مقالات ودراسات

د.رضا عبد الرحيم يكتب لـ “المسرح نيوز” عن: تمائم المسرح التقليدى اليابانى


المسرح نيوز ـ القاهرة| مفالات ودراسات

ـ

 

د.رضا عبد الرحيم

مسرحي وأثري مصري

ـ

 

 

تمائم المسرح التقليدى اليابانى

د.رضا عبد الرحيم

كان لتغلغل مذهب التغريب(التأثر بالغرب) على ساحة الفنون بشكل عام أثره فى ازدهار الفنون الغربية وفى مقدمتها  المسرح فى الفترة المبكرة من عصر ميجى(1868-1912م)،إلا أنه سرعان ما تتداخل هذا النشاط الغربى مع ظهور المبدأ القومى المتشدد ليحدث ذلك حركة نشطة لإحياء الفنون التقليدية فى اليابان،فيحدث التوازن بين التيارين ،بل يستطيع التيار التقليدى امتصاص وهضم الفنون الغربية؛ففى مسرح الكابوكى التقليدى النشط منذ عصر إيدو استمر فنان الكابوكى كاواتاكى موكوآمى (1816-1893م) فى نشاطه للكتابة للمسرح ،الذى كان يقوم به منذ نهاية عصر الباكفو،وعمل أيضا على إدخال وامتصاص ثقافة الانفتاح الحضارى على الغرب،فكتب مسرحية الكابوكى”حليق الرأس”لكى يؤديها أشهر ممثل لمسرح الكابوكى أونو أى كيكو جرو الخامس(1844-1903م) وكتب أيضا مسرحية “التاريخ الحى”لمؤدى الكابوكى إيتشيكاوا داجورو التاسع(1838-1903م) وكلتا المسرحيتين توضحان العادات الجديدة التى سادت بداية عصر ميجى.كذلك أدى الكاتب المسرحى والناقد تسوبو أوتشيشويو عدة مسرحيات لمسرح الكابوكى أشهرها “سقوط ورقة شجرة البولفينية”وهى مسرحية تاريخية.وقد هدف شويو بهذه النوعية الجديدة من مسرحيات الكابوكى إحداث ثورة فى هذا النوع من المسرح التقليدى فى اليابان.

كان النمط الأصلى للكابوكى يتمثل فى نوع من الرقص تبدو فيه النساء وهن يرتدين أزياء غير عادية.وقد نشأت الرقصة التى تسمى “كابوكى أودورى”فى كيوتو فى بداية عصر إيدو،وقد لفتت الانظار لاسلوبها الحر،وابتكارها،وخلاعتها.وتطورت هذه الرقصات الأولى والمسرحيات الهزلية القصيرة  إلى مسرحيات ذات بنيان درامى محدد.وفى النهاية منعت النساء من الظهور على المسرح بسبب التهديد بنشوب اضطرابات اهلية بين الرجال الذين يتنافسون على نيل حظوتهن.

وظهر رجال أكبر سنا كممثلين جادين كان يسمى بمسرح الرجال الشجعان وذلك على يد الممثل المسرحى سودوا سادانورى (1867-1907م) وخرج من طوره الأول كفن راقص- هزلى  إلى تقديم مسرحيات من التاريخ والاساطير والحياة المعاصرة،وسيطرت موضوعات إنسانية عن الاخلاص والحب ومآسى العائلات .

وفى عام 1889م تم إنشاء مسرح الكابوكى فى طوكيو،وبحلول عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر أظهر مسرح الكابوكى نهضة كبرى كان عمادها المؤديين كيو- ودان وسادانجى الأول وسمى هذا العصر فى مسرح الكابوكى بـ” دان- جيكو-سا”وهى المقاطع الأولى من أسماء المؤدين الكبار ،وكان عصرهم هذا أزهى عصور مسرح الكابوكى على الإطلاق.

وقد ورث الكابوكى شكل مسرح نو(مسرح راقص نشأت اصوله الأولى فى عصر هييان) الذى كان المشاهدون فى الأيام السابقة يشهدونه وهم جلو على الأرض فى الهواء الطلق.غير أنه ظهرت بعد ذلك مسارح كابوكى ذات طابقين ولها أسقف.وطور لمسرح شكله الخاص المجهز بامتداد ضيق للمسرح حتى مكان المشاهدين يعرف باسم”هاناميتشى”(طريق الزهور)وستار مُسدل،وفى النصف الأخير من القرن الثامن عشر ابتكرت الآت مسرحية متطورة،تشمل المسرح الدوار ومصاعد للمسرح .وأصبح للبرنامج الذى يعرض خلال اليوم شكلا محددا،

يشمل مسرحية تاريخية،ومسرحية عن الحياة العصرية وعاداتها،ومسرحية راقصة إضافية،وأدى اعطاء الأولوية للتمثيل على كل شىء آخر فى الكابوكى إلى تعليق أهمية كبرى على ميراث اسم الأسرة وتقاليد التمثيل.

ثم تلقى المسرحى كاواكامى أوتوجيرو (1864-1911م) الراية من سودو سادانورى وطور من هذا المسرح بالتعاون مع زوجته الممثلة المسرحية الشهيرة سادايكو ليصبحا بحق مؤسسين للمسرح الحديث.وقد تم أداء هذه المسرحيات إبان الحرب اليابانية –الصينية لتكون بمثابة المسرح العسكرى،وأطلق على هذا المسرح مسرح الموجة الجديدة.

وكذلك فأنه أثناء وبعد الحرب اليابانية- الروسية تم البدء فى استقدام واقتباس المسرح الحديث الغربى ،وكان الرائد فى ذلك الكاتب والناقد المسرحى تسوبو أوتشى شويو، فقد أسس بمشاركة المسرحى والناقد الفنى هو جيتسو شيمامورا(1871-1918م) فى عام 1906م ما أطلق عليه الاتحاد الفنى الذى من خلاله استطاع الاثنان تقديم مسرحيات شكسبير وإبسن ،ثم تأسس المسرح الحر بعد ذلك 1909م(42 من حكم ميجى) على يد الروائى والكاتب المسرحى والمؤدى فى الوقت ذاته أوساناى  كاثورو(1871-1928م) والممثل المسرحى إيتشيكاواِ سادان جى الثانى(1880-1940م)وواصلا معا مسيرة تطوير حركة المسرح الحديث.

وقد قيل قديما إن المسرح يستمد ملابسه من الواقع ،ولكنه يعتمد فى كثير من الأحيان على استخدام ملابس تخص مجتماعات متباينة ليفاجأ بها الجمهور،والتى لم ير مثلها من قبل أو لم يعتاد عليها ،ويمكن أيضا تصميم ملابس غريبة لا يمكن للجمهور استخدامها.

وفى سعيها لإجتياز الأزمات الإقتصادية الأخيرة تماما،ولضمان إقبال الجمهور،اتجهت بعض المسارح إلى احد اتجاهين،وإن ذهب البعض الآخر إلى الأثنين معا،احدهما اعتمد على مجموعة من الملابس والأزياء الشهيرة التى تنتمى لمجتمعات مختلفة،واعتادت مسارحها استخدامها،خصوصا إذا كانت لديها جالية كبيرة تنتمى لإحداها ،والثانى هو ابتكار مجموعة من الملابس الغريبة والمثيرة ومحاولة إكسابها بعض الألفة.

ومن تمائم المسرح التقليدى اليابانى والتى جاءت فى كتاب جولة فى فنون العرض المسرحى     الصادر حديثا  للاستاذ جمال المراغى الملابس الغريبة والمثيرة ،وهى ما تُعرف بمنتجات”مصنع الدولفين” وهو ما أطلق على صانعى بعض الملابس اليابانية الخاصة جدا التى تعتمد فى تصميماتها على شخصيات اصلية مستوحاه من تاريخ اليابان، ومنها “كيجورومى”وهو عبارة عن ملابس لشخصية رسوم متحركة ما بين حيوان وإنسان،وهى أقرب ما تكون لشخصيات ديزنى،وتميزها الوجه اللامع ذو العيون الواسعة أحيانا ما يكتفى به.وهناك أيضا “كومادورى” وهو يشبه الكابوكى،لكنه دهان على الأجساد العادية،ويمكن أن يجسد العديد من الشخصيات حسب استخدام خطوط ملونة معينة،فاستخدم الخطوط الحمراء يدل على بطل قومى،والخطوط الارجوانية واللحية السوداء للأشرار،والخطوط الزرقاء تمثل المشاعر السلبية مثل الغيرة أو الخوف،ويمكنها أن تدل أيضا على الأشباح،أما الخطوط الرمادية والبنية فهى تشير لكل ما هو غير إنسانى الطبع.

وعلى الجانب الآخر ،فهناك ابتكارات غريبة ومثيرة مثل ايضا مثل الملابس المنتفخة وهوملىء بالهواء، يتراوح طوله ما بين 10 إلى 90 قدما،وأصبحت هذه المنتفخات أكثر شهرة عندما صممت على شكل تمائم لبعض الشخصيات الشهيرة لكل فى هيئة أضخم من احجامهم الطبيعية،وبعضها تحمل سمات الأزياء الشعبية مثل مصارعو السومو وراقصى البالية وغيرهم.

ونقرأ للاستاذة الدكتورة سهير القلماوى مقالا عن فلسفة استخدام الأقنعة فى المسرح وهذا التزاوج بين القناع والمسرح الذى تم فى الألعاب التمثيلية الصامتة التى كانت تزاولها الشعوب القديمة احتفاء بتعاقب فصلى الشتاء والربيع فتذكر أن القناع كان وسيلة من وسائل التخلص من الواقع.بواسطته يحس الراقص أنه ليس هو،وأنه انفصل عن نفسه الدنيوية،ولسحره وقوته الخارقة يستطيع القناع أن يساعد على النقلة إلى عالم الإيقاع الأبدى للكون اللانهائى.

هناك يستطيع الإنسان الضعيف أن يصبح قويا وهناك يستطيع أن يُلزم قوى الشر حدودها وأن يخفيها ويبعدها عن حياته الأرضية.

إنه-القناع- عنوان للتعبير النفسى فى أسمى صوره لا يريد به الصانع أن يصور آدميا أو حيوانا وإنما هو يريد أن يعبر من خلال كل الملامح البشرية وغير البشرية عن الإحساس الإنسانى فى أقوى صوره وأجملها.إن القناع ليس صورة رجل خائف إنه الخوف نفسه وليس صورة رجل ميت وإنما الموت نفسه.

لذلك تدخل فيه كل وسائل الإقناع المعبرة عن المعنى المجرد.إنه يصور الأحاسيس والحالات الإنسانية فى أسمى أحوالها وأقوى قدرتها على الايحاء والتعبير.وإذا كان الفن فى بعض تاريخه يقاس بمقدار دقة ما يصور عن الطبيعة أو الواقع وأمانته فإن الفن الأسمى كان تعبيرا لا تصويرا.إنه ذات الفنان تخرج من أعماقه وليس ما حول الفنان معكوسا على مرآته.لذلك فإن القناع الفنى الحق ذروة من ذرى التعبير لا المحاكاة،ومن هنا جاءت قدرته الفائقة على تحريك الأحاسيس فى كل بيئة. وقد أسهمت هذه الأفكار فى تأسيس مسرح جديد نأى عن اللغة التى بدت “زخرفا على الحركة”واحتفى بالألوان والأضواء والأقنعة.

ولا ينبغى أن تحجب عنا حقيقة انحسار القناع من العروض المُعاصرة،فالمسرح المُعاصر دأب على استبدال القناع بالوجه،والرمز بالرامز،والشخصية المُتخيلة بالشخصية الحقيقية،بسبب هذا رثا “أندرى جيد” عصور الأقنعة،ورأى فى تدهور وظيفة القناع تدهورا فى وظيفة المسرح.

وتعددت أشكال وأنماط الأقنعة فى المسرح التقليدى اليابانى وإن ظلت هناك مجموعة منها فى مستوى أعلى والتى لها أثر تاريخى وحضارى هام ومنها:”الهانيا”  وهو أحد الأقنعة المستخدمة فى مسرح النو،وهو يمثل الشيطان فى صورة أنثى الثعبان ولها اثنين من القرون الحادة وهو مصنوع من المعدن،ويعبر عن النساء اللواتى يتحولن إلى شياطين بفعل الهاجس أو الغيرة،وبدأ استخدامه بداية من عام 1558م، والأبيض منه يعنى امرأة من أصول أرستقراطية والأسود يعنى واحدة من العامة!وهناك أيضا قناع “الهيوتوكو” وهو يعبر عن رجل قادم من النار،وله قصص كثيرة يرويها المؤرخون عن أصل هذا القناع وأهمها أن رجل من نار يشبه وجهه هذا القناع أتى أحد الأباطرة اليابانيين واستطاع أن يشفى ولده من أحد الأمراض المستعصية ولهذا ارتبط هذا القناع باسم الرب عندهم،ومن اشهر الرقصات الخاصة بهذا القناع رقصة الصياد،وهناك مهرجان خاص يقام للهيوتوكو سنويا.

 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock