مقالات ودراسات

د. محمد سيف يكتب: “ناسور أمين ناسور” يخلق أسلوبه الركحي في مسرحية ” نايضة”.

 

المسرح نيوز ـ القاهرة| د. محمد سيف | باريس

ـ

في هذا العرض هناك أسلوب حديث يتطرق اليه المخرج “ناسور أمين ناسور”في معالجته التمسرحية وأصداء بعيدة وقريبة في آن واحد، للغروتسك، واللامعقول، وما هو حياتي يومي معاش، وحتى البريشتي في حدود معينة. كل هذايختمر في جو من الفكاهة الكاريكاتيرية، ربما لإطالة أمدنا في عدم اليقين المطلق فيما يحدث لنا ومن حولنا.

د. محمد سيف
د. محمد سيف

هذا ما نختبره على الأقل، في سحرنا وانبهارنا المطلق، في شظايا مآسي حياتناالمكسرة،المبعثرة، المنقلبة راس على عقب،ومع ذلك، لا زلنانتشبث بها، ونحبها مثلما نحب تماثيل تالفة، متضررة، تكاد أن تكون منتهية الصلاحية،لكنها لازالت تحتفظ بشكلها، رغم فقدها لكمال نموذجها الأصلي لحسن الحظ أولسوئه.إن موضوع العائلة، الوطن، الأم وصراعها الأبدي مع الكنة زوجة الابن، رب الأسرة وعلاقته بالزوجة،الأزمة المالية، اليسار واليمين، الناس الذين يعيشون فوق وعلاقتهم الملتبسة بالذين يعيشون تحت، السلطة وممارستها،مواضيع، غالبا ما يتم استخدامهافي أشكال أخرى، ولكن في العمق، يظل الأمر كما هو،فهي بمثابة نتيجة لعملية جراحية لصعوبة العلاقات الإنسانية عندما تعرقل النظرة المشبوهة للأخرين مزاج وسلوكيات كل شخص منا، وهنا سرعان ما نعرف إلى أين يريد أن يجرنا المخرج وفريق عمله. لا سيما أن هذه المواضيع لا يصلنا منها في هذا العرض، سوى صدى رناتها الصوتية التي تشبه إلى حد كبير، الضوء المرسل من قبل الكواكب المطفأة.

إن شخصيات أسرة مسرحية “نابضه” للمؤلف “عبدو جلال” والمخرج “ناسور أمين ناسور”، تشبه إلى حد كبير كائنات مشوهة، لا تتحرك، لا تتكلم أو تتصرف، مثل سائر البشر، تشبه المهرجين الهاربين للتو من سيرك للحيوانات،أزيائهم ملطخة بالصباغة تشبه الأشكال الزخرفية لقطع الديكورالمتحركةوالمتغيرة من مشهد لأخر، والتي تصبح مرة غرفة، وثانية نافذة، وثالثة حمام، ورابعة منصات توضع عليها من حين لأخر مايكروفانات، تستخدم مرة للبوح وأخرى للغناء الحي، وثالثة للخطابة. كل شيء في هذا العرض متحرك، متغير، وغير ثابت، يشبه تماما شخصياته المتقلبة في مواقفها وسلوكها اليومي والعام. رب الأسرة يتكئ على عكازة، لا يتوانى عن ضربها بالأرضلإيقاف الموسيقى، كما لو انه قائد أوركسترا، ولكن سرعان ما تأخذ الموسيقىمجرها بأمر من الأم، فالتناوب على السلطة تيمة أساسية في هذا العرض، ويحتل مركز الصدارة من البداية حتى النهاية، وخاصة في المشهد الأخير، الذي يشرع فيه الأب، في إصدار تعليماته، في إحضار مستلزمات التنصيب: شريط، بساط أحمر ومقص، ولكن في غفلة منه تقود زوجته انقلابا عليه، دون انتظار دورها بالتناوب، فيتم تتويجها زعيمة بدلا منه.

 

كل هذا يمر عبر قنوات اللعب في ومع مفردات فن الغروتسك، الذي كان عنصرا أساسيا في عملية الخلق، التي أسسها المخرج منذ الوهلة الأولى، من خلال شخصياته التي تبدو عادية ولكنها في حقيقة الأمر غريبة، هاذيه، تتنازع مع نفسها ومع من حولها؛ شخصيات متقلبه، منحرفة، في كوميديتها التي تكشف عن مواقف غير متوقعة، غريبة الأطوار، فاحشة، متهورة، ومروعة للغاية.فالأبن يتحرش بأمه، مدعيا بانه مصاب بداء النسيان، وبالعكس، هذا بالإضافة إلى تبادل الصفعات والشتائم والركلات بين الزوج وزوجته والأم وابنها أو كنتها، وكأننا أمام حلبة ملاكمة. ولكنها مع ذلك تتموضع في سياق يمكن وصفه بانه طبيعي. وبقدر ما تبدو الشخصيات في مظهرها وطريقة حديثها وحركاتها هزلية، ولكن هذا الأخير،لا يشكل نوعيتها الرئيسية.

 

لأن الغروتسك الذي تمارسه، لا يثر الضحك دائما وإنما على العكس. فهو من ناحية أخرى، يؤدي دائما إلى حقيقة مثيرة للدهشة والغموض.تقلق المتفرج، بما يكفي لوضعه في حالة من السخرية الجديرة بالضحك، والانزعاج المخيف. ولهذا من أجل أن يخلق المخرج “ناسور أمين ناسور” شخصياته، لجأ إلى استخدام تقنية الأقنعة، ولكن هذه التقنية لم تعتمد الأقنعة المفبركة من الجلد كما في الكوميديا دي لارتي، مثلا، وإنما على أقنعةلفظية، صوتية، دلالية، وجسدية، رسم من خلالها، ليس ما هو غير عادي في الحياة، وإنما عاديتها، ويومياتها الأكثر شحوبا، وكأنه استوحاها منآلية تصورنا. لأن ما يعرضهفي حقيقة الأمر، من شخصياته هي نحن، وليس الأخرون، أولئك الذين نشير لهم بأصابع الاستنكار والإدانة، والذين نسخر منهم.

ومع ذلك، دعونا نترك أنفسنا عرضةلغوية العواطف في هذا المجال المكتظ بالأنقاض المنظمة بمهارة وذكاء فني ملفت للنظر.ففي بعض الأحيان تنتج الحياة معنى، غير متوقع، مفاجئ، ربما لأنه غير مبرمجأوبالعكس، نتيجة الفرصة السعيدة التي تمجد الفكر، العمل، والعرض. هذه القناعة القديمة انبثقت بكل قوتها ورونقها، في مسرحية “نايضه”، بفضل اللقاء الساحروالدقة الشعرية المطلقةبين المسرح والموسيقى الحية.

 

يبدأ العرض بالأصوات البدائيةالأولى للطبيعة؛يبدأ بالموسيقى التي تحاول أن تجملَّ قبح الطبيعة الإنسانية وجغرافيتها، لكي تنتقل بنا من بقعة ضوئية لأخرى نحو العديد من المفاهيم والتصوراتفي لونين فنيين، استحضرهما ” ناسور أمينناسور”، من خلال ربطه ما بين المسرح والموسيقى الحية، داعيا جمهوره وممثليهللمرور من الكلمة إلى الغناء، وبالعكس، ومن ثم إلى الرقص والحركات التعبيرية، والجري الذي ابتدأ فيه الممثلون حركتهم الأولى على الخشبة، وانحناءات أجسادهم وتقوسها أحيانا، بشكل مبالغ ومقصود، ربما لتشويه الجسد والروح الإنسانية المليئة بالشوائب.وتحت تأثير هذاالثنائيالساحر (المسرح والموسيقى)، وجدنا أنفسنا كمتفرجين في مسرح تجريبي بامتياز.

 

لقد كرس نفسه العرض، لا كثر من لون مسرحي. وقد فرض هذا النوع من التمسرح، والموسيقى والكلماتوالحركات الملموسة للممثلينالتي تأرجحت بين الأداء الصوتي الغنائي والجسدي الراقص أو الإيمائي، الذي كان مصدره بالدرجة الأساس، الخفقان العاطفي أو التمزق العدواني الذي رافق مسار “رحلتهم” ومغامرتهم المسرحية. هذا التردد وعدم القرار قد تم وصفه من قبل هاينر مولر، عندما قال: ” عندما لم يعد بإمكاننا الكلام علينا أن نغني”.

 

لقد تزاوجت، الكلمات بالأغاني، والأداء بالحركة والتصنع بالمبالغة والديكور بالفضاء، والشخصيات بما تفعل أو تقول لتعبرعن لا معقولية العلاقة بين”أب أسرة وزوجته وابنه وزوجته”وبحثهم الدائم عن شخصية “علي” التي نسمع بها ولا نراها، وهذا بحد ذاته، ما سمح لنابالعبور من ضفة لأخرى، وبالتالي، جرنا منشاطئ لأخرى،إلى نهر العاطفة التي أثارها هذا الاحتكاك، والارتطام، وعدم اليقين، الذي سمح أيضا،للممارسة العملية بالعبور، بشكل ماهر ومتقن. كان الممثلون في بعض الأحيان، هم المغنيون،وأحيانا الشخصيات، وهذا التداخل والتقاطع بين الشخصيات الحقيقية والخيالية، قد أضاف تمسرحا جديدا للمسرحة نفسها. لا سيما انه تكرر في أكثر من مشهد.حيث شاهدنا توقف الممثلين عن اللعب، ونقاشهم حول النص، الحركة، الحوار، وتجاوز إرشادات المخرج من قبلهم. وعندما كانوا يتوقفون، تتوقف الموسيقى أيضاأو تستمر ولكن بطريقة متعثرة أو بالأحرى معترضة، مما وسعفي كل مرة،من مكانةشبح الصوت، وحصوله على تمدد غير عادي. وهكذا كان ينبعث الإغراء من جديد،في هذه الممارسة المعروضة، بطرق مختلفة ومتنوعة، جعلتنا نجد أنفسنا أحيانا، في هذا الجانب أو ذاك، في حالة دهشة وترقب أكثر.

إن النص الذي كتبه “عبدو جلال”، والذي أعاد قراءته”ناسور أمين ناسور” ركحيا، هو قصة لا تتابع مشاهدها أو جملها مع بعضهاالبعض وفقا لمنطق الخطاب أو التسلسل المنطقي للحدث، وإنما وفقا لمبدأ تعبير الشخصيات وطباعها، أي من خلال مبدأ تحقيق آلية دلالية للصوتوللحركات وملائمتها للكلام وللأفعال أو في بعض الأحيان، من خلال معاكستها.ويبدو أن المخرج، مغرم بالغلاف الصوتي لحركة الكلمات ومتغيراته، وأحيانا بشكل مستقل عن المعنى المنطقي، معتمدا في ذلك على الشخصية وتراكماتها، وطرحها الغريب، والتكرار الحركي واللعب التهريجي. بحيث تطور التلاعب اللفظي في مسرحية “نابضه”، بموجب تشابه صاخب، أو لعب في ومع موسيقى حية، أو أيضا بموجب مجموعة أحداث عبثية مختلفة غير متوالية بالضرورة. حوارات وكتابة ركحية صاخبة متنوعة،ديناميكية، خلفها، ممثلون، وأشخاص يلعبون، ويقومون بترجمة فورية لكلمات النص إلى لغة أخرى لعبية، بصرية،ملأةالفضاء المسرحي بالأحاسيس والانفعالات.فالعرض عبارة عن لعب، ويتكون نظامه من حركات كوميدية منطوقة بشكل مخالف لما هو معتاد، انخرطت جميعها تقريبا، في أداء مسرحي متماسك، متناغم،كما لو أن مفردات وجمل “ناسور أمين ناسور”، تحاول الهرب من صفحات نص “عبدو وجلال”، من أجل أن تصبح تضاريس، ألوان، وموسيقى، ولكي تعيش كأشكال وعبارات، وطباع، تنتمي في كليتها إلى لغة كتابة ركحية خالصة. ” لا يمكن لأي جملة أو عبارة من أي عمل فني أن تكون في حد ذاته انعكاسًا بسيطًا للمشاعر الشخصية للمؤلف، فهي دائمًا عبارة عن بناء ولعب، فالعمل الفني غالبا ما يكون شيئا مفبركا، من حيث الشكل المبتكر، وليس فقط شيئا متقنا، بل مصطنعا، بالمعنى الجيد لهذا المصطلح”[1].

 

في إخراج”ناسور أمين ناسور” لمسرحية “نايضه” لا يتم تحقيق للتأثير العاطفي من قبل اللعب النفسي أو الدرامي، ولكن من خلال المونتاج التركيبيللأشياء والأفعال والحركات التي تتراكم في سياق مناخات دلالية، لكي تشكل سلسلة من الارتباطات الضرورية فيما بينها.وتقودها جميعها الصورة الظلية لعازف الغيتار (ياسر الترجماني) كقائد لأوركسترا الأحداث من البداية حتى النهاية وكمهندس عاطفي لها.- وهذا نوع من التأسيس الركحي لأسلوب “ناسور أمين ناسور” في المسرح، والذي سيرافقه في تجارب أخرى، مثل “صمت الكلام” لعبد الرحمن بن زيدانو بيريكولا بالأمازيغية، وباركينغ بالأمازيغية أيضا ومسرحية اللعب من تأليفه وإخراجه، ومسرحية مبروك لأنس العاقل-. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك تشويهات في اللعب التعبيري للممثلين: التشنجات في الوجوه،البرطمة، المكياج المبالغ فيه، التجهم العصبي، الإيماءات الارتجاجية، المعاناة الجسدية، رسم لصور مشوهة لشخصيات العرض على سطوح الديكور، وتشويه في الأزياء، وبالأصوات.ليس هنالك لعب نفسي، يمكن أن يلقي بنا في أحضان محاكاة تقليدية للواقع، مثلما ليس هناك تسلسل منطقي للوقائع، وإنما لوحات مسرحية تلقي الضوء على حياة عامة من خلال روابط أسرية خاصة جدا، تنضوي تحتها شخصيات مسرحية، تخرج منها لكي تعود إليها ثانية. لهذا لابد من اللعب مع وفي كل ما موجود في فضاء المسرح، من ديكور فنتازي، واختراق نهاياته العليا للفضاء من خلال تشكيلات هندسية، تتزاوج وتفترق وتتخاصم وتلتئم وفقا للحالة والظرف المسرحي المقدم.فالتمسرح كان حاضرا بشكل كبير،وكذلك بريشت، ولكن من خلال علاقاتممسرحة غير معقولة، وعبثية أحيانا، مثلما كان للجمهور حضوره أيضاوكذلكالمخرج، خاصة في مشهد تنصيب الأب، حيث الشريط الأحمر والمقص الذي لم يكن خاصا بهذا النوع من المناسبات، فالأب يحاول قص الشريط الأحمر ولكنه لم يفلح، فتستولي عليه الأم، وتظل تلوح به في الفضاء كأداة ترهيب ضد أعدائها أو معارضيها مهددة إياهم بقص ألسنتهم وأعضائهم التناسلية، إن لم يطيعوا أوامرها. الكل خائف والكل يرتجف، فتطلب منهم في هذه الأثناء أن يحضروا لها نظارات الأبهة التي تليق بمراسيم تنصيب الرئيس. وهنا تحدث المفارقة البريشتيه،وتمتزج الصالة في الخشبة،

وبالعكس، من خلال عملية البحث عن نظارة تليق بمنصبالرئيس.فيدخل الجميع في دوامة من البحث، ولكنبلا جدوى، حتى ينبري الأبن، ليقولبانه سيتدبر الأمر.فيقوم بإلقاء حواراتومواعظ يجد فيها الممثلون خروجا عن النص، فيوقفونالعرض معترضين على ذلك،فيلتفتالممثل،للجميع الذين يؤيدون سواء بالحوار أو الإيماءة بأن لا وجود لهذا الشيء، فيستنجد بالمخرج”ناسور أمين ناسور”، الذي يؤكد هو أيضابالنفي، فيعتذر الممثل، بطريقة مسرحية وباللغة الإنكليزية”I’m sorry”،وتستمر عملية البحث عن النظارة من جديد، فيقوم بعملية ذهاب وإياب زاجا الممثلين فيها، ولكن في المرة الثالثة، يكف الممثلون عن التمثيل، معترضين على عملية الأطلة غير المبررة، وهنا يلجأ لسؤال الجمهور، فيتدخل المخرج قائلا بما معناه: هيا واصلوا العمل فالجمهور ينتظر. فيطيعه الجميع في مواصلة العرض.يتجه الممثل الذي يلعب دور الأب، طالبا نظارات من الجمهور، فيعطيه أحدهم نظاراته، فيضعها كل واحد منهم بدوره لكي يعطي انطباعاته حول إمكانية الرؤية. ثم يتفقون على جودتها بمضض. ولكنبمجرد ما أن تضعها الأم على عينها تقوم بإخصاء زوجها بسبب عدم ملاءمتها، فيعيدون النظارة إلى صاحبها، لأننا لا نستطيع أن نرى من خلال عيون الأخرين.

 

وهنا إحالة واضحة لمفارقة السلطة والمستشارين الذين يحيطون بالرؤساء؛وإشارة إلى الرجل المناسب في المكان غير المناسب؛وإلى حالة تغيرالمرء عما كان عليه قبل اعتلائه كرسي الحكم وما بعده؛ هذا بالإضافة إلى إننالا يمكن أن نرى هموم الناس ومعاناتهم من خلال نظارة، لأننا لا نستطيع أن نقبل أمراه من خلف زجاج، خاصة عندما نكون في موقع المسؤولية. إن فكرة الرؤية والحاجة إلى النظارة، تخبئ فيأعماقها فكرة أخرى أكثر بلاغة وتأثيراً مفادها أن الذين لا يرون ليس هم أولئك الذيننعتقد أنهم لا يرون وإنما هناك عماء أكثر خطورة مما نتصور. بعد هذا الحدث الملتبس، يعود الممثلونإلى مشهد البيت يبحثون ويلهجون باسم “علي”،وهم يغيرون في نفس الوقت،مكان الديكورات، أمام الجمهور بطريقة مسرحية واضحة. بعد ذلك، تقوم الفنانة المبدعة “هاجر الشركي” بالتناوب مع الفنانة “وسيلة الصابحي” بالغناء على مزيج منأنغام موسيقى الكناوى، والصحراوي، والهواري،وبمجرد ما أن ينتهيا من الغناء، يتركان الميكروفونات والمنصات، للمبدعين “فرير الركراكي” و”زهير آيت بن بنجدي”، اللذين يقومان، بمناجاة شخصية “علي”، التي ذكرت في الجزء الأول من العمل دون أن نراها، بطريقة شعرية ونثرية لا تخلو من الحماس. يقول الأب للابن تعال نقول للناس من هو “علي” ، وإذا بنا نكتشف من خلالكلامهما، أنالمقصود بشخصية “علي”، هو الشعب بكل معاناته وعوزه واضطهاده وركضه وراء لقمة العيش، الأمان، التطبيب، التعليم، الاحترام الاجتماعي،وإلى أخره من الحاجات، ثم تنتهي مناجاتهما بالقول: عليك أن لا تستسلم يا علي، قاوم ولا تتنازل عن حقوقك وإنسانيتك. وهنا تتغير لهجة العرض ويأخذ العمل منحى مأساوي سياسي، يذكرنا بالملاحم الشعبية ومناجاتها الشعرية الأليمة.

إن هذه الكوميديا المأساوية، في نهاية المطاف هي ذريعة لإظهار الوجه الخفي للإنسان في مرآة إحباطاته،خيباته، وذعره من العالم الذي يعيش فيه. فالأواصر الأسرية هشة جدا لدرجةالشك في جدوها. والحقائق غامضة، والأزواج يمزقون بعضهم البعض وينشرون غسليهم الوسخ أمام الناس دون خجل أو حياء، ويطلقونالأسهم على بعضهم حيثما تؤلم أكثر،محاولين تحرير أنفسهم من سجونهم الذاتية،بكلمات حادة، سامة،بمجانية خبثهم المحبط، ونسيان الضيق المحيط بهم، بل والهرب من حياتهم البائسة التي بلورها الكثير من الندم.

 

إن” نايضه” عمل مسرحي غنائي راقص،تفجرتفيه الكثير من الأكاذيب والإحباطات والأخطاء غير المعلنة مثل الكثير من القنابل الموقوتة. إنه بلاشك مضحك ولكن ليس فقط،فكوميديته بقدرماهي حلوة وسهلة الهضمكانت مرةومؤلمة. وقد تمكن العمل، من تجنب الكليشيهات بفضل أداء الممثلين الأربعة (هاجر الشركي، فرير الركراكي، وسيلة صابحي، وزهير آيت بنجدي) الرائعين حد الكمال، والذين غالبا ما جعلونا نضحك أحيانا ضحكا أصفرا وخاصة على شخصياتهم المثيرة للشفقة وليس عليهم كما هو معتاد في الكثير من الأعمال الكوميدية. سينوغرافيا “سارة الرغاي” كانت ناجحة للغاية ومنسجمة مع الإخراج الرصين وفعاليته الجمالية. وكذلك أزياء “نورة “إسماعيل”، وإضاءة ” عبد الرزاق آيت باها”، وإدارة الممثلين من قبل الفنان الكبير عبد الله ديدان. هذا بالإضافة إلى الأداء الموسيقي وألحان “ياسر الترجماني”، الذي كان مفردة مسرحية لا يمكن الاستغناء عنها. كل هؤلاء قد اجتمعوا هنا في هذا العرض الذي أخرجه المبدع “ناسور أمين ناسور” لكي يجعلونا نعيش لحظة مسرحية لذيذة من خلال قصة متلبدة بالغيوم. ومثلما بدأ العمل بركض الممثلين انتهى بركضهم أيضا. ويظل سيزيف يحمل صخرته على ظهره، طالما أن لعنة الآلهة العظام لازالت قائمة.

 

[1] Béatrice Picon- Vallin, Cahiers du monde russe et soviétique, vol. 21, n°3-4, Juillet-Décembre 1980.P. 151-165.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى