مقالات ودراسات

د. محمد سيف يكتب من باريس عن .. كتاب “الضحك” لهنري برغسون

 المسرح نيوز ـ باريس | د. محمد سيف 
ـ
كتاب “الضحك” لهنري برغسون، دعوة مفتوحة للبحث عن معنى للضحك، ليس لأنه يجعلنا نفهم معنى الجد فحسب، وإنما لأنه يعبّر عن الحياة. وضع هذا الكتاب تحت المجهر، من شأنه أن يمدّنا بمفاتيح لازمة لفهم فلسفة الضحك، وخصوصاً في أزمنتنا المعاصرة. التساؤل حول معنى الضحك، هو في الحقيقة، تساؤل عن معنى الحياة. يتطرق نص برغسون إلى معنى الوثوب الحيوي، والشرح الذي تقترحه الظاهرة الحية، محاولا أن لا يحبس الأصالة الهزلية ضمن حدّ أو تعريف، فهي قبل كل شيء، مثلما يقول “شيء حي. ونحن نعالجها، مهما كانت خفيفة، بما يجب من احترام للحياة”.
وبما أن الأصالة الهزلية تنبثق من الحياة الواقعية، وتقترب من الفن، “فكيف لا تقول لنا كلمتها أيضا في الفن والحياة؟”. الحياة من خلال الهزل تمنح نفسها نوعا من اللعب.
السؤال الذي يطرحه برغسون هنا، هو معرفة ماذا يوجد في عمق الشيء المضحك. ماذا يوجد من مشترك بين تكشيرة المهرج، والتلاعب بالكلام، وغمز المسرح الهزلي، ومشهد الكوميديا الذكية؟ ما هو هذا التقطير الذي يعطينا روح العطر، الدائم الذاتية، الذي تأخذ منه المستحضرات المتنوعة: إما رائحتها المزعجة وإما عطرها الناعم؟ ينطلق برغسون في دراسته للضحك من ثلاث ملاحظات يعتبرها مهمة جدا لفهم الهزل، تتناوله بالذات أقل مما تتناول المكان الذي يجب التفتيش عنه فيه. لا شيء هزلياً خارج ما هو بشري يجب فهم هذا الاقتراح والإصغاء إليه بشكل جيد. يكتب برغسون: “إن المنظر يمكن أن يكون جميلا ولطيفا وساميا وتافها أو قبيحا، لكنه لا يكون البتة مضحكا.
لكننا يمكن أن نضحك من حيوان، لأننا نعثر فيه على موقف يشبه موقف الإنسان أو على تعبير كتعبير البشر”. إي أن برغسون ينظر، بكل تأكيد، إلى ضحك الإنسان، ولا ينظر إلى مسألة ما إذا كان هذا الحيوان يمتلك موهبة المرح. يعزو ضحكنا على الحيوان وحركاته إلى الرعونة التي ترافق تصرفاته التي تشبه إلى حد كبير عدم مهارة الإنسان ورعونته، في بعض الأحيان. فحينما نشاهد كلبا صغيرا يدحرج كرة قدم صغيرة برجليه محاولا أن يتقدم بها نحو الأمام أو يصعد فوقها محاولا ركلها إلى الوراء، وفجأة، يسقط أرضا، نضحك، لأن ما نشاهده مثال على عدم المهارة، مثلما نضحك على رجل يمشي ويسقط فجأة بسبب تعثره في حجارة، أي أن ضحكنا على الحيوان متأتٍّ من مشابهة الحيوان لتصرفات الإنسان، ومن الطابع الذي تركه هذا الأخير فيه. عرّف فلاسفة الإنسان بأنه “حيوان يعرف كيف يُضحك”، وكان يمكنهم أن يعرّفوه، مثلما يقول برغسون، بأنه “حيوان يُضحِّك”. اللاإحساس كشكل أساسي لإنتاج الضحك ينفجر الضحك في وسط مناخ هادئ ومتماسك جدا.
إنه يعارض بشكل طبيعي التورط التراجيدي للذهن في حالة من الحالات المجربة. لذا يجب علينا امتحان باعثه الخفي، الذي يعتبر واحداً من ميكانيكياته الأساسية. التناقض واضح. يقول برغسون: “أنا لا أريد القول إننا لا نستطيع الضحك من شخص يثير فينا الشفقة، أو حتى الود: إذ عندها فقط، وللحظات، يجب علينا نسيان هذا الود والعمل على إسكات هذه الشفقة”.
كم هو مدهش وعجيب انتقالنا من حالة التراجيديا إلى الكوميديا الأكثر مرحا بفضل كبار ممثليها. تشارلي شابلن، على سبيل المثال، يبقى طبيعيا جدا في تعابير وجهه وهو مأخوذ في حالاته الأكثر تعاسة، وبؤسه الكلي في فيلم “الطريق نحو الذهب”، الذي يبدو فيه كأنه يبكي تقريبا لأجل أن يُضحك. يستعمل برغسون كلمة “إحساس” في معناها المؤثر والمثير للعواطف. فهو يريد أن يقول ما معناه، إننا إذا تماثلنا مع الدراما فإن هذا الاندماج الذي يحدث، عادةً، من جراء الانفعال، يحيل عرض الحياة على شيء جاد جدا. وسيرينا الأشياء الأكثر خفة تتخذ وزنا، ويغلف التلوين القاسي كل شيء. ولو ابتعدنا وشاهدنا الحياة كمتفرج لا مبالٍ، فإن الكثير من المآسي تتحول كوميديا. يكفي، مثلما يقول، أن نسد آذاننا بوجه صوت الموسيقى، في صالون فيه حفلة راقصة، حتى يظهر لنا الراقصون سخفاء في الحال. الهزل يتطور في قلب الذكاء المشترك جميعنا يعرف الضحك المتواصل الذي يتدفق وينتشر بفعل العدوى.
يتخذ برغسون موقفا بدعمه وتبنيه الضحك الذي يحتاج إلى الاستجابة الجماعية التي تخفي خلفها فكرة تفاهمية، وتواطوئية مع الضاحكين الآخرين، الحقيقيين أو الخياليين. وكم من مرة قيل إن ضحكة المشاهد في المسرح، تكون أعرض كلما كانت الصالة ممتلئةً أكثر. الضحك اجتماعي أكثر منه أدبياً. هناك الكثير من الآثار الكوميدية ليست قابلة للترجمة من لغة إلى أخرى، لأنها متعلقة بالأدب، وبأفكار مجتمع معين. بعد طرح برغسون هذه الملاحظات الثلاث، في بداية كتابه مباشرة، يستغرق في تساؤلاته وشروحه حول فهم الضحك، وكيفية وضعه في وسطه الطبيعي الذي هو المجتمع، من أجل تحديد وظيفته الاجتماعية المفيدة. الحياة عبارة عن حركة دائمة تتدفق بشكل مستمر، لا تعرف التوقف. لا يوجد في هذين الاستمرار والتدفق الدائم ما هو مضحك، لأنه مثال للتعبير الطبيعي والتلقائي للحياة وللحيوية. وحينما نشاهد أسدا يسير بحركة مرنة، ومنتظمة رشيقة فوق هضبة عالية مليئة بالأعشاب، متجها نحو فخ نصبه له أحد الصيادين، فإن هذا الحدث لا يثير فينا الضحك، لأننا نعثر في مشيته على الثقة العالية، والقوة، والمرونة والجمال الطبيعي الذي يتميز به.
لكن لو انزلق، فجأة، فوق صخرة وسقط أرضا، سيكون ذلك بلا شك مثيرا للضحك. هذا القطع غير المتوقع في مظهر حركته، وهذه المفاجأة، يمكن أن يفجرا الضحك. لكي نكون دقيقين، فإن ما يعنينا، هو ملاحظتنا لحذره في استمرار حركته، الذي ينقطع فجأة. مثله في ذلك، مثل رجل يسير في شارع طويل، فيبدو لنا هذا عادياً جدا، ولكن ما إن تنزلق قدمه ويسقط في مجرى مائي، حتى يثير سقوطه المفاجئ الضحك، ولو كان حذرا في مشيته بما يكفي لتجنب السقوط وضحك المارة الآخرين. وبما انه لم يكن حذرا، فإنه قام بحركته بنوع من التصلب الميكانيكي الذي ليس له علاقة بمرونة الحياة. سقط بسبب تصلب حركته، وهذا ما جعل المارة يضحكون.
ما يجعلنا نضحك، ليس التغير المفاجئ، بل الشيء غير الإرادي في التغير، وعلى وجه التحديد، في تدخل شيء ما ميكانيكي على حركة الرجل الحيوية، في حين أن عضلاته بقيت تقوم بالحركة نفسها على رغم تغير الظروف، ولذا وقع، وضحك الناس عليه. الحياة تتدفق، تسير لأنها مرهونة بالمدة، التي هي الزمن وعنفوانه الدائم الخلق. الحياة تدفق مستمر لا يعرف الانقطاع أو التوقف، وهذا ما يغذي الطبيعي ويعطيه سهولة وبساطة لا تعليق عليهما. في حين، أن التعقيد قسوة وتصلب، وميكانيكية لا تتدفق، لذا فهي تلفت انتباهنا، ويمكن أن تضحكنا. نقبض هنا على مبدأ ونهج، من خلالهما يمكننا أن نفبرك آلاف المؤثرات الكوميدية. هذا على سبيل المثال، مبدأ الهزل، المجسد، مثلا، في شخصية المهرج الذي يتحدث مع جيرانه فيصطدم بعمود، ويجلس فوق كرسي يظن انه قوي فيقع أرضا، أو يغطس ريشته في المحبرة، فيطلع له فيها صمغ، وإلى آخره.
من أجل جعل الطفل يضحك بسهولة، يكفي أن نقوم بتقليد فعل معروف، وفجأة، ندخل عليه شيئا ما لعرقلته، فنرى الطفل يقهقه. بين ما هو تلقائي، الحالة الأولى، الرجل الماشي في الشارع، وما هو مصطنع، حالة المهرج وألاعيبه، هناك ضحك للسبب نفسه. نضحك في الحالة الأولى، نتيجة التيبس الميكانيكي لحركات الرجل التي يفترض أن تكون رشيقة ومرنة وحية، ونضحك في الحالة الثانية نتيجة المزاح الخبيث والافتعال التجريبي. إذا كانت الكوميديا تختصر نفسها هكذا، ففي إمكاننا الاعتقاد بأنها معنية بالحالات وليس بالفرد. لكن الأمر ليس كذلك فحسب. الكوميديا يمكن أيضا أن تستقر في الشخص، لأن الشخص هو نفسه الذي بنى في داخله جمودا عقليا، أو سهوا، شرودا، غفلة، قادر على إنتاج تأثيرات كوميدية بشكل دائم. يتناول برغسون حالة شخص تنقصه الليونة، وإمكان التكيف مع الواقع الحاضر. يقول: “لنتخيل فكرا يتشبث دائما بما فَعَلَ في الماضي، لا بما هو فاعل الآن”. هذا المثال ينطبق تماما مع “شارد الذهن” أو “الساهي السارح”، وهذا هو عنوان فيلم صوّر بالأسود والبيض للمخرج بيار أتيكس. بكل تأكيد، إن شخصا ما يستمر “في رؤية الشيء الذي زال ومضى، أو سماع ما اختفى بلا رجعة، أو في قول ما لم يعد ملائما”، يثير فينا الضحك. يأخذ برغسون مثاله من شخصية مينالك للكاتب الفرنسي لابرويير لكي يجعلنا نضحك. الشخصية التي تناولها برغسون كمثال، مرسومة بشكل جيد وواضح إلى درجة تجعلنا نضحك دائما حتى لو اختلفت اللغة والسياق التاريخي بالنسبة الى بلداننا.
وحينما ترسخ شخصية في شخص، ويعتاد على طباعها وعاداتها، يمكن أن تفجر فينا الضحك. برغسون يلاحظ كذلك، أن عنوان الكوميديا يأخذ دائما اسما عاما مشتركاً، مثل: البخيل، المقامر، لموليير، في حين أن التراجيديا تأخذ اسم علم، مثل: ريتشارد الثالث، هملت، عطيل، لشكسبير. التراجيديا، في الواقع، تدعو إلى تعقيد الفردانية، التي لا تقلص العادات الكاريكاتورية. إذاً، من الطبيعي بشكل كافٍ أن نسمّي المسرحية التراجيدية باسم الشخصية. تلي ذلك في ضوء ما تقدم، هزلية الشخصية، في محاولة لإظهارها، والحكم عليها أخلاقيا.
يكتب برغسون: “العيب، وهو عادة سيئة من عادات الطبيعة أو تصلب وتخشب في الإرادة، يشبه في الغالب حالة من حالات ضعف النفس”. هذا يشبه إلى حد كبير، كما لو أن فكرة ثابتة، تستولي على حياة رجل وتقوم بنمذجته على حد علمه، إلى درجة أنها تكوّن له سمات وسجايا معروفة جدا، فيقول واحدنا للآخر عنه: إنه طموح، متحذلق، منافق، ثرثار، وبخيل، وكاذب، وإلخ. هكذا فإن فن الكوميديا سيجبر هذه الملامح ويُبرز هذه العادات المتصلبة، مقابل تدفق الحياة في الحالات، فسيصبح الشخص مضحكا. لماذا نضحك بعمق، إذا كنا لا نريد أن نسخر ونصحح هذا العيب في هذه الحالة أو تلك؟ إن الذي يستحوذ عليه عيب من العيوب، فهو يتلبسه بلا وعي منه به. ولو كان يرى نفسه مثلما هو، أي بعيوبه، لقضى بنوع من الأنواع على هذه الشخصية. السخرية مثل رجوع الصورة إلى ذاتها.
يقول برغسون: “إن الشخصية الهزلية تكون عموما هزلية، ضمن القياس الدقيق الذي فيه تنسى نفسها، إن الهزل هو لا وعي”. القادر على الضحك من نفسه سيتوقف عن أن يكون جادا، وسيستمر في ممارسة عاداته. في المقابل، فإن الشخصية التراجيدية تدرك تماما ما هي قائمة به وما عليها أن تفعل بما في ذلك الأعمال المروعة التي يمكن أن ترتكبها. إذاً، من المهم جدا أن ندوّن هذه النقطة: إن الذي نسخر منه، لأنه متبجح وسطحي إلى درجة الكاريكاتور، سيصل إلى حالة من الوعي، تجعله ربما لا يصلح من نفسه، وإنما أن يظهر على الأقل، أمامنا بشكل مختلف. الضحك في هذا المعنى، “يهذب الأخلاق والأدب”.
إنه كما لو كان الانحراف في الشخصية يثير على الفور حركة نحو التوازن في الضحك يلهم. الحياة في علاقة مع هذا الاستحقاق الذي يرغمنا على مواجهة دائمة مع نظرات الآخرين للشخصية التي يمكن أن نقدمها، وبالطبع ندفع ثمنها، سواء من خلال النقد أو الضحك. النقد والضحك، في واقع الأمر ليس ببعيدين. وهذا يعني أن الضحك قد يبدو غير جيد، لأنه يحتوي على نيات وعظية أخلاقية، مهما قلنا عنه، والواقع أن في عالمنا المعاصر، لم نعد نجرؤ على تقديم المواعظ الأخلاقية بشكل مباشر، بل بطريقة أخرى، بسخريتنا من الجميع وخصوصاً المزعجين.
هنا يكتشف برغسون نقطة غاية في الأهمية والدقة: من أجل أن يتساوى الإنسان بالفن، ينبغي أن يكون هناك جمالية للضحك. ولكن هذا ليس سهلا، لأن الجمال في معظم الفنون نقي، بمعنى أنه خالٍ من الاعتبار الأخلاقي. جمالية الضحك غير نقية، لأنها تنطوي على مواعظ أخلاقية. وإن ما يضع الهزل في مصاف الفن، مثلما يشرح برغسون، أنه ينشأ في اللحظة الدقيقة التي يشرع فيها الشخص- المتحرر من هم الاحتماء والمحافظة، على نفسه- في معاملة ذاته كأنه تحفة من التحف الفنية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى