مقالات ودراسات

د. علي خليفة يكتب: قضايا المرأة في مسرح توفيق الحكيم

المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

د. علي خليفة

 

كان توفيق الحكيم حتى قبيل نهاية النصف الأول من القرن العشرين من الرافضين لخروج المرأة لمشاركة الرجل في كل أمور الحياة وأعبائها، وأكثر من ذلك أنه كان من المؤيدين لحجاب المرأة بعزلها في البيت ورفض سفورها، وعارض في ذلك بعض الذين دعوا لخروج المرأة للحياة، مثل قاسم أمين.
وحين سافر توفيق الحكيم لبعثة علمية في أوروبا في عشرينيات القرن الماضي أعجب بالمرأة الأوروبية في ثقافتها ومشاركتها الرجل في أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، ومع ذلك ظل رأيه ثابتا في المرأة المصرية في ضرورة مكوثها في البيت وعدم خروجها منه لمشاركة الرجل في الحياة العامة في المجتمع والسياسة، وظهر هذا جليا في مسرحياته ومقالاته، خاصة مقالته الشهيرة التي هاجم فيها المرأة والبرلمان في مصر قبل ثورة يوليو، وقال فيها: إنه عدو للمرأة والبرلمان؛ لأن طبيعتهما واحدة، وهي الثرثرة التي لا طائل فيها، وحوكم توفيق الحكيم من أجل هذه المقالة، وخصم منه في شهر نصف مرتبه.
ولم يتراجع توفيق الحكيم عن مواقفه المتعنتة من المرأة إلا بعد أن تعلمت أكثر النساء المصريات، وشارك بعضهن في أعباء المجتمع مشاركة جادة ومؤثرة، ورأى توفيق الحكيم عند ذلك من المصريات نساء مثقفات رائدات في المجتمع لا يقل شأنهن عن مثيلاتهن في المجتمع الأوروبي، ومع ذلك ظل الحكيم معتبرا نفسه في أحاديثه الصحفية عدوا للمرأة، لا لكرهه لها أو لانتقاصه إياها، ولكن لأن شهرته بعداوته للمرأة قد حققت له شهرة كبيرة، وحكيت عنه مواقف طريفة في ذلك الأمر.
وسنعرض الآن موقف توفيق الحكيم من قضايا المرأة، وسنرى تطور موقفه من هذه القضايا مع تتابع السنين:
أولا: موقف توفيق الحكيم من المرأة في اختيار شريك حياتها
لم يكن مسموحا للمرأة المصرية في أغلب الأوساط الاجتماعية فيها حتى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين – وربما بعده أيضا – بأن تختار شريك حياتها، أو يكون لها رأي في الشخص الذي يتقدم لوالدها أو لولي أمرها للموافقة عليه، فغالبا ما كانت تجبر على الزواج منه، وأحيانا لم يكن يسمح لها برؤيته إلا بعد زواجه منها.
وكان توفيق الحكيم – كما يتضح من بعض مسرحياته – معارضا هذا الأمر، فكان حتى في الوقت الذي يدعو فيه لمهاجمة سفور المرأة من المؤيدين لأن يكون للمرأة رأي في الشخص الذي يتقدم إليها للزواج، وكان يرى ألا تجبر المرأة على الزواج من شخص لا تريده، ونرى مثالا على ذلك في مسرحية صاحبة الجلالة، ففيها نرى وجدان تحب خطيبها الشاعر والملحن حمدي، وهو أيضا يحبها حبا شديدا، وقبيل ليلة زفافهما يتصادف أن يراها الملك فاروق، ويطلبها للزواج، ولا يستطيع أهلها أن يعترضوا على طلب الملك فاروق الزواج من ابنتهم، كما لا تستطيع هي ذلك، ، وتجبر وجدان على الزواج من الملك فاروق قسرا، وتبعد في الوقت نفسه عن حبيبها حمدي.
وقد أظهر توفيق الحكيم الملك فاروق في هذه المسرحية بصورة منفرة، فأظهره شخصا مغتصبا، وهو لا يكتفي بأخذه وجدان بقوة منصبه، ولكنه يغتصب حقوق الشعب في سلبه أمواله التي كان يرسل بها لحسابه في بعض بنوك سويسرا، ومن الواضح أن توفيق الحكيم قد عرض هذه الصورة عن الملك فاروق في هذه المسرحية دعاية لثورة يوليو، فقد كتبها بعد قيامها بوقت قليل، وقد تراجع توفيق الحكيم عن مواقفه العنيفة هذه من الملك فاروق في كتاب عودة الوعي، وكتاب وثائق في طريق عودة الوعي.
ونرى توفيق الحكيم في مسرحية المخرج يظهر فتاة مثقفة جريئة يعجب بشخصيتها وثقافتها مخرج سينمائي، ويطلبها للزواج، فترفضه؛ لأنها لا تعرفه معرفة جيدة، ولأنها مشغولة بعمل رسالة ماجستير تثبت بها بالعقل والمنطق وجود الله عز وجل.
ومن الطريف أن نرى توفيق الحكيم في مسرحية كتبها سنة ١٩٤٦ لا يكتفي بإظهار رغبته في أن يكون للمرأة رأي في الشخص الذي يتقدم لها للزواج، بل إنه في هذه المسرحية يعرض لنا امرأة مصرية مثقفة وجريئة تحب رجلا مشهورا بكفاءته، ومشهودا له بحسن السمعة في عمله وفي علاقته بالناس، وتأتي هذه المرأة إليه في مكتب المحاماة الخاص به؛ لتعرض عليه الزواج منها من خلال حيلة لطيفة قامت بها معه، فقد أخبرت هذا الشخص أن قضيتها هي أنها تريد أن تملك نفسها لشخص، ويستغرب ذلك المحامي من طلبها هذا، ثم تعرفه أنها ترغب في أن تتزوج من شخص، وتريد منه أن يساعدها في كيفية عرض طلبها هذا عليه.
ويعجب هذا المحامي بهذه المرأة وثقافتها وشخصيتها، ويطلب يدها للزواج، فتخبره أنها هي التي طلبت يده في البداية للزواج، وينادي ذلك المحامي على كيل مكتبه، ويأمره بأن بحضر له مأذونا فورا.
ثانيا: موقف توفيق الحكيم من حرية المرأة وسفورها
قلت: إن توفيق الحكيم كان في بداية الأمر من المعارضين لحرية المرأة وسفورها بأن تخرج للمجتمع وتشارك الرجل في كافة مجالات الحباة، وعارض في هذا الوقت من كانوا يدعون لسفور المرأة وحريتها خاصة قاسم أمين.
وأظهر توفيق الحكيم في مسرحية المرأة الجديدة – وقد كتب توفيق الحكيم هذه المسرحية سنة ١٩٢٣وعرضها جوق عكاشة سنة ١٩٢٦ وأعاد توفيق الحكيم صياغتها ونشرها ضمن كتابه المسرح المنوع سنة ١٩٥٦ – مخاوفه من سفور المرأة وخروجها لمشاركة الرجل في كافة مجالات الحياة، فأرانا فيها بعض النساء المناديات بالسفور في صور منحرفة، فمن تزوجن منهن ظهرن خائنات لأزواجهن، ومن لم يتزوجن منهن أظهرهن توفيق الحكيم في هذه المسرحية كثيرات العلاقات بالرجال، بل منهن من رغبن عن الزواج حتى لا تتقيد حرياتهن اللائي يحققنها في ذلك السفور، وركز توفيق الحكيم نظرته لمعارضة السفور في هذه المسرحية على ليلى التي رفضت الزواج من مصطفى مع إعجابها به؛ لأنها ترفض فكرة الزواج عموما، وتخشى من أن تفقد حريتها في السفور لو تزوجت.
وعبر توفيق الحكيم في هذه المسرحية عن رفضه لسفور المرأة وحريتها خاصة في نهايتها على لسان مصطفى الذي طلب إلى محمود والد ليلى أن يعيدها للبيت، ويغلقه عليها، وعندها ستوافق على أول رجل يتقدم إليها.
وقد ذكر توفيق الحكيم أنه قد تراجع عن موقفه المتعنت من حرية المرأة، كما أظهرته مسرحية المرأة الجديدة.
ثالثا: موقف توفيق الحكيم من تطلع المرأة لمشاركة الرجل كافة المهام والأعباء
تظهر لنا المسرحيات التي كتبها توفيق الحكيم في ثلاثينيات القرن الماضي أنه كان من الممانعين بشدة لمشاركة المرأة الرجل في الأعمال الاجتماعية والسياسية التي يقوم بها في المجتمع، فكان يستنكر رغبة بعض النساء في العمل بالمحاماة أو الطب أو العمل السياسي كأن تكون نائبة في البرلمان، وكان يصور هؤلاء النساء اللائي يتطلعن للقيام بهذه الأعمال بريشة السخرية وأحيانا من خلال الرسم الكاريكاتوري.
فنراه في مسرحية جنسنا اللطيف – التي كتبها بدعوة من هدى شعراوي سنة ١٩٣٥ لتمثل في مناسبة تخص المرأة – يظهر سخريته من جماعة من النساء يعملن في أعمال يقوم بها الرجال، كالعمل بالمحاماة والعمل في الصحافة.
ونرى في هذه المسرحية مجدية تستعد لأن تكون أول قائدة طيارة في العالم العربي، وتضغط على زوجها مصطفى مستعينة في ذلك ببعض صاحباتها حتى يرافقها في تلك في أول رحلة لها تقود فيها طائرة للعراق.
وبينما تظهر مجدية في هذه المسرحية حريصة على حقوق المرأة وتحدي الرجل في أن تقوم المرأة بكل الأعمال التي ظن الرجل أنها من حقه فقط نراها مقصرة أشد التقصير في بيتها، وهذا ما قصد إليه توفيق الحكيم في هذه المسرحية؛ ليؤكد موقفه من أن عمل المرأة سيؤدي لإهمالها عملها في البيت، كما أنها لن تنجح في مشاركتها الرجل في الأعمال التي يقوم بها خارج البيت.
ونرى توفيق الحكيم يتراجع خطوة عن ممانعته لمشاركة المرأة الرجل في العمل خارج البيت، وذلك في مسرحية حديث صحفي التي كتبها سنة ١٩٣٨ لتعرض في الاتحاد النسائي المصري في ذلك الوقت.
وفي هذه المسرحية يظهر توفيق الحكيم كاتبا معجبا بالفيلسوف شوبنهور الشديد العداء للمرأة، ويظهر ذلك المؤلف مثله معاديا للمرأة ورافضا خروجها للعمل مع الرجل، ثم نرى فتاة تدخل عليه في مكتبه، وتظهر رغبتها في الزواج منه، وتعرف من حديثها معه مواقفه من المرأة، وترد عليه فيها، ثم يكتشف ذلك الكاتب أن هذه الفتاة هي صحفية، وقد تمكنت بهذا التنكر أن تأخذ منه حديثا صحفيا بشكل غير مباشر، وكان رافضا أن يقابل أي صحفي في هذا الوقت.
ونرى توفيق الحكيم وإن كان مع مرور بعض السنين قد اقتنع بعمل المرأة في بعض الأعمال خارج البيت – كما ظهر هذا في مسرحية حديث صحفي – فإنه حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين كان غير مقتنع بمشاركة المرأة المصرية الرجل في أمور السياسة؛ ولهذا نراه بيدي سخريته في مسرحية النائبة المحترمة من عمل المرأة نائبة في البرلمان المصري، وأظهر النساء اللائي يعملن في البرلمان آنذاك بأنهن منصرفات عن أمور البرلمان السياسية لزينتهن وإظهار مفاتنهن، وحتى تلك النائبة المحترمة منهن أظهرها مقصرة في بيتها، واتخذت هذه النائبة قرارها في النهاية بترك البرلمان والعمل السياسي؛ وهي بهذا تعد عنده نائبة محترمة.
وأعتقد أن توفيق الحكيم قد تراجع عن موقفه هذا من المرأة في مشاركتها في العمل السياسي والاجتماعي في المجتمع، كما تظهر هذا مقالات له، وأيضا نرى صدى هذا في مسرحية شمس؛ لأننا نرى فيها أميرة تستعد لتكون ملكة على بلد من البلاد بعد أبيها، فنراها تقوم بالسير في بعض البلاد ومراقبة الناس فيها بصحبة خطيبها قمر الزمان؛ حتى تكتسب خبرة بالحياة والناس، وتكون مهيئة بعد ذلك لحكم تلك المملكة.
قد تكون صورة لـ ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏نص‏‏
Mohamed Sayed Barakah، صالح الخليفة و٩ أشخاص آخرين
٤ تعليقات
مشاركة واحدة
أعجبني

تعليق
مشاركة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى