مقالات ودراسات

د. هشام زين الدين موجهاً رسالة إلى وزير الثقافة الجديد قبل أن يأتي.. في مسألة المسرح الوطني بلبنان!


د. هشام زين الدين

كاتب وناقد مسرحي وأكاديمي

لبنان

ـ

ننتظر بفارغ الصبر قدوم وزير ثقافة جديد لكي نقدم له عريضة الألف توقيع لانشاء مسرح وطني في لبنان ولمتابعة نضالنا المطلبي بهذا الخصوص.
في 22/6/2010 قامت لجنة مصغرة من الموقعين على “العريضة” بزيارة وزير الثقافة الاسبق الاستاذ سليم وردة في مكتبه حيث تم تسليمه نص العريضة واسماء الموقعين عليها الذين تخطى عددهم الألف، والذين يطالبون وزير الثقافة بتبني فكرة انشاء مسرح وطني في لبنان، مخصص للعروض المسرحية الدرامية ذات الطابع الثقافي الجاد، أسوة بكل الدول العربية والاجنبية المتقدمة، مع تحديد المكان والشروط العامة المطلوبة للمشروع.
كانت توقعاتنا لمدى قبول الوزير للفكرة أو رفضها متفاوتة بيننا، فقد كنت، وكوني صاحب فكرة العريضة ومنسقها، متفائلاً بامكانية قبول الوزير لها وتبنيها، مراهناً على أهميتها الثقافية والإعلامية بالنسبة لوزير يريد كما كل الوزراء “الشباب خصوصاً” ان يزين عهده بأعمال ومشاريع ذات أبعاد ثقافية وحضارية ووطنية.
خلال اللقاء وبعد أن قمنا بتسليمه العريضة وشرحنا مضمونها وأهميتها، بادر الوزير وردة الذي لا بد من الاشارة إلى لباقته ولياقته وحضوره المريح، وكردّ محضر سلفاً على مضمون العريضة التي كان قد قرأها في الصحافة المكتوبة، بادر إلى تعريفنا بمشروع المركز الثقافي اللبناني العماني الذي تم الانتهاء من وضع الدراسات الهندسية له والذي حصل على التمويل اللازم لانشائه في منطقة السوليدير، والذي يعتبر من وجهة نظره أنه يحقق الهدف الذي نسعى نحن اليه، كونه يتضمن مسرحاً حديثاً بتقنيات عالية المستوى، وأكّد أن طريقة إدارة المسرح سوف تلحظ وجود مسرحيين متخصصين في فريق الإدارة، ما يمكن أن يشكل بديلاً عن المشروع الذي نطرحه في “العريضة”، وتحدث عن الصعوبات التي يواجهها مع إدارة سوليدير التي ترفض البدء بالعمل به على الرغم من وجود قرار في مجلس الوزراء لتنفيذ المشروع وطلب منّا مساندته إعلامياً لتحقيقه.
لكننا وبعد أن ابدينا إعجابنا وثنائنا على جهود الوزير لتنفيذ هذا المشروع المهم والحيوي، شرحنا الفارق بين ما نطلبه كمسرحيين، أي مسرح ثقافي مخصص لأعمال المسرحيين الجادين بعيداً عن الأهداف التجارية، يوضع بتصرف أهل المسرح مجاناً بهدف انتاج الثقافة والفكر والفن، وتشرف عليه وتديره وزارة الثقافة، وبين المسرح الكبير الذي يقترحه من خلال المشروع اللبناني العماني والذي سيكون طابعه سياحياً أكثر منه ثقافي، بحكم حجمه وفخامته وكلفة تشغيله أولاً، وبحكم وجوده في منطقة السوليدير وما يرمز اليه هذا الوجود، خصوصاً وتحديداً من الناحية الثقافية أو الأصح “اللاثقافية”، بحسب مفهومنا للدور الاجتماعي والتنموي والمعرفي للثقافة، ولأننا نشك في أن هذا المسرح سيكون مخصصاً لأعمال المسرحيين الجادة والثقافية وسيكون مجانياً ومتاحاً للتجارب الفنية والابداعية الحقيقية.
إختلفنا في الرأي، استخدمنا عبارات ومقاربات مختلفة محاولين إقناع الوزير بمطلبنا إنشاء مسرح وطني ثقافي تحديداً، في أي مكان في بيروت، في بيت قديم، في مستودع تحت الأرض، في حديقة عامة، في أي مكان، تحدثنا عن دور البلديات وخصوصاً امكانية تبني بلدية بيروت لهكذا مسرح، أقترحنا ان تقوم الوزارة بشراء “مسرح بيروت” العريق باعتباره معلماً ثقافياً يحاكي الذاكرة المسرحية ويحافظ عليها، وهو ما يشكل بديلاً واقعياً لما نطرحه، باءت كل اقتراحاتنا ومحاولاتنا بالفشل.
قبل انتهاء اللقاء بقليل، شعرت بالهزيمة في معركة اخترت أن ألعب فيها دور البطل “الدون كيشوتي”، سلاحي الوحيد فيها الحلم بالتغيير، تمنيت لو كان في جعبتي وسائل إقناع وتأثير أكثر تستطيع أن تكسر الحاجز بين ما نؤمن به نحن المسرحيين الجادين، وبين صورتنا الضبابية المشوهة تاريخياً عند أصحاب القرار الثقافي عموماً وفي تلك اللحظة عند الوزير وردة، لم أتمكن وزملائي من تغيير نظرة صاحب القرار الرسمي الأول عن الثقافة إلى فن المسرح الجاد وأهميته التنموية والاجتماعية والثقافية، عجزنا عن إخراج هذه النظرة من الإطار السياحي لدور المسرح المترسخ في عقول الأفراد والمجتمع ولدى القيادات المسؤولة.
شربنا القهوة، ودعنا الوزير وردة بلباقته ولياقته المحببة مقترحاً علينا تقديم مشاريع ثقافية مسرحية معلناً استعداده لدعمها، انتهى اللقاء إلى اللا نتيجة.
قد يتحقق مشروع المركز اللبناني العماني الذي ندعم وجوده، وقد يكون فيه مسرحاً اكثر تطوراً من مسرح الاونيسكو أو من مسرح اميل لحود في الضبية، لكنه لن يكون مسرحنا نحن، نحن الناس، المواطنون العاديون، لأن سوليدير ليست لنا، وثقافة ناطحات السحاب وأماكن التسوق (المولات) ليست ثقافتنا، والمكان ليس مكاننا، سوف ننتظر كما انتظر اسلافنا من المسرحيين منذ قيام الجمهورية اللبنانية، ننتظر حكومة جديدة ووزير ثقافة جديد وسوف نقدم له عريضة جديدة بآلاف التواقيع، نطالبه فيها بانشاء مسرح درامي وطني في لبنان على مساحة 400 متر مربع ليس أكثر في بيروت، هي ليست النكسة الثقافية الأولى التي نعيشها ولن تكون الأخيرة. نحن المسرحيون في لبنان سنبقى بانتظار إنشاء المسرح الوطني اللبناني.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock