته الخوف وهو يأخذ شكلا سائلا ليمتزج بالواقع وتصبح المعادلة في حيز كبير من الألم، هكذا انصهرت الحقيقة في بوتقة الضياع وتركت الخوف يمتد ويتوغل في أنسجة الحياة ويتطور بطرق مختلفة،
هذا ما أشارت إليه مسرحية (خوف سائل) وهي تتحدث عن حالة مرضية مزمنة أصابت المجتمع وهيمنت على سلوك أفراده؛ نتيجة ما عاناه من ويلات واستبداد وحروب قبل وبعد سقوط الطاغية، ويمكن رؤيتها في بيئة العرض التي بينت ملامح الحزن المؤبد بزي الشخصيات المتشح بالسواد من بداية العرض وقبل محاولة فتح الأبواب ودخول الشخصية المتسلطة التي قام بأدائها الممثل الرائع (أحمد المختار) إلى نهاية العرض كسلسلة متواصلة للمراحل الزمنية التي مرت على المجتمع العراقي،
ولكن الكاتب (حيدر جمعة) ركز على مرحلة ما بعد سقوط الطاغية واتخذ منها بوصلة لموضوع النص ويمكن بيان ذلك من خلال وفاة الجد الذي مَثلَ انتهاء مرحلة والدخول إلى مرحلة أخرى، سمحت بالانتقال من الانغلاق إلى الانفتاح الخالي من أي رقابة وصولا إلى ما هيمنت عليه السوشل ميديا اليوم، ومديات تأثيرها السلبية وتسربها الى ادق تفاصيل حياتنا اليومية بعد مرور اكثر من 20 عاما.
هذا ما بينه العرض في موضوع فضيحة الأم وعملية الابتزاز التي ألحقت بالأب من قبل الشخصية المتسلطة بالصوت الخارجي هي دلالة على التغيير في السلوك الاجتماعي وكيفية توجيهه إلى الثقافة الاستهلاكية، كون هذا الانفتاح غير من طبيعة العادات والتقاليد الاجتماعية خصوصا والداتاشو لم تعرض فضيحة بمعنى الفضيحة الأخلاقية بقدر ما وضحت كيف تسللت السوشل ميديا إلى البيوت دون استئذان وأثرت على الثقافة العامة للمجتمع، هذا التشخيص لا يمكن أن يمر مرور الكرام حتى وإن تطرقت له بعض الأعمال الفنية بطريقة مختلفة وبفترة سابقة،
الإشارة كانت واضحة ودلالتها تتمحور في القيمة الرئيسية للعرض خوف الجميع من فتح الأبواب على مصراعيها أمام السيل الكبير من الانفتاح الذي أثر على بنية النسيج الاجتماعي من الناحية الأخلاقية والنفسية،
وهو يدخل ويقود بيده شكلا جديدا من النظام الذي تمثلت سلطته بالإسلام السياسي وبعلامة رمزية واضحة تؤكدها أحداث العرض اثناء الدخول الاول للشخصية المتسلطة وهو ينظر الى العائلة، حيث كانت حركات وضوئه كافية بالاشارة الى شكل النظام الجديد ويسترسل العرض مؤكدا ذلك من خلال صراع شخصية الاب الذي اداها الفنان الرائع (يحيى ابراهيم) مع شخصية الام التي برعت في أدائها الممثلة (رضاب احمد) وهم يتهمون بعضهم البعض بأقاربهم وما اقترفوه من قتل وحرق بيوت، انعكاسا للنظام الجديد على الواقع الاجتماعي وتلميح واضح الى الحرب الطائفية
وعلى الرغم من محاولات المقاومة من قبل الاب ومن بعده العائلة بجعل الابواب مسدودة ولكنهم لم ينجحوا واستمروا بنقل جثث ذويهم من مكان الى مكان اخر ليقوموا بدفنها تعبير عن حالة الواقع المأساوي الذي عاشه المجتمع من موت وسفك دماء، وايضا لم تكن رنة الهاتف المحمول النوكيا القديم الذي تجيب عليه الام لمعرفة ما جرى لابنتها كونها مختطفة او هاربة من المنزل الا عملية ولادة جديدة تسمح بازاحة حواجز العادات والتقاليد عن طريق التواصل الاجتماعي الجديد بشكله الافتراضي، وقد يكون الهروب من المنزل هو الهروب الى هذا العالم
حيث لم تنجح سلسلة الحديد الطويلة التي قيدت بها الام ابنتها وهي تحاول المحافظة عليها من الذوبان في الانفتاح الذي فرضته المرحلة الجديدة، بينما الرنة الثانية للهاتف المحمول الآيفون والذي يجيب عليه الاخ الاعمى يفاجئ الجمهور في دلالته بأن هذا الواقع الجديد لا يعرف الحدود امام اختلاف الفئات العمرية لانه اذابَ عالم الام مع عالم ابنتها، كون هذا الاتصال ابتزازا لفضيحة الام ومن الجدير بالذكر ان العمل يبدأ بـ(ونين) الممثل الجميل (بهاء خيون) الذي ادى دور الابن الاعمى واجاد هذه الشخصية بطريقة مذهلة
حيث كان لهذا الانين نغم جنائزي يعبر عن الحيرة والخوف والقلق وتعبير حياتي عن المآتم التي نفارق بها اقاربنا واصدقائنا، اجد في هذه الشخصية تاثير وامتداد من نوع اخر لاذرع الهيمنة ساهمت في جعل جيل معين معدوم الرؤية يمكن ملاحظة التأثير السلبي عليه في المرحلة المقصودة وما يعانيه الشباب من ازمة الوعي والتخلف والتوجيه المقصود للثقافة الاستهلاكية، فكانت هذه الشخصية لها تاثير خاص في ايقاع العمل خصوصا في وحدة صراعها مع الشخصية الاخرى الاخ البصير والذي أداها الممثل الرائع (هشام جواد)
حيث يسحبني هذا الصراع لأختلاف الآراء بين شخص مبصر يمثل جيلا واعيا في المرحلة وهو عاجز رغم جميع محاولاته والتي يمكن ان نلاحظها في جمع سلسة الحديد التي رماها خارج البيت من إحدى البيبان التي فتحت عمدا، وشخص آخر ضريرا يمثل جيلا عاجزا وغير واع والعامل المعادل بين الجيلين هو الخوف، وعلى الرغم من خوف شخصية الضرير لكنها لا تستطيع كبت خوفها فتحاول أن تبوح به وتحاول العائلة إسكاتها خوفا عليها ولكنهم لم يستطيعوا، انعكاسا لجيل قد يكون فوضوي وغير منظم ولكنه يمتلك القدرة على البوح وهذا ما شهدناه من حالة رفض لهذا الجيل في مواقفه من السلطة أثناء الاحتجاجات،
ولم يكن موت هذه الشخصية من جراء الصوت الخفي الذي يمثل الهيمنة وهو يأمرها بالصمت إلا دليلا على اغتيالها وحتى عندما حاول الأب معرفة ماذا تريد قبل انتهاء العرض أجابت “أريد المنزل وزوجتك” هو الخراب الكلي لجميع القيم الإنسانية، وحاول الأب اللجوء إلى الشرطة ولكن الشخصية المهيمنة أجابت ضاحكة “المدينة تحت سلطتي” حيث لاحظ الجمهور في لحظات معينة تتحدث هذه الشخصية بصوتها الخارجي أكثر من لغة، هي إشارة إلى هيمنة العولمة المتوحشة والتبعية إلى النظام السائد وينهي المخرج (صميم حسب الله) المسرحية بطرق الأبواب وبطريقة واقعية أكثر من كونها رمزية كدلالة ينبه بها الجمهور للحذر من خطورة الاختراق المقصود. كان لمفهوم الأسرة ومحاولة المحافظة على أواصرها وشكل بنيتها من الخطر الخارجي فرضية تقع في حيز التنظير الفلسفي والاجتماعي،
ويمكن أن يحيلنا عنوان العرض إلى كتاب عالم الاجتماع البولندي (زيجمونت باومان) الذي يحمل عنوان الثقافة السائلة والذي يبدأ بمقدمة قصيرة للمترجم؛ يشير فيها بشكل سريع إلى التحولات المهمة خلال العقود التي شهدت ظهور العولمة، والتي أدت إلى التمركز حول السوق والنزعة الاستهلاكية وفلسفة الفردانية. إن العمل يحمل في مفاهيمه الجمالية والفكرية والفنية قيمة كبيرة وحسا واعيا لتسليط الضوء على قضية إنسانية تخص الفرد العراقي وما يعانيه من إشكالية مزمنة تتعلق بالخوف،
هذا الهاجس الذي لا يفارق أي أحد منا ويتناقل عبر الأجيال والمراحل الزمنية المختلفة بإيقاع مستمر وبلا هوادة لذلك هو سائل بفعله يملأ حيز وجودنا، وهو الجدار الذي لا يمكن كسره مهما بلغت بنا مراحل الوعي نتيجة الظروف القاهرة التي نمر بها، خوف يملأ رئة المكان ويجثو على صدر الحقيقة ويلوث حياتنا بالحزن المؤبد،
كانت لغة الإخراج واضحة وبطريقة تمزج الواقعية بالرمزية اعتمدت على مكان العرض (منتدى المسرح) بشكل كبير كبيئة تترجم رسالة العمل وما يدهشني بهذه اللغة البالغة العمق قربها من المتلقي لتوضيح الفكرة بأدق تفاصيلها لتترجم حياة الإنسان العراقي وبشكل واقعي بيتا وعائلة ترمز إلى مجتمع ووطن، والأثر البالغ في هذا العرض أيضا للمؤثرات الصوتية والسينوغرافيا الرائعة علما لم نلاحظ وجود موسيقى في العرض المسرحي، أنها تركيبة في مختبر التجربة الاحترافية تمتاز بالتكامل الإبداعي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى