مقالات ودراسات

د. مؤيد حمزة يكتب: المونودراما المزدوجة.. الفكرة التي خدعت أصحابها!

د.مؤيد حمزة

دكتور في الفنون المسرحية / الأردن

 ـ

يمكننا بدون أدنى شك أن نُعيد مسألة إبتداع فكرة المونودراما المزدوجة أو التعاقبية بمساها الأصلي للفنان فاروق صبري. في هذه المقالة سنقوم بتدارس تلك الفكرة التي تبلورت في أشكال ثلاثة حتى الآن :

  • بيان فاروق صبري حول ما أسماه المونودراما التعاقبية.
  • عرض ميثم السعدي بعنوان (فلا أنا بلقيس ولا فيكم نبي) والذي اعتبر أول مونودراما مزدوجة.
  • نص عادل البطوسي الموسوم بياراجويا والذي قدمه كأول نص مونودراما مزدوج.

وعليه، سوف نقوم في هذا المقالة بمناقشة هذا الخطوات:

بيان المونودراما التعاقبية: 

ينطلق فاروق صبري من منطلق تاريخي ويقدم فكرته في قالب العودة إلى أصول المسرح إذ يصر على اعتبار ثسبيس المونودرامي الأول، حيث يذكر: “كان ثيسبيس يركب عربة يجرها حصان واحد يتجول في الشوارع ليعلن عن عرضه المسرحي – الملامح الأولى لمسرح الشارع- وبعد إيقاف عربته ليستقر في ساحة ما يتراكض الناس صوبها ومن ثم يتحلقون حولها، يترجل منها ثيسبيس ليبدأ بسرد رواية العرض مؤدياً كراو لأحداثها الشيقة، وممثل لشخصياتها المختلفة، وبذلك يمكن القول أن ولادة المسرح بدأت بالمونودراما مع هذا الممثل الإغريقي الرائع وذلك حوالي عام 534 قبل الميلاد”. وهنا نلاحظ على الفور إساءة دراسة التاريخ بطريقة أدت لتكوين فرضيات خاطئة تم البناء عليها فيما بعد. وعلى الرغم من تكرار ذكر مثل هذه المعلومات المسلوقة سلقاً في أكثر من مرجع عربي لا يتبع التحليل العميق للمعلومة، ولا يُواكب الدراسات الحديثة في مجال تاريخ المسرح، ويظن أصحابها أن الموضوع تاريخي قد حسم وكشفت كل خباياه ولا داعي لدراسته أو العودة إليه بمجرد التخرج من مرحلة البكالوريوس.

فعند العودة لتاريخ المسرح نجد أن المظاهر الأولى للمسرح في أثينا قد بدأت كمواكب سيارة خارج المدينة ولم يكن يسمح للنساء بحضورها، في حين كان يحضرها كل الطبقات الإجتماعية من الرجال. وكان كل موكب يمر من خلال حشود المتفرجين الذين يقفون على الجانبين بحيث يسمح للمتفرجين بمشاهدة كل موكب بشكل متتالي أو تعاقبي (إن شئت)، ويقوموا بأداء رقصات وأغنيات (كوموس أدوي)- والكوموس هي المواكب السيارة من السكارى، والذين كانوا يدهنون وجوههم بحثالة النبيذ ويقوموا بأغاني الفحش وحركات تهريجية بالإضافة إلى اشتهارهم بالعري حيث كانوا يكتفون بارتداء زي الماعز. من هنا نشأ مصطلح الكوميديا، وتراجوس أودي أغاني الماعز، والماعز رفيق ديونيسوس، وقد كانت هذه الأغاني تؤدى أيضاً من قبل مواكب سيارة وتتناول الجانب المحزن من أسطورة ديونيسوس. عملية التنظيم اللاحقة لهذه العروض- والتي حدثت نتيجة لعوامل محددة سنتطرق إليها في دراسات أخرى- أدت إلى تجميع كل فرقة من الفرق في مكان واحد محدد يجمع الفرقة (الجوقة أو الكورس) والجمهور بحيث يكون الجمهور قادراً على متابعة كل حيثيات العرض.

ما قام به ثيسبس هو أن أخرج شخصاً من الجوقة كان يجيب على تساؤلات الجوقة كان يطلق عليه اسم “الهيبوكروت” أي المجيب وعادة ما يسمى بالمراجع العربية باسم الممثل الأول. وبالتالي فإن فكرة عربة ثيسبس التي يجوب بها المدن والقرى ويقدم عرضه عليها هي فكرة من وحي خيال كتاب أسقطوا تجارب الغستريوني وهم المسلين الجوالين في العصور الوسطى على تجربة ثيسبس.

وبالتالي فإن اعتبار ثيسبس المونودرامي الأول غير صحيح على الإطلاق لا من حيث أنه كان يمثل منفرداً، كما يفترض الفنان فاروق صبري، ولا من حيث أنه أخرج الممثل الأول كما أسماه المسرحيون العرب أي الهيبوكروت، والذي لم يكن ممثلا مونودراما وأنما مجيب على الكورس.

هل عرف اليونان المونودراما؟

بدون شك. ففي أثينا الديمقراطية كانت الدولة (الحكومة) هي التي تتولى عملية تنظيم أعياد ديونيسوس التي تقدم العروض خلالها. وهذا لا يعني أن باقي المدن اليونانية كانت تتمتع بنفس الحالة. ففي اسبارطة مثلاً التي كانت ديكتاتورية عسكرية لم يعرف المسرح، كما وعرفت أثينا في العصر الهيليني أشكالاً أخرى للمسرح “شعبية الطابع” مثل الميم والبانتوميم والفلياك والتي لم ترتبط أبداً بأعياد ديونيسوس.

الميم: مشاهد كوميدية تهكمية. شخصياتها من الحياة اليومية تُلبس الآلهة والأبطال بأزياء هزلية، مثلت فيها النساء من خلال أداء الرقصات والحركات الأكروباتية، ولم يرتد ممثلو هذا الشكل الأقنعة.

البانتوميم: مشاهد راقصة صامتة. عادة ما تكون لمواضيع ميثولوجية، تؤدى بواسطة ممثل واحد.

الفلياك: مشاهد كوميدية تختلف عن الميم بضرورة استخدام القناع، استخدمت أسلوب التهكم في الجزء الأكبر على الميثولوجيا، إلا أنها تناولت موضوعاتها من الحياة اليومية أيضاً. انتشر هذا الشكل في المستعمرات الإغريقية بالتحديد.

وعلى الرغم من أن هذه الأشكال المسرحية قد عرف بعضها(الميم والفلياك) في مدينة “دورا” قبل العصر الهيلليني، إلا أن البانتوميم قد جُلب من الشرق بفعل فتوحات الاسكندر.

          أجد هذه المقدمة ضرورية لتوضيح الكثير من سوء الفهم حول الموضوع الذي نتطرق إليه ومواقف المنظرين. فمن خلال هذه المقدمة نجد أن الخلفية النظرية التي أرفقها الفنان فاروق صبري – على عجالة – في بيانه الذي أعلن فيه عن فكرة المونودراما التعاقبية باطلة من الناحية العلمية.

          بعد المقدمة النظرية التي قمنا بتفنيدها للأستاذ فاروق صبري يأتي في بيانه على ذكره الأشكال المقترحة للمونودراما التعاقبية:

  1. يروي لنا الممثل الأول حكاية العرض فإن فرغ من عرضها يبدأ الممثل الثاني بسرد نفس الحكاية ولكن من وجهة نظر مختلفة، وربما متعارضة عن الممثل الأول”.. هي نفس التقنية الموظفة في مسرحية بوابة راشومون والكثير من الأفلام المشهورة، ولكن الفنان صبري هنا يقترحها بحيث لا يتواجد على الخشبة المسرحية أكثر من ممثل واحد في نفس الوقت.. أي أنه يقترح عرضاً لا يجوز وصفه بالمونودراما لأن العرض ككل متكامل يتم تجسيده من خلال أكثر من ممثل، ولكنه يحتوي على مجموعة من المشاهد المونودرامية التي لا يشكل أي منها عرضاً قائماً بحد ذاته.
  2. ممثل واحد يروي حكايته الشخصية، والحكاية تفرش أمامنا أحداثاً وشخصيات وما ان ينهي أو على وشك الانتهاء من روايته، يحدث عبر تغيير في بعض تفصيلات االخشبة: الانارة والأزياء والإكسسوار و.. و.. و.. يظهر الممثل نفسه بملامح مختلفة يشخص شخصية رئيسية ثانية من الحكاية ليرويها ولكن لبعض مفاصلها التي تبدو مختلفة وربما متعارضة عن حكاية الشخصية الاولى” .. هنا يقترح الفنان صبري عرضاً كاملاً مونودرامياً يستخدم فيه نفس التقنية التي استخدمها ممثل المايم والفلياك والبانتوميام في العصر الهيلليني.
  3. “حكاية ما يرويها ممثل وما أن يصل نصفها نفاجأ بممثل أخر مختلف شكلاً واداءً في الجسم يكمل الحكاية والنفس وفي بعض سياقات البنية المضمونية والجمالية للحكاية” .. طبعا لا أعرف مبرراً لتسمية هذا الشكل بالمونودراما أصلاً.

من كل ما سبق نلاحظ أنه لا يمكن اعتبار الفكرة إبداعية أصلاً لعدم توفر العناصر الرئيسة للعمل الإبداعي فيها وهي: (الجِدة. الأصالة. الحساسية للمشكلات. المرونة)

ننتقل إلى العرض الذي أصر أصحابه على اعتباره أول تحقيق عملي لمشروع المونودراما المزدوجة “لا أنا بلقيس ولا فيكم نبي”.

ففي هذا العرض المتواضع بكل المقاييس استخدمت تقنية تقسيم الخشبة إلى نصفين بحيث تبدأ ممثلة – في الجانب الأيمن من الخشبة- بالسرد الممل لمدة عشر دقائق يليها ممثل ينافسها في سرده الممل ولنفس المدة ثم تردف الممثلة ونعود للممثل في عرض لا علاقة له بالمونودراما ويعتمد أساساً على السرد والوصف، في نص يفتقر إلى الدراما التي تكشف عن الأحداث بلغة الفعل ورد الفعل. ومحاولة البعض تسجيل سبق أو براءة اختراع لعمل غير إبداعي أصلاً أمر يثير الإستغراب فعلاً، ولكن الأكثر إثارة هو كم التنافس الذي يحدث حول هذا الموضوع والصراع حول صاحب الأسبقية.. حتى وصل الأمر ببعضهم أن وصف البعض الآخر بالسرقة، وإن كانت الفكرة بحد ذاتها غير ذات شأن ولا تستحق أن تسرق أصلاً ! هل وصل الأمر ببعض المثقفين أن لم يعودوا قادرين على تمييز ما يستحق أن يسرق وما لا يستحق؟!!!

ننتقل إلى نص ياراجويا والذي يصر صاحبه على تقديمه بصفة: أول نص مونودراما مزدوجة “في تاريخ المسرح“:

          يعتمد النص السرد والوصف وشرح ما سيحدث وما ستقوم به الشخصية وكأنه كاتب خواطر يعتمد جمالية اللغة بشكل مبالغ به ومقحم من خلال استخدام ألفاظ مقعرة، في المقابل يجهل أبجديات الكتابة المسرحية الدرامية. فالدراما فعل، وليست وصفاً وسرداً، وتعمد إقحام الفاظ لغوية غارقة في عالم الأدب تسمى هذه العملية بالعامية المصرية (كلمات مكعبرة). فأنا كمشاهد لا تهمني جمالية اللغة في المسرح – على لسان الشخصيات- عند غياب اللغة الدرامية. ويظهر هذا من بداية المسرحية حتى أنه لا يتورع عن أن يذكر على لسان بطلته يارا كيف وصفها الشعراء، ثم تعود لتشرح لنا كيف تبدو هي الآن على أرض الواقع (وكأنه يفترض بالمشاهد أنه لا يُشاهد)… وتعود لوصف جمالها من جديد… صفحة 7، 8 “على سبيل المثال لا الحصر”. أما في الصفحة 6 من النص فيتحدث الكاتب عن “رقصة الظل”!! هل يوجد رقصة اسمها رقصة الظل أم هي ابتكار جديد للبطوسي نسي أن يسجله باسمه؟ وأن يطالب كل أصدقاءه بالكتابة عنه ؟!!

          وهذا طبيعي جداً عندما يكون المؤلف منتمياً لعالم الأدب أصلاً وقرر الكتابة للمسرح، لأن اقتحام العملية المسرحية أمراً يُستسهل في وطننا العربي. وبالمناسبة الجوائز ليست شهادات كفاءة. أتمنى من المخرجين الذين تدافعوا للمجاملة، وورطهم المؤلف بتسجيل مجاملاتهم على منشوره المسمى ياراجويا أن يقوموا بإخراج النص كما هوسيما وأنه وصفوه بأنه نصاً إبداعياً.

          طبعاً لا يمكن أن نتناسى الملاحظات الإرشادية التي يقدمها الكاتب ((مؤلف أول مونودراما مزدوجة بتاريخ البشرية)) ليرشد المخرج المفترض للطريقة الأنسب لعرض إبداعه.. هذه الملاحظات تجعلنا نفكر بإقرار ريادته المونودرامية بل والموافقة على أنه أول مسرحي في العالم في مقابل ألا يتصدى لعملية الإخراج كما قرر أن يقتحم التأليف من قبل.

          بعد كل ما ذكر نستغرب كل هذه الضجة حول هذا الموضوع ونستغرب أكثر أن يقوم مخرجون بتوريط أنفسهم بمدح نص بكلمات لا تقل في (كعبرتها) عن كلمات النص نفسه دون أن يتطرقوا بشكل مباشر إلى أوجه القوة في النص، وهل هم (أي السادة المخرجون) الذين امتدحوا النص على استعداد لتقديم النص كما هو بعد كل ما كتبوه عنه؟

          لا يوجد أي مبرر للتنافس على الريادة في موضوع أسميتموه بالمونودراما المزدوجة وليس أنتم من يقرر إن كنتم قد قدمتم الجديد أم لا فلا يمكن للتنظير والنقد أن يسبق العرض.. بل يفترض بالعرض أن يسبق النقد. للدلالة على ذلك أذكركم بأن ثيسبس عندما أخرج الهيبوكروت من الكورس لم يؤطر ذلك في نظرية ولم يكتب الجملة التالية: “ولما كان هذا المشروع ابتكاريا وغير مسبوق عملياً لذا أتمنى عليكم منحي حق الامتياز مع خالص الشكر”. ولا كذلك فعل إيسخيلوس ولا سوفوكليس، عندما أضاف كل منهما ممثلاً، ولا من لحق بهم.

          في الوقت نفسه لم يقم إيسخيلوس وسوفوكليس بالمنافسة والمخاصمة عندما أضاف سوفوكليس الممثل الثالث بعد أن أضاف إيسخيلوس الممثل الثاني من قبل، بل ولم يتورع إيسخيلوس نفسه عن كتابة نصوص فيها ممثل ثالث أيضاً.. لم يؤدي ذلك إلى خصام ولا إلى حذف بعضهم البعض من قوائم الأصدقاء في الفيسبوك. بل جاء أريستوتيل، وبعد وفاة إيسخيلوس بنحو سبعين عاما (72 عاماً)، ليكتب عن إبداعات المسرحيين العظام وهو لم يعاصر أياً منهم وإنما رأى آثارهم. فلننتظر لنرى آثار أعمالكم قبل أن تُقدموا عبارات من قبيل: “أول مونودراما مزودجة في التاريخ“!!!!!

خاتمة

لا يمكن النظر إلى هكذا أفكار إلا من باب أنها تجارب لفكرة أطلقها فاروق صبري في بيان يحمل الكثير من التساؤلات، إلى عرض ضعيف بكل المعايير، وانتهاء بنص لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يطلق عليه وصف درامي وإنما مجرد سردية.

          الشيء الوحيد الجديد في كل هذه الزوبعة التي أُثيرت حول هذا الموضوع هو أنهم أثبتوا عدم استفادتهم من تاريخ المسرح، وهذا طبيعي فالكثير من المخرجين والممثلين أهملوا دراسة التاريخ اعتقاداً منهم أنها مادة لا علاقة لها بالإبداع، والحقيقة عكس ذلك تماماً. فمن خلال دراسة تاريخ المسرح بالتحديد قدم عباقرة مسرحيين من أمثال مايرهولد وكريغ نظريات أدت لتغيير مسارات المسرح الحديث والمعاصر. .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق