مقالات ودراسات

  د. هيثم يحيى الخواجة يكتب: دور المسرح في دعم مسيرة الطفل التربوية واللغوية في التعليم والحياة


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ               

  د. هيثم يحيى الخواجة

  سوري مقيم في الإمارات

 

بداءةً.. لابد من التأكيد بأن مسرح الطفل يختلف عن المسرح المدرسي، فإذا كان الأخير يتأطر في إطار التعليم والتربية؛ فإن مسرح الطفل أشمل في موضوعاته وأفكاره وتوجهاته .

وعلى الرغم من ذلك فهما يتوافقان في منح الطفل فسحة تربوية ناجحة ، وفي تنمية الذائقة الفنية وفي إكسابه الثقة بالنفس؛ والعمل الجماعي؛ والوعي الذاتي؛ والتعاون؛ والخيال؛ واللغة؛ والتعاطف؛ والتواصل؛ والمجازفة؛ والجرأة؛ وحل المشكلات؛ وتنمية قدرته على التعبير عن آرائه وانفعالاته؛ وتزويده بالمعارف والخبرات وتطوير الحسي والإدراكي والحركي لديه. ولا ريب في أن هناك علاقة وشيجة بين المسرح والتربية فالمسرح جزء لا يتجزأ من بناء شخصية الطفل، والحفظ، والمناهج الدراسية سواء أكان ذلك في الدراما التعليمية أو المسرح المدرسي الذي يهدف إلى مجموعة فوائد ووظائف تربوية واجتماعية ونفسية وثقافية .

وبناء على ذلك فإن هناك نظريات سيكولوجية تبنت المسرح باعتباره ركنًا هامًا في التكوين النفسي من مثل نظرية الطاقة الزائدة؛ ونظرية الإعداد للحياة المستقبلية؛ ونظرية النمو الجسمي؛ ونظرية لعب الأدوار؛ ونظرية التحليل النفسي.

ثمة سؤال ملحاح يتردد على شفاه الكثيرين: لماذا المسرح؟ ألا يوجد بديل عنه؟

وللإجابة عن هذا السؤال الذي يحتاج إلى سفر كامل أجيز قائلاً : المسرح من أنسب الأشكال الفنية للتواصل مع الطفل والتعبير عن عالمه الخاص ، وللمسرح سحر إيجابي لابد من استغلاله والاستفادة منه ، فهو يمارس عملية الإغواء على نفسية الطفل. فجاذبيته قوية ومؤثرة ، فهو يعزز الثقة بالنفس ويعلم القيام بالمبادرة والانفتاح على واقع الحياة ، ويعزز التواصل الشفهي والحسي ، ويشجع على استثارة الخلق والإبداع وإنضاج الحس الإنساني والنقدي والتوازن النفسي ، ويكفي أن أشير إلى تأثير المسرح على شخصية الطفل في الأبعاد المعرفية والاجتماعية والجمالية والتربوية والتعليمية واللغوية .

وبناء على ما تقدم لابد من الإفادة من معطيات التكنولوجيا الحديثة في تطوير أساليب عرض المسرح التربوي.

مسرح الطفل وبناء شخصية الطفل

قبل أن أتحدث عن علاقة مسرح الطفل بالتنشئة والتربية أؤكد بأن مسرح الطفل في عصرنا الحاضر على الرغم من التقنيات والمخترعات الحديثة ضروري وأدلتي على ذلك كثيرة لكن أهمها هو أن هذه المخترعات لا تستطيع أن تقدم ما يقدمه المسرح للطفل، بل على العكس فهناك بعض المخترعات من مثل ألعاب العنف تشوه فكر وسلوك الطفل، كما إن بعض الألعاب تعلمه الأنانية وتدفعه إلى سلوكيات لا تحمد عقباها من مثل تقليد سوبرمان وغيره من أبطال الألعاب المعروفة.. من هذا المنطلق تبقى الدعوة إلى الاهتمام بمسرح الطفل مشروعة من أجل التنشئة السليمة والتربية القويمة ،

 

خاصة وأن هذا الفن يحتل في دول العالم المتقدم مرتبة مهمة في تحقيق الأهداف التربوية والأخلاقية فهو معادل لدور المدرسة فالمسرح المدرسي يستثمر المسرح لمصلحة المواد الدراسية ليكسب الطالب الخبرة ويوصل إليه المعلومة بسهولة والمسرح المدرسي يعزز الهوية والوطنية ويبني ويصقل الشخصية ويجعلها منفتحة على الحياة بعيداً عن الكآبة والقنوط والمبالغات الهدامة والمسرح بنوعية الطفلي والمدرسي يجعل الطفل مدركاً لذاته وأسرته ومجتمعه ويسهم في تكوينه العقلي والنفسي والروحي ويطور موهبة الابتكار لديه ، ويطلق خاليه ويهذب روحه ، ويعلمه البطولة وكره العزلة والانحياز إلى التفاؤل والحوار والتركيز والاستيعاب والتنظيم والإتقان والتنافس والاكتشاف والانفتاح على الآخر وغير ذلك الكثير الكثير .

المنظومة التربوية

على الرغم مما قدمناه وأثبتنا فيه أهمية المسرح المدرسي ومسرح الطفل إلى أن المؤسسات والهيئات التي تعمل في الوطن العربي تحت مظلة المنظومة التربوية لم تول هذه المسرح الأهمية القصوى تنظيراً وتخطيطاً وتنفيذاً.

ولا ريب في أن مستوى الاهتمام يختلف من قطر إلى آخر لكن مستوى الطموح لم نصل إليه – نحن العرب – حتى الآن مع تقديرنا الكبير لبعض الأقطار العربية ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة التي تقدم جهداً استثنائياً وخطوات حثيثة للنهوض بهذا الفن ، والأمل الكبير في نعتمد مسرحة المناهج وتدخل الدراما المبتكرة في مناهجنا باعتبارها من العناصر المهمة في دفع مسيرة المسرح إلى الأمام .

دور مسرح الطفل للنهوض باللغة

مازال الاختلاف قائماً وناشباً بين أنصار الفصحى وأنصار العامية – كما أشرت سابقاً – ، فبينما أنصار العامية يرون بأن الحوار المسرحي بالعامية أقدر على التعبير عن مكنونات النفس، يرى أنصار الفصحى بأن اعتماد العامية في الحوار المسرحي بسهم في إضعاف اللغة العربية الفصحى ، ومن واجبنا كعرب أن تتحدث الفنون والأجناس الأدبية بالفصحى للحفاظ على اللغة الأم ، لأن اللغة هوية وأهم مقوم من مقومات القومية العربية .

وإذا كانت هذه المعركة قد نشبت في ستينات القرن الماضي ، فإنها لاتزال قائمة مع أن المشهد المسرحي يشير – وللأسف – إلى انتصار العامية لسهولة النطق بها ولضعف الجيل الحاضر باللغة العربية الفصحى ، إذ غدا قسم كبير من هذا الجيل يعتمد العامية حتى في المراسلات وفي الحديث اليومي وفي الإبداع في الأجناس الأدبية .

لقد دعوت إلى الفصحى في المسرح في بحوث ودراسات ومقالات وكتب عديدة ، ومازالت أتبنى هذا الرأي ولدي ما يبرهن على صحة هذا التوجه وإذا كان من المقبول أن يحضر المتلقي في مسرح الكبار مسرحية بالعامية بعد أن صلب عوده ، والذي من المفروض أنه أمسك بناصية اللغة ، فمن غير المقبول ومن المرفوض أن نعتمد العامية بمسرح الطفل سواء أكان ذلك في المسرح التعليمي أم المسرح المدرسي أم مسرح الطفل .

كيف نقبل العامية ومن أهداف المسرح الطفلي أن ينمي الذائقة اللغوية لدى الطفل؟

ويثري معجمه اللغوي، ويعلمه الحوار الفصيح والتعبير الفصيح والخطابة وجماليات اللغة والفعل ورد الفعل في الحوار؟

وحين نعتمد العامية، فإننا نهدم أهم مدماك يستند عليه مسرح الطفل، لأن لهذا المسرح دوراً كبيراً في المحافظة على اللغة وإتقانها والتدرب على ممارستها.

إن العامية في مسرح الطفل أشبه بالسرطان الذي يهد أركان أهداف هذا المسرح، وإن الفصحى في الترياق الذي يشفي هذا الفن ويدفعه نحو الاخضرار والإشراق.

وبناء على ذلك لابد أن يتنبه كتاب المسرح لهذا الأمر وأن يبدعوا مسرحياتهم بالفصحى الملائمة للفئة العمرية التي نتوجه إليها وأن يتقيدوا بالمعجم اللغوي حتى لا ننفر الطفل من مسرحه ونبعده عن هذا الفن.

أخيراً

إن العمل على تعمير وتطوير وتنمية مسرح الطفل والمسرح المدرسي واجب إنساني لما له من أهمية في بناء شخصية الطفل وتخليصه من أمراض كثيرة (الخجل، التأتأة، الانطواء …. إلخ ) وإثراء لغته ، وإغناء مخيلته .

وهنا لابد أن نشير إلى أن هذا المسرح ينتعش إذا أمرع تحت مظلة اللعب والمتعة والإثارة والدهشة والتشويق وغير ذلك.

والأمل معقود من أجل أن نرى مسرح الطفل علامة بارزة، لكونه يخدم طفل اليوم ورجل المستقبل ولكون هذا الفن حضاري يخدم المسيرة التربوية ويهتم ببناء الإنسان.

ـــــــــــــــــ

المصدر: العدد الثالث من النشرة المصاحبة للدرورة الرابعة من مهرجان الدن الدولي 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock