مقالات ودراسات

د. نبيل بهجت يتساءل: من خطف الناس منا؟!


د. نبيل بهجت

مسرحي مصري

ـ

سؤال يؤرق المهمومين في كافة مجالات الإبداع يستدعي طرحه لدي. صوت الأبنودي في قصيدة/ الدائرة المقطوعة 

إذا مش نازلين للناس ف بلاش والزم بيتك بيتك بيتك وابلع صوتك وافتكر اليوم ده لأنه تاريخ موتي وموتك.

إنّ التغيرات التي اجتاحت المنطقة كشفت هشاشة الخطاب الثقافي والفني المطروح، حيث التهمت الهويات المتجزئة بعضها البعض ووقفنا على حافة المسرح نراقب ونرصد ونحلّل لتمتلئ الشاشات بنا وينزوي الفعل إلى حد الكلام.

إنّ الوطن العربي على كثرة مبدعيه ومثقفيه لم يستطع أن يقاوم الخطاب الشعبوي بمختلف أشكاله وغياب النموذج، فعلى سبيل المثال ظلت شخصية اللا مبالي تلح على الذهنية العربية منذ تسعينات القرن الماضي، وصعد النموذج الفوضوي في العقد الاخير ليهيمن على الفضاء العام، فيما طرحته السينما من نماذج دون أن نقدم البديل، وامتدت الفوضى لأحد أقوى أشكال الابداع وأسرعها تأثيرا في الناس، ألا وهي الموسيقى بمقاماتها وروحها العربية ليطالها تشوه يكشف عما وصلت اليه من انهيار يؤثر بالسلب على وعي الانسان بذاته.

وظلّ المسرح مترنحا بين متغيرات ما يستجد من أهواء صنّاع القرار والحاجة الملحة للواقع، حيث كانت الهزليات الرخيصة لعقود طويلة، الشكل الذي أرادته السلطة للمسرح في العقلية العامة لينحسر المسرح كطاقة محرضة إلى أخرى تملأ فراغ غياب الفعل المسرحي الحقيقي.  ورغم محاولات البعض في التأصيل تارة والتجريب تارة أخرى، إلاّ أنّ الهوة ازدادت اتساعا بين المسرح والشارع العربي بإلحاح البعض على موضوعات أفقدها التكرار قدرتها على الصدمة المرجوة منها، وزادت بعد الشارع عنا، لقد كره البعض الموروث حتى أصبح جزءا من موروث العمل المسرحي لديهم، وحلّق البعض ليرصد الشاذ وعينه على الجمهور الغربي بعيدا عن احتياجات الانسان العربي مقصد العمل الابداعي وغايته.

أتساءل عن مئات الملايين الذين يقطنون القرى، ولنراجع بعض المشاهد التي أصبحت طقوسا في بعض الأعمال ونتذكر هؤلاء

أسمع صوت أحدهم/ دي ناس فاضية/ خلينا في أكل عيشنا/

نحن الذين تركناهم فانفضوا عنا ليصبحوا هدفا يسهل اصطياده من شركات الانتاج الرخيصة بما تقدمه من قيم ونماذج وأفكار تشوّه روح الانسان وتزيد من مقاومته للتغيير واحتفاءه بالماضوية، فمتى نتخلى عن الرهانات الخاسرة ونترك نرجسية وطفولية فعل الصدمة؟ لنبني آليات نصل بها لهؤلاء على اتساع الوطن العربي ونخلق أدوات للتحريك الثقافي والفني بعيدا عن الدوائر المستهدفة.

لن يكون هذا، إلاّ بصناعة الانسان الفاعل المحرّك في تلك البيئات، فإذا لم نؤمن بهؤلاء، لن يؤمنوا بنا وسيظلوا يراقبوننا ونحن ندخل المسرح ونخرج منه نخاطب أنفسنا وهم منشغلون عنا بتفاصيلهم اليومية.

وأختم بما بدأت به

إذا مش نازلين للناس ف بلاش والزم بيتك بيتك بيتك وابلع صوتك وافتكر اليوم ده لأنه تاريخ موتي وموتك.

ـ

من نشرة الدورة الثاسعة لمهرجان المسرح العربي وهران ـ الجزائر


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock