مقالات ودراسات

حصريا.. د. مؤيد جمزة يكتب لـ “المسرح نيوز” : “هل تخدم مسابقات النصوص والمهرجانات المسرحية النص الدرامي؟”

د.مؤيد حمزة*

دكتور في الفنون المسرحية

ـ

إشكالية الأدب والدراما ( النص الأدبي) و(النص الدرامي ) إشكالية ليست بالجديدة، بل وكانت كثيراً ما تؤرق المسرحيين في كل عصر مسرحي، في ذلك يقول مايرهولد: ” هناك تياران: أدبي ومسرحي لم يتصالحا ببساطة، فقد تصارعا باستمرار. انتصار المسرحي على الأدبي كان دائماً يحرر المسرح من أجل وظيفته المباشرة الوحيدة: أن يكون ذا قيمة مستقلة بذاتها، ومن أجل ألا يتسمم من تلك التربة، التي تغذي المسرح من خزانها المشبع”. قبل ذلك ظهر الصراع بين كارلو غولدوني الذي انتصر للتيار الأدبي في المسرح، وبين كارلو غوتسي الذي انتصر للجانب المشهدي. وحتى في العصر الإغريقي، ففي الوقت الذي عرف فيه الإغريق التيار الأدبي الشعري الراقي الذي يحتفى بعروضه وتنظم من قبل الحكومة الأثينية في أعياد ديونيسوس، كان هناك تياراً شعبياً يركز على الفرجة المشهدية أكثر من الشعر والأدب. وعلى الرغم من أن جميع هذا التيارات- كما يسميها مايرهولد- تمكنت من ترك تراث مسرحي يحتوي على دراما حقيقية وقوية، إلا أن مايرهولد كان ينتصر في منهجه لأحدها على الآخر، الأمر الذي دفعه لابتكار منهج خاص به، أسماه بالمسرح الشرطي.

في عصرنا الحالي، وفي مسرحنا في الوطن العربي تظهر الإشكالية ذاتها، ولكن للأسف لا ينتج تراث مسرحي درامي عالي المستوى إلا فيما ندر. هذه المقالة تحاول أن تسقط بعض الضوء على هذه الإشكالية، على أمل تقديم تشخيص لهذه الإشكالية، بما قد يسهم في علاج هذه الظاهرة مستقبلاً.

فالدراما: حدث يؤدى بواسطة مؤدي أمام جمهور من الناس، وهنا نؤكد أننا نتحدث عن حدث يُقدَّم بصيغة المضارع، وهو فن يتم تلقيه في نفس لحظة صنعه أو أدائه، حيث أنه فن آني. فالدرامي إذن هو الذي يكتب عن شخصيات تحيا وتتفاعل وتشعر أمام عينيه، ويحاول أن يكتب بلسان تلك الشخصيات التي يراها تحيا أمامه، ويتوقف الدرامي عندما لا تتحرك ولا تحيا تلك الشخصيات في الحيز الذي بناه بخياله. الدرامي بالوقت نفسه يستشعر بخبرته المشهدية وقع كلمات الشخصيات على الجمهور، بل ويشعر بالممثل الذي ينقلها على لسانه فلا يورط الممثل بكلمات مقعرة ليقال عنه أديب بارز مفوه، فهو (الدرامي) صلة وصل بين الخشبة والمشاهد، وليس المعبر عن الخشبة فحسب، فهو يدرك تأثير أحداث عمله الدرامي التي يبنيها على الصالة، أتحدث عن عمل درامي وليس نصاً فحسب، فهو لا يكتب نصاً أدبياً كما يصر البعض على تسميته، بل يؤسس (لحدث) يقدَّم على خشبة المسرح بواسطة (ممثل)، أمام (جمهور).

حتى يصل الكاتب الدرامي إلى هذه المرحلة يلزمه الكثير من القراءات والمشاهدات، ويلزمه فوق ذلك استشعار طبيعة العلاقة بين (الممثل والشريك، الممثل والدور، الممثل والصالة)، لهذا السبب كان الكاتب الأبرز في كل عصر من عصور المسرح يخرج من رحم العملية المسرحية، وتحديداً كان ممثلاً (فكان سوفوكليس في العصر اليوناني، وشكسبير في عصر النهضة وموليير في الكلاسيكية الفرنسية، حتى هارولد بنتر في العصر الحديث، وهذه أمثلة قليلة ليست للحصر).

ولم يكن أرستوتل أو كما يعرف بالعربية باسم أرسطو طاليس- كاتباً مسرحياً، ولا هكذا كان بوالو في عصر الكلاسيكية الفرنسية- والذي وضع قواعد للكتابة المسرحية لم يجرؤ أي كاتب على التمرد عليها- ولا أغلب النقاد في العصر الحالي.

بعد هذه المقدمة نتساءل:

على أي أساس يتم اختيار لجان التحكيم التي تقرر النص الفائز؟ صار العرف أن النص المسرحي هو عمل من جنس الأدب، فصار من الطبيعي أن  يُختار الأديب ليحدد الفائز بجائزة النص المسرحي. ووجدنا مسابقات كبيرة يفوز بها كتاب هم للأدب أقرب منهم للدراما. وبعد أن فازت نصوصهم بالجائزة الأولى الكبرى لم تجد نصوصهم مكاناً لها على خشبة المسرح، فأي مخرج سيتناولها يدرك على الفور أن النص ليس بحاجة لعملية إعداد فحسب بل ويحتاج إلى إعادة كتابة بالكامل، القصد أن النص بحاجة إلى إعادة كتابة درامية، أو صياغة درامية، كان النص يفتقد إليها ورغم ذلك حصل على جائزة، لأن لغة النص الشعرية أو الأدبية الراقية راقت للسيد/ة المحكم/ة الذي جاء من عالم الأدب وليس من عالم المسرح، ولا يعرف معنى الدراما وشروط هذا الفن. بل وصرنا نرى كتاب مسرح اشتهروا باصطياد الجوائز، ولم يعرض لهم نص مسرحي على خشبة المسرح قط.

ونحن لا نستغرب هذا الخلط فكثيراً ما ينتشر في الصحافة والإعلام سوء فهم للدراما، فمنهم من يربط الدراما بالتلفزيون معتقداً أن الدراما هي المسلسلات التلفزيونية حصراً، حتى صرنا نسمع مصطلحا مثل فنان المسرح والدراما!! ( يقصد المسرح والمسلسلات التلفزيونية) وآخر يتحدث عن فشل ممثلي الدراما عندما يتوجهون للأداء على خشبة المسرح!!!، كما وتنتشر قنوات مثل إم بي سي دراما، وكايرو دراما وغيرها والتي تكون مخصصة لبث المسلسلات التلفزيونية حصراً، الأمر الذي رسخ الفهم الخاطئ لمفهوم الدراما وخصوصيتها. حتى وصل الأمر أن وجدنا عميد أحد المعاهد المسرحية يرد على سؤال المذيع عن رأيه بالأعمال الدرامية؟ فيقول:” لا، لا، لا .. أنا ما لي بالدراما.. أنا مسرحي “!!!!! . بعدها بفترة قصيرة يترأس (المسرحي الجهبذ) لجنة تحكيم في مهرجان عربي كبير.

أمثال هؤلاء هم من يتصدى (غالباً) لتقييم النص الدرامي، ويقرروا مصير جائزة، وأحياناً يدفعوا كتاباً شباباً على تفصيل نصوصهم تبعاً لمقاييس ما يسمونه تقرير لجنة التحكيم، مرسخين بذلك مقاييسهم الأدبية البعيدة كل البعد عن المسرح وفن المشهدية، كمقاييس مسرحية برأيهم. وهذه جريمة أخرى مضافة إلى جرائم المسابقات والمهرجانات المسرحية عندما يوكل الأمر لغير أهله. فبدلاً من أن يرتقي المهرجان أو المسابقة بالفن المسرحي يقوم بترسيخ أفكاراً سامة في قلب العملية المسرحية، وتنتج نصوصاً لا يمكن أن تصمد في أي ريبرتوار مسرحي لو كان في البلد حركة مسرحية حقيقية تعتمد على الجمهور والريبرتوار المسرحي، وليس على المهرجان والدعم الحكومي المباشر الذي يعطي الفرصة للنص الأدبي لتقديم عرض (اليوم الواحد) فقط. المخرج الدراماتورغ هو القادر على تحديد النص الدرامي الأنسب، وليس الأديب الباحث عن جمالية اللغة وبلاغتها، والذي يكون أكثر قدرة فعلاً لو كنا بصدد التحكيم لعمل أدبي.

المشكلة كبيرة وعميقة في الوعي الجمعي العربي بصراحة، فقد اعتاد رواد المسرح على التعامل مع النص المسرحي كجنس أدبي، بل واعتادوا لزمن طويل على إطلاق صفة الرواية على النص، ثم أطلقوا عليه صفة (الرواية المسرحية) إلى أن ورث مصطلح النص المسرحي تلك الصفات التي تطور عنها دون أن يتم تجريدها من تلك الرواسب الأدبية التي لازمته. ولا ننسى أن العرب أهل شعر وبلاغة، وأن السريان المستعربين عندما ترجموا كتاب أرسطو عن الترجيديا اليونانية قدموه على أنه كتاب شعر.

عوداً إلى السؤال الذي يعنون المقالة:

هل خدمت الجوائز والمهرجانات المسرحية النص الدرامي؟ وهل تلعب المهرجانات والمسابقات في مجال النصوص دوراً مهما- كما تؤكد في بياناتها المختلفة- في تطوير حرفة الكتابة المسرحية وتقنياتها؟

إذا كان أساتذة الدراما أحياناً لا يعرفون مغزى كلمة دراما؟ وإذا تعمدت بعض المعاهد المسرحية في الوطن العربي على الإستعانة بأساتذة أجلاء لتدريس النقد والتحليل الدرامي وهم في الأصل أساتذة أدب عربي ولم يدرسوا الدراما قط إلا من خلال مسرحيات كبار الكتاب العرب مثل توفيق الحكيم وأحمد شوقي وغيرهم ممن كتبوا نصوصاً للقراءة أكثر منها للعرض المشهدي، فيما بم يولوا أي اهتمام لدراسة نصوص الدراما العالمية لا بلغتها الأصل ولا حتى مترجمة.

في هذا السياق أسوق مثالاً لكاتبة دراما مميزة.. (تغريد الداوود) كاتبة مسرحية كويتية. عصامية من حيث أنها علمت نفسها بنفسها، لا تكتفي بأن تكتب النص وتسلمه للمخرج، بل وتحرص على حضور البروفات وتتابع العمل وتشاهد بعينها كيف تتم العملية المسرحية، فتعلمت معنى أن تكتب لفن مشهدي، لغرض العرض لا للقراءة. فطورت من أسلوبها، وصقلته لتنتج نصوصاً درامية الطابع، بإمكانك كمخرج أن تضعها على خشبة المسرح دون أن تفكر بإعادة صياغة النص درامياً. بل- وأحياناً- دون أن تغير فيه كلمة واحدة. (تغريد) تكتب نصوصاً درامية بعيداً عن اللغة المقعرة فتستخدم كلمات خفيفة على لسان الممثل وأذن المتلقي على حد سواء.. تقرأ النص فتجد الشخصيات تحيا وتتفاعل ولا تتكلم فحسب، فلا مجال للثرثرة في نصوصها، حيث يشير الحوار إلى الفعل والمشاعر وإلى طبيعة الشخصيات ما أُعلن منها وما خفي، حوارات تُلمح ولا تُصرح، تكشف عن الفعل والحدث الذي يتطور بطريقة تشوق المشاهد إلى معرفة مآل الأحداث ونهاياتها..

نصوص تغريد تؤسس لعروض تحترم عقل المشاهد، فهي تترك له المجال ليؤل ما شاهد من أحداث ويسقطها على واقعه، ويفكر بما آلت إليه حاله وحال المجتمع من حوله.. نصوص تؤسس لعروض تجعل المتلقي يواصل التفكير في تأويل ما رأى وسمع وفهم حتى بعد أن يغادر المسرح.

هذا تماماً ما حدث عندما شاهدت أعمالها لأول مرة في عرض المحطة خمسين، وهذا ما رأيته في قراءتي لنصها الأخير (بلا غطاء)، والذي قدمته في مهرجان المسرح الكويتي 2015، دون أن أحضر العرض. نصوص فيها من الجدة والمرونة والحساسية للمشكلات ما يؤهلها باقتدار إلى أن تكتسب صفة النص الإبداعي، فتلك هي أهم عناصر أي عمل إبداعي. والأجمل أنك تستشعر أن هذا ما ينتج من كتابتها دون أن تفكر بذلك، أو تتقصده، أو تسعى وراءه بخطى حثيثة… فهذه العناصر تنتج بشكل عفوي كنتيجة طبيعية لفهم الكاتبة لخصوصية الكتابة للمسرح، ومن إحساسها بالفعل (الحدث) على خشبة المسرح، وحياة الشخصيات فيها. دون أن تحاول محاكاة نظرية معينة في الكتابة المسرحية أو التقيد بإشارات نظرية. فالنظرية ينبغي لها أن تتبع العمل الإبداعي وتنظر بناء عليه، لا أن تصنع قيوداً للمبدع أو هياكل للعمل الإبداعي لا يجوز الخروج عليها، وكل من حاول فعل ذلك طوال تاريخ المسرح فشل فشلاً ذريعاً ولم يذكره تاريخ المسرح إلا كمثال على الفشل.

كاتبة كهذه تجعلك تحمد الله أنها لم تدرس في قسم النقد المسرحي لتغرق في عالم التلقين وتقبع حبيسة الصندوق الذي صممه ما صار يسمى “كشكول حمادة” والذي درس منه أساتذة النقد، ويصرون على أن يورثوه لطلبتهم.. مُقسمين على الحفاظ عليه وكأنه دستور حياتهم العملية والأكاديمية، وكل ما دونه محض هراء.

ربما لا تغريد تحصل دائماً على جائزة، ربما بسبب أدبية الطابع للجنة، وربما لأن المنافس تمكن من تقديم نص مميز يستحق الجائزة، ولكن تبقى نصوص تغريد الداوود سابقة لعصرها، وسيفاخر أبناء الكويت في المستقبل أن بلدهم أنجب كاتبة بهذا الحجم، أذكر في ندوة المحطة خمسين أن ألمح البعض إلى أن النص (ربما كان عالمياً)!! مستكثرين أن تقوم فتاة كويتية محبة للمسرح بالكتابة بهذا المستوى العالي من الحرفية الدرامية، إلا أنني أدركت على الفور أن النص لا يمكن إلا أن يكون لها، بحساسيته لمشكلة محلية معاصرة وطرحها بطريقة ذكية، وبتوظيف مفهوم باطن النص، وخلق حالة تفاهم بين الكاتبة والمخرج المتميز (نصار النصار) وكل فريق العمل الذي كان واضحاً لعين الخبير وجود جو عام من التفاهم بينهم، وإصرار على تقديم عرض يلمح ولا يصرح، ويسعى إلى تحفيز التفكير، واتخاذ مواقف. هذا النص وإن تناول قضايا محلية، إلا أنه قدمها بطابع إنساني عالمي بحيث يمكن أن يُقدم النص في أي بلد أو مكان لينقل نفس الأفكار التي صاغتها المؤلفة، بالإضافة إلى ما يمكن لأحداث النص أن تفتح من مجالات للتأويل.

وعلى الرغم من أنها كانت أول مرة أرى فيها الكاتبة وأسمع باسمها، إلا أنني صرحت: “بأن هذا الكاتبة ستأتي بما لم يستطعه الأوائل”. وما هذه بنبوؤة بل استشعار الأكاديمي لموهبة أثبتت في كل عمل من أعمالها، أن رميتها تلك لم تكن من غير رام.. بل كانت نتيجة جهد متواصل من تعليم النفس وتطوير القدرات، وثمرة ثقافة فنية لا تكف عن النمو والتطور.  وكم من مربي في فن المسرح يستطيع أن يستشعر الموهبة في شخص لا يشعر ولا يصدق بوجودها عنده إلا بعد حين، تغريد الداوود كانت دائماً واثقة من قدرتها على الكتابة الدرامية، وواثقة من تقنياتها في تأسيس مشهدية مسرحية. ولايزال إبداعها مستمراً.

لماذ أذكر قصة تغريد تحديداً؟

ليس لأنني أعترض على عدم حصولها على جائزة مهرجانية معينة، بل لأنه في كل مرة تفشل في الحصول على الجائزة، وتتوجه بكل تواضع (لا داعي له) لأعضاء اللجنة للإستفادة من ملاحظاتهم، يقال لها: “نصك ليس أدبياً”!!! وكأننا من جديد بحاجة إلى نشرح لهم مفهوم الدراما وخصوصية الفن المسرحي!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى