مقالات ودراسات

د. جبار خماط يكتب: سيبرنطيقا العرض المسرحي


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

د.جبار خماط*

أكاديمي عراقي

 

يعيش المجتمع المعاصر نوعا من الآلية المتحركة في المتطلبات والأهداف، معتمدا على أنظمة معقدة من العلاقات التي تتحكم بها قرارات وعمليات تكنولوجية، تسعى إلى التسهيل والسيطرة على تفاعل الفرد مع المجتمع، وتفاعل المجتمع مع الطبيعة، فالتكنولوجيا ، هي التطبيق المباشر للعلم ، وقد تميز الإنسان منذ القدم بأنه صانع الأدوات ، وإذ ترتبط التكنولوجيا بالعلم، فإنها مرت- حسب المراجع التاريخية – بان التكنولوجيا مرت بثورتين رئيسيتين هنا :

الأولى: تمتد زمنيا من القرن الثامن عشر إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، وقد ظهرت فيها القوة البخارية والكهربائية، التي ساهمت في التقليل من الجهد الإنساني والفعل العضلي.

الثانية :تبدأ من الحرب العالمية الأولى والثانية وما بعدها، وتميزت باكتشاف الحاسبة الالكترونية، ومنظومة الأتمتة لوسائل الإنتاج. ( طه تايه ذياب ، التكنولوجيا المعاصرة ، ص 6) ويبين(( فؤاد زكريا)) ماهية عمل النظم التفكيرية والتكنولوجية لتلك الثورتين ، فيصور لهما انموذجين هما : الأول: عمل الثورة الأولى، وفق الانموذج الآلي الذي يتلخص باستطاعة الإنسان، تفسير الظواهر على أفضل نحو، وإذا تمكن من تنظيمها في نسق فكري، تكون فيه كل منها مؤدية إلى الأخرى بطريقة آلية خالصة . الثانية/ عمل الثورة الثانية، وفق علم جديد( السيبرنطيفا ) الذي ابتكره وطبقه عمليا العالم (( نوبرت فينر)) عام 1948.

وكانت فكرة هذا العلم تستند الى تطبيق ما يحدث في الإنسان، بوصفه جهازا حيا، متكاملا على الالات من أجل الوصول إلى مرحلة متقدمة من الأداء. ( التفكير العلمي، ص 204) ويعتمد هذا العلم الجديد( السيبرنطيفا ) على الكشف عن عمليات داخلية يسلكها النظام ، وتخضع للمراقبة الداخلية والتحكم والتسيير الذاتي لحملة من المعلومات الواردة إلى النظام، ومحاولة ضبطها والتنبؤ بنوع من المخرجات التي تختلف أوتتطابق مع المدخلات ونوعيتها الإنتاجية، وتشرح النظرية السيبرنطيقية، عمل الأجهزة الداخلية، واتخاذ القرارات ، وتدرس النتائج الحاصلة في السلوك ، وتدخل المتغيرات الخارجية، التي هي المحيط ، مع المتغيرات الداخلية للنظام .( علي زيعور ، مدارس علم النفس، ص 205) إن لكل شي او موجود في عالمنا ، نظام داخلي، يعمل بنسق ومتوالية بين السبب والنتيجة ، فلا أثر من دون مؤثر، ولهذا تعمل الموجودات بكيفيات داخلية، كان تكون ميكانيكية او عصبية الكترونية.

من هذا المنطلق العملي بدأت رحلة هذا العلم ، إذ لم يستعمل هذا المصطلح الا في بداية القرن التاسع عشر ، من قبل العالم الفرنسي( ( اندريه ماري امبير) الذي وضع تعريفا له في كتابه (( مقالات في فلسفة العلوم )) إذ عرفه ” علم إدارة المجتمعات الذي يهيء للمواطنين فرصة الاستمتاع بالعالم ” ( علي زيعور، مدارس علم النفس، ص 203) ومن هذا المنطلق هل يمكن أن نصل إلى عرض مسرحي سيبرنطيقي ، يهيء الجمهور فرصة الاسمتاع بالعرض المسرحي ؟ وللإجابة يمكن القول ، بأن العرض المسرحي العرض المسرحي – بوصفه خبرة بشرية – يعمل بمبدأ سيبرنطيقي ، يتلخص في ( الكل أو لاشي ) وهو يمر اثناء حركته بسلسلة من المتغيرات المستقلة. تعمل على صناعة او إيجاد واقع جمالي يتصل بالحياة او ينفصل عنها ، بحسب الضرورة المعالجة المسرحية .

وهذا العرض يعمل بانساق بصرية وسمعية وحركية، وقطعا، لا يمكن أن تعمل اعتباطا، بل تكون بقدر نظام منضبط من الداخل في علاقاته ، بشرط عدم تواجد عناصر التشويش الخارجية ، التي تؤدي إلى إرباك العرض المسرحي وعلاماته الادائية والسينوغرافية، لان وحدة الإخراج الجمالية والتنظيمية ، أصابها خلل اتصالي داخلي، بسبب غياب المعلومات الواردة من النظام الإخراجي / المعالجة ، أو عدم هضمها من عناصر الفعل المسرحي داخل العرض ، من ممثلين وتقنيين ! ولهذا اجد من علم السيبرنطيفا، يعطي لنا العلاج الناجع، لحل مشكلات الإيقاع المترهل او الرسائل المعقدة، أو الأداء المتشنج او المفتعل، فضلا عن التزويق البصري والسمعي للسينوغرافيا !

وقبل المضي في هذا العلم الجديد ، ينبغي تعريفه اولا، الذي أوجزه لنا (( نوبرت فينر)) في كتابه السيبرنتيك، ص180) بانه ” علم التحكم والاتصال في الحيوان والآلة ” مما سلف ذكره، ممكن التعرف على هندسة العرض المسرحي، بأنها تماثل دقة الدماغ ، لأنها لها القدرة على التحول والاستحداث الجديد والمستمر للعمليات الداخلية ، بقصد الحصول على مخرجات / عرض مسرحي ، ملائمة اذا ما تغيرت الظروف الخارجية أو المحيطة، وهو ما يفسر قدرة بعض العروض المسرحية على التكيف مع البيئات المسرحية- في حال تغير فضاء العرض –

وعلى الرغم من اعتماد الإنسان المعاصر، على الكومبيوتر، لكنه يمتلك ( الإنسان ) جهازه العصبي على عشرة الآف مليون خلية عصبية ضمن الدماغ، وأن عدد الخلايا في النملة ( 250 خلية) أما النحلة فتحوي على ( 900 خلية) فلا يمكن لأي كومبيوتر رقمي، يحوي مثل هذين العددين الضئيلين، من القيام بشيء يستحق الذكر، يماثل ما يستطيع دماغ النملة او النحلة ان تؤديه ( صلاح الدين طلبة ، السيبرنطيقا، ص 10) إن علة إرباك الأداء المسرحي، في التشويش الذي يطرا على للنظام العصبي للعرض المسرحي ، لان أساسه وعنوانه بشري محض، لذا هل يمكن التحكم بنظامه الجمالي وضبطه اتصاليا .وهل نحتاج فقط الى التمارين المسرحية للوصول الى ذلك الضبط والتحكم السيبرنطيقي المنشود ؟ ولكن ليس كل مخرج له القدرة للوصول إلى هذا التحكم .

وهنا تتباين العروض أسلوبيا وادائيا ما بين الجودة وعدمها.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock