نصوص

ديودراما “سيدة الجماجم” .. نص جديد للكاتب السعودي إبراهيم الحارثي

 

ديودراما من فصل واحد

 تأليف: إبراهيم حامد الحارثي

ـ

المسرح به عدد كبير من الجماجم متراكمة فوق بعضها و جماجم أخرى متفرقة على خشبة المسرح … ممثل ينتقل من مكان لأخر وفق مؤثر مناسب … يرتب الفوضى الموجودة على خشبة المسرح ينقل بعض الجماجم من مكان لأخر و يركل بعض الجماجم , الأفضل أن تكون ملابسة مهترئة و بها الكثير من وعثاء الزمن …
الممثل : من الأفضل أن يلتزم كل منكم حدّه … لا أرغب في نقلكم من مكان لأخر … حتى وأنتم هكذا لم تسلموا من نزاعاتكم … ؟؟
يأخذ جمجمة بيده … يخاطبها …
الممثل : ألم أقل لك أن هذا مكانك الحقيقي … هنا … مع الرعاع و السوقة …
ماذا !!
أنا فصلتك عن هذه المجموعة وتركتك هنا مع الأفراد الغير مصرح لهم بالحركة
لا تجادل …
خطابك مرفوض ..
لا ترفع صوتك أكثر .. مساحات الوقت ضيقة وأنت تستهلك كل شيء
” يعيده لمكانه يرميه دون مبالاة ”
الممثل : تبدأ النهاية منذ أن تضع أجسادكم نفسها داخل لحد … وتلتحف البياض … وتتأبط المسك … و تغتسل بالثلج
تبدأ النهاية حين يتساقط عنك لحمك … وتتفجر خلاياك الملونة … وتضمك الأرض لتخنق مساحات تفكيرك … وتجعلك فقط تنسلخ من ذاتك …
الممثل : وحشة القبر .. وصمت الرفات … كفيلة بأن تجعل أجسادكم الصغيرة .. تشكو اليُتم … لأنها أضحت دون غطاء يستر بقاياها
الممثل : المكان هنا يعُج بالتافهين … ويعج بالكبار … كلهم واحد … إلا عندي بالطبع … فأنا من يحب أن يعطي كل ذي حق حقه … أرفع من أشاء … أعزل من أشاء … أمارس انسانيتي على حطام هذا الرفات … وهذه الجماجم
الممثل : الموت لن يغيب أحد هنا .. اتعامل مع الجماجم المنزوعة الدسم .. أقصد منزوعة الروح على أنها حية …
هي ليست ميتة …
هي معدومة الجلد …
هي فاقدة لذاتها …
أنا هنا أسكن معها … أو بالأصح …. هي من يسكن معي …
الممثل : تقاسمت الأيام مع الجماجم المملة , أضاجع قصصها الملتهبة و أحيانا … تتمرد على لحظاتها التي أدخلتها لهذه الدوامة
الممثل : بيني وبينها علاقة تواصل ثرية … لا نكتم عن بعضنا أي سر … تشاركني سنين العزلة … وأتظاهر أحيانا بأني جمجمة مجوفة من الداخل … بيضاء من الخارج … تماما كـ صاحب القلب الأبيض … ذلك الذي يَفجُر بالليل و يتصالح مع لحظاته في المساء
يتحرك وفق مؤثر مناسب .. يلتفت لنداء الجماجم التي تكرر صرخاتها عليه
الشبح : أنت أيها المزعج
الممثل : أنا !!
الشبح : تحاول تقسيم الأماكن و الأشياء على حسب رغباتك ؟؟
الممثل : أنا أمارس ما لم تستطيع أنت على ممارسته , و تختفي أنت خلف نزق الخوف الذي يحيط بك …
الشبح : الخوف .. ( يضحك ) .. الخوف يسكن عقلك يا جبان
الممثل : لست جبانا …
الشبح : أنت جبان … جبان … جبان … ياجبان
الممثل يبدي انزعاجه وسط تكرر هذه الكلمة من الشبح و كذلك من الجماجم صوت مزعج أزيز مزعج حركة الممثل ساخطة على الوضع يصرخ ,,,
الممثل : لو سمحتم … اخفضوا أصواتكم التي تسبب لي إزعاجا …
هيه .. أنت ..
نعم أنت ..
تكلم .. قل ما لديك … أخرج صوتك الذي تخثر داخل حلقات حلقك
لا تخف … ليس هناك ما يدعو للخوف …
تكلم .. ثرثر … تكلم بأي شيء
ليس لديك شيء ؟؟
تود أن تسمع نبضات قلبي !!
( بضحك ) هذا ليس الوقت المناسب لسماع سمفونية قلبي … دعها مرة أخرى
أي حُلم تقصد ؟؟
الجماجم ليس القدرة على الحلم … ولا على الكلام … انتهى وقتك يا صديقي .. أتمنى ألا أسمع صوتك المثقوب مرة أخرى .. هل فهمت ذلك أم أكرر لك ما قلته بالتو ؟؟
الممثل : عندما نبتعد عن بعضنا … يسحق كل منا حُلم الآخر … ونحن الآن في مساحات غير مخصصة للحُلم … فالواقع يقف حجر عثرة كبير أمام أي حُلم يرتديه أي شخص …
الممثل : عندما نقترب من بعضنا … يصبح للتلاقي طعم آخر … نزيف مشاعرنا للحصول على رغيف من كلمة … حتى الكلمات أصبحت وسيلة كسب … مشروط … و مشروخ كذلك
الشبح : تواصل ايهام الأشياء هنا على ساديتك ؟؟
الممثل : لن أظهر اهتماما بما قلته …
الشبح : لا أهتم بهذا التصرف , فأنت لست قويا بما يكفي لترد على تفاصيل الجُمل التي تغرز مخالبها في عقلك المتحجر ..
الممثل : عقلي المتحجر !!
الشبح : عقلك المتحجر الذي جعلك تخرج كالمجنون , ترقص كالأطفال , تغني كالسذج و المتخلفين , أنت فاشل
الممثل : لست فاشلا ..
الشبح : أثبت لي … أثبت لي أيها الجبان … يا جبان
الممثل : سأجعلك تتذكر كل كلماتك … سأجعلك تثق بأنك أنت الفاشل , أنت الجبان , أنت الذي لا تستطيع على مواجهة أي شيء
الممثل : سمعتك , سمعتك , سمعتك أيتها الجمجمة الخرقاء , أنت تجعلني أفقد السيطرة على نفسي
الممثل : ” يخاطب جمجمة ” هل ترغب في أن تشرب كمية من الماء .. أتذكرك جيدا … وأتذكر أن سبب وفاتك الأول كان العطش … عطش فكري يسقط نفسه عليك … كان حري بك أن تبحث عن مصادر الارتواء في أكثر من اتجاه … لا أن تظل رابضا كـ ظل شجرة احترقت من هول شعاع شمس هوجاء
الممثل : اخبرتك سابقا بأنك ضمن الأشخاص الذين أواصل عليهم فرض حصار ذاتي … و شرب الماء له ضريبة
تحرك أنت إن شئت … ولكنك تعلم أن من يتحرك سيفقد مكانته .. للحركة ثمن .. للصوت ثمن … للحلم ثمن
الممثل : أعلم بأنكم تشتاقون لكل من تركتموه ورائكم … و تحلمون لساعة اللقاء تلك التي تجعل الفرح أكبر من ثواني العتق في ساحات تنفيذ الأحكام …
الشبح : و أنت ألا تشتاق لمن تركتك وحيدا كـ شاهد قبر تصارع أحلامك وأمنياتك , و جعلتك تمزج دعواتك بالعديد من الألوان الزاهية , وتطلقها في السماء , دعوات كثيرة , ملونة , بيضاء كالحمام , وزرقاء كالبحر و …
الممثل : اسكت أنت تستحق النفي , أنت تؤلم قنوات السمع التي أسمعك بها , سألغيك من داخلي , سأجعلك ترغب بأن تخرج كل ما بداخل تجاويف عقلك المترهل …
الشبح : دون روح أنا يا جبان … يا جبان .. يا جبان
مؤثر مناسب يتحرك فيه الممثل بين الجماجم … للمخرج حرية رسم خطة حركة مناسبة … يكرر الممثل بحثه عن مصدر الصوت بين الجماجم … يصرخ … يضحك … يعود لحالته الطبيعية …
الممثل : السماء مكتظة بالغيوم … و البرق سيقص جبين المسافات و يلمع ليضيء ثغر اللحظات هنا … سنتشارك الإبتسامة … حاولوا أن تتقوا مياه الأمطار الباردة … المتساقطة بشدة فوق أجزاءكم المتناثرة … و الموت لا يحصل إلا مرة واحدة …
الممثل : اوووه … تذكرت
اخرج أنت … أنت … اخرج و استقبل مياه المطر … ودعها تستلقي فوق تفاصيلك … لتطفئ لهيب جسدك …
جزء منك مكسور .. جراء قفزك من أعلى البناية التي أضرمت بها النار … لا عليك … لن تشعر بالألم … فليس لك القدرة على التمتع بالألم ” يضحك ”
ينتبه الممثل لإحدى الجماجم التي اختلست و وصلت لجمجمة موضوعه على قاعدة مرتفعة …
الشبح : هل تتذكر لون النار ؟؟
الممثل : النار التي ستمد ريقها و تشتعل في أضلاعك ؟؟
الشبح : بل في أضلاعك أنت … هل تعلم بأنها ستشتعل بعقلك بعد قليل ؟؟
الممثل : النار سـ تجعل جسدك متفحم , و أعينك الهلامية سائلة , ستجعلك تذوب كـ الشمعة …
الشبح : احذر من كلماتك
الممثل : أنا من يحذرك ….
يفاجأ الممثل بجمجمة تقترب من سيدة الجماجم هناك … يقترب منها ليتأكد يصرخ بهستيريا …
الممثل : لا تقترب منها …
دعها و شأنها …
لن أقترب منك …
حسنا حسنا …
سأجلس هنا … لن أتحرك قيد أنملة
لا .. لا .. لا تطالبني بالصمت … أنت من عليه الصمت
أقصد سأطبق على فمي
( يضع يده على فمه … و اليد الأخرى يطالبه بالإبتعاد .. يسترق اللحظة ويقفز ليقبض عليه )
الممثل : هات المبررات التي جعلتك تحاول الوصول إلى هنا …
اذكرها لي … فندها لي …
سأصرخ … و سأرفع صوتي أكثر …
سأقول ما أريد .. ولن يجبرني أحد على الصمت … صوتي حر … و أنا حر .. تسكنني روح و لست مثلكم .. فارغ من الروح …
الشبح : لا تكن مغرورا , أنت جبان , واجه خوفك
الممثل : اصمت أنت
الشبح : ( يتكلم بشكل سريع )
الممثل : اصمت أنت
الشبح : توسل لي ….
الممثل : أرجوك
الشبح : ( يضحك )
( يستمر الممثل برفع الصوت … و الحديث بشكل غوغائي و غير مرتب … و يتوقف كأن الجمجمة بصقت عليه )
الممثل : ماذا فعلت .. تبصق علي .. أنا من أتى بك لهذا المكان الآمن .. أنا من جعلك دون خوف … دون وحشة … دون ضيق .. دون ظلام
يأخذ الجمجمة و يطأ عليها بقدمه …
الممثل : سأسحقك كما أسحق الحشرات التي تنخر عظامكم الباهتة أنت !! سألقنك درسا لن يكون لك أنت … بل لهم كذلك
يمسك به بيده …
الممثل : هذا المغتصب … الأفاق … المرتزق … الضال … الأحمق … قارن نفسه بي … وحاول الوصول لسيدة الجماجم … و جزاء هذا الشخص أن يصلب مربوطاً … فوق مدخل هذا الملاذ الذي أنشأته لكم …
الممثل يأخذ الجمجمة و يربطها بحبل و يعلقها ويصدر كلمات الحكم ويردد الحوار السابق و ينفعل بالصوت و تعابير الوجه … و يضحك بعد أن يفرغ تماما …
الممثل : سيدة الجماجم .. اعتذر لك سيدتي
أنا من جمع لك هذه الفئة التي تحاول الوصول لك … لتأخذك مني
أنا لن أكون دونك …
الشبح : أوهام … الحب أوهام
الممثل : تواصل الحديث مجددا , أرجوك اصمت لوقت بسيط , ألا تعرف الصمت؟
الشبح : الصمت هو الموت أيها الجبان … ولكن على أي حال سأجعل لك المزيد من الوقت ولكن تذكر أنك .. جباااااااااان
يأخذ الممثل الجمجمة الموجودة فوق القاعدة و يبدأ بسرد قصته …
الممثل : كانت حب لا ينطفئ في داخلي أبدا … كانت الراحة لوطن الجنون الذي يضرب عقلي …
الممثل يمسح الجمجمة و يقبلها و يحتضنها …
الممثل : وحيدة كانت هنا … أخذتها بعد أن أودعوها داخل حفرة مظلمة … داخلني الخوف عليها … قفزت إليها سريعا … سرقتها منها … جئت بها هنا .. خفت عليها أن تستوحش …
فأنا أتحرك … وهي جامدة
أنا لي روح … و هي دونها
أنا لها … و هي … هي دونها
الممثل : جمعتكم هنا .. حتى تأنس بكم .. كانت لا تنام … دائما مستيقظة … تشعر بالوحدة … تشعر بالأرق … لا أفهمها … إلى أن جلبتكم … و أصبحتم تحاولون الوصول إليها …
الممثل : هادلة مع الحمام … صوتها كان أغنية .. أترنم بها في كل وقت … في جمال زهرة … عيناها .. لها لون السماء … كانت تُعطر المساحات الفارغة … تدفئ أطرافي المثلجة … و تشعل دواخلي
يضحك و يستمر كثيرا بالضحك .. ويخاطب جمجمة سيدته
الممثل : هل تتذكرين أول قبلة قطفناها … كنا نمارس فعل الإنصهار .. نذوب خجلا … تربكنا نبضات قلوبنا التي تدفع بعضها لتخرج من بوابة الروح … عندما تلامسنا بالشفاه … كنتِ تغمضين عينيك … وأنا كنت أسترق النظر لحركة شفتيك الندية … لم تدم قبلتنا طويلا انسحبتِ … و سحبت روحي معك … أخذتي معطفك .. و هربتِ مني
يضحك و يحتضنها …
الممثل : تصلبت مكاني … تحركت كل الأشياء الحية حولي … شعرت بدوران الأرض … سرقت نفسي من نفسي … اعتصرتِ بقايا تفاصيل كنت أحتفظ بها … كان مظروفي الذي يحتضن رسالتي … مستلقيا فوق الكرسي الذي حفظ رائحة عطركِ
الشبح : هذا المشهد تكرر عندما وقفت على قبرها أيضا ..
الممثل : و سـ أقف على قبرك أيضا , و سـ أبصق عليه
الشبح : ألم أقل لك أن تكون حذرا معي في استخدام الألفاظ ؟؟
الممثل : أوووووه , أنت مزعج … مزعج جدا …
الممثل : أين ذهبت ؟؟؟
الممثل : هيه أنت … أين ذهبت ؟؟
يبحث بشكل سريع يتذكر محبوبته يعود ليحتضنها و يقربها من فمه … ويقبلها مرة أخرى …
الممثل : كان الضوء الخافت … دليل بصري في تلك الليالي التي قضيتها بالتفكير بك … كنتِ الندى والظلال لروحي التي لا تمل مراقصة روحك … كنتِ كل تفاصيل الجمال الذي يسكن أروقة حياتي البائسة …
يخاطب الجماجم
الممثل : هي من زرع ألاف الورود داخل روحي … هي من جعل لكم حرية الوصول لكل شيء … كنت دونها صحراء قاحلة … يهيمن عليها الجوع … ويقتات منها الخوف … و يلتهمها الجزع
الشبح : أيها الجبان … أنت لا تستطيع أن تنسى حب من جعلت منك مقرا لنزواتها العابرة
الممثل : لا أرغب في الحديث معك , فأنت تحاول أن تجعلني أتوتر أكثر
الشبح : أنت جبان … لا تستطيع أن تقضي عليّ
الممثل : سأقضي عليك , سأشعل روحي لتلتهم صوتك الذي ينحشر في الكثير من الحقد , أنت لن تصل كذلك لسيدة الجماجم
الشبح : هل أنت متأكد !
الممثل : لن تصل لها , لن تصل لنعومة شفتيها التي تشع بالحب …
الشبح : هل أنت متأكد ؟؟
الممثل : ماذا تقصد بسؤالك … أجب .. تكلم … أين ذهبت … سيدة الجماجم أنتِ تسكنين قلبي , لن أسمح لأحد هنا بأن يقترب منك
الممثل : سأجمعكم كلكم … سأنفيكم … سأحرق كل تفاصيل بياضكم الغبي …
يأخذ كيسا من المسرح ويبدأ بـ لملمة الجماجم …
الممثل : هنا لن يطول المقام لأي منكم … بدأها الأول و سيتوالى الزحف نحو سيدة الجماجم
الممثل : من يتسلق فوق سيدة الجماجم , فهو يصد لفضاء يعجز معه عن السيطرة على ردة الفعل , وسيتحمل بلاهته
الممثل : الحرق أو الغرق هي حلول التخلص من الرفات الذي تحملته لأجلها ..
الممثل : وحدها هي من سيبقى .. اما أنتم ستنحشرون داخل هذا الكيس النتن …
الممثل : ادخل دون صوت … لا تسمعني صوتك … لا تطلب مني شيئا آخر .. وأنت كذلك ادخل … ادخلوا دون أن يتنفس أحدكم … سأحرق كل شيء يحاول الوصول لها … ادخل .. وأنت ادخل .. وأنت كذلك .. الكل سيدخل هنا
( يأخذ الجماجم التي يحاول إدخالها داخل الكيس و يرميها بالأعلى فتتساقط عليه و على خشبة المسرح مؤثر مناسب مع هذه الحركة يبدأ بالصراخ الهستيري يجمع الجماجم و يحشرها بالقوة داخل الكيس والأخرى يرميها للأعلى صراخ … صراخ … يسقط على خشبة المسرح )

انتهى …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى