وجوه مسرحية

حين يحدثنا خالد أمين.. عن الفُرجة!

المسرح نيوز ـ القاهرة ـ متابعات

ـ

منذ أن تبنّاه المسرحيّ حسن المنيعي (1941) في كتابه “أبحاث في المسرح المغربي” (1974)؛ حظي مفهوم “الفرجة” باهتمام بالغ في البحث المسرحي في المغرب، تُوّج بتأسيس “المركز الدولي لدراسات الفرجة” في مدينة طنجة.
التقط خالد أمين هذا المفهوم وحفر فيه عميقاً. تجلّى ذلك في عدد من أبحاثه حول الفن الرابع، مثل “الفن المسرحي وأسطورة الأصل” و”المسرح المغربي بين الشرق والغرب” و”المسرح والهويّات الهاربة”. وأيضاً من خلال إشرافه على “المركز الدولي لدراسات الفرجة” الذي لا يزال، بعد أكثر من عقد على تأسيسه، يقدّم المسرح المغربي إلى العالم، وينظّم عروضاً وتظاهرات فنيّة، ويُصدر سنويّاً بحوثاً ودراسات عن المسرح إضافة إلى الأرشفة والتوثيق.
يسعى أمين رفقة مجموعة من الباحثين في المركز إلى أن يكون لمجال دراسات الفرجة مكانة رفيعة في الجامعة المغربية، وبلورة مفاهيم إجرائية تساعد على ردم الهوة بين النقد المسرحي العربي ونظيره الغربي.
مفهوم “الفرجة” مفهوم مركزي في حديث أمين، فبالنسبة له هي “أشمل من الأداء ومن العرض المسرحيّ ذاته، إذ تستوعب الاثنين معاً، بل تتجاوزهما لتشمل الشعائر والاحتفالات والمراسيم والسيرك وأنماط الاحتجاج الجماهيرية والسلوكات الفرجوية الشعبية من قبيل “الحلقة” و”إيمعشارن” ورقصات “أحواش” و”أحيدوس” و”بابا عيشور” و”بوجلود” و”سونا” وغيرها”.

الفرجة فعل تشاركي يحققه كل من المؤدّي والمتفرّج

يقول صاحب “ما بعد بريخت”، إن “العبارة اكتسبت في اللسان العربي المعنى الذي تُشير إليه كلمة spectacle في اللغة الفرنسية، وبتتبّع مساراتها الإيتيمولوجية في مختلف المعاجم العربية، سنجد أنها تطوّرت من الدلالة على “الشَّق بين شيئين”، كما هو وارد في تفاسير النص القرآني، إلى “انكشاف الغم ومشاهدة ما يجلب التسلية والخلوص من الشدة والهم”، وهو استعمال يتضمّن معنى إحداث تأثير في النفس والآخرين”.
يضيف الباحث المغربي، “لقد أصبحت الفرجة اسماً جامعاً للعديد من السلوكات الفرجوية، لكن مع مراعاة مقتضى الحال، فدلالة التضمين في الكلمة تشمل دلالة اللفظ على جزء من مسمّاه، باعتبار “مشاهدة ما يتسلى به” الذي يحيل مباشرة لردود فعل المتفرّجين أثناء فعل المشاهدة/ المشاركة. من هنا، تخرج الفرجة من كونها لعبة الجمهور فقط، إلى كونها حدثاً تشاركيّاً. وتسقط بغياب مشاركة أحد الطرفين: المؤدّي أو المتفرّج”.
خالد أمينيُعطي الحضور اللافت لمفهوم الفرجة خصوصيّة وتفرّداً للنقد المسرحي المغربي الذي واكب العرض المسرحي وتطوّراته المتلاحقة. يقول أمين “إن المفهوم تجذّر في مدوّنة النقد المسرحي المغربي من حيث التداول، وكان من الضروري الارتقاء به ليصبح مفهوماً إجرائياً في الأوساط الأكاديمية”، مضيفاً أن “التأسيس النظري لهذا الاشتغال بدأ مع مؤسّس حقل دراسات الفرجة بالمغرب، حسن المنيعي الذي أعاد الاعتبار للفرجة في المجال البحثي مند كتابه الأول “أبحاث في المسرح المغربي” وصولاً إلى عمله “المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة””.
مرّ العرض المسرحي في المغرب، كغيره من البلدان، بتغيرّات مسّت مضامينه وطرائقه، مع انحياز واضح في السنوات الأخيرة إلى السينوغرافيا. ويعتبر أمين أن “تغيّر الحساسيّات في الساحة المسرحية نتيجة طبيعية لتراكم وامتداد التجربة بسائر مكوّناتها”.

حضور المفهوم في النقد المغربي أعطاه تفرّداً

كما يعتبر محدّثنا أنه “لو لم نمرّ بأسماء الطيّب الصديقي وأحمد الطيب لعلج، ولولا تراكم تجارب “الزمن الجميل” متمثّلة في فرقة “المعمورة” و”مسرح الهواة” و”مسرح الشمس” و”مسرح اليوم”، لما وصلنا إلى الأسماء المعاصرة كـ بوسلهام الضعيف وعبد المجيد الهواس وحسن هموش وبوسرحان الزيتوني وأسماء الهوري ونعيمة زيطان ومحمد الحر وجواد سنني”.
كما يرى أمين أن “المسرح المغربي هو في النهاية جزء من العالم” وأن “المتغيّرات والعوامل الموضوعية، على المستوى العالمي، تساهم في تسريع وتيرة التطوّر المسرحي المغربي الراهن، ومن مظاهره تفاعل المسرحيّين المغاربة واحتكاكهم ببقية الفنون مثل فن الأداء والتركيبات الفنية بشتى تلويناتها، ناهيك عن حساسيّات فنية أخرى مثل مسرح “ما بعد الدراما” والمنعطف الوسائطي في المسرح المعاصر، إضافة إلى التفاعل مع ثقافة الصورة والثورة الرقمية وتقنياتها الجديدة أثناء صناعة الفرجة إلى حد الإفراط أحياناً”.
وانطلاقاً من متابعته لما يُعرض في المسارح المغربية، يخلُص الباحث إلى “استحالة مقاربة أعمال الجيل الجديد، مثل “دموع الكحول” أو “رجل الخبز الحافي” من منظور النقد التقليدي أو حتى نموذج التحليل الدراماتورجي البافيسي، بسبب انفلاتها عن التسنين المسرحي الخطّي وإرباكها لمفهوم التمثيل داخل المسرح واعتمادها كتابة شذرية وأنساقاً دلالية ووسائط مختلفة”. يخلص بذلك إلى التساؤل عن “مدى مواكبة النقد المسرحي المغربي للتوهّج الإبداعي الشبابي خلال السنوات العشر الأخيرة”.
ــــــــــــــــــ

العربي الجديد

الرباط – سليمان الحقيوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى