مقالات ودراسات

صفاء البيلي تكتب عن: الخلطة السحرية لسينوغرافيا عرض “مايا” الجزائري

صفاء البيلي

شاعرة وكاتبة مسرح ـ مصر

ـ

ـ ستارة بيضاء تتدلى من سماء الحلم.. تصنع عوالم مايا الخلفية.
ـ بين حلوى المقروض ورقصة الفلامنكو.. من المحلية للعالمية!
ـ استخدام الإضاءة بشكل مدروس والاستفادة من درجات الظل والنور.
ـ سيطر اللون الأسود وتوهج الأحمر وأضاء الأبيض خلفية الخشبة.
ـ موسيقى الفلامنكو تسيطر على مايا وتثير أحلامها ومواجعها.

الفراغ المسرحي في أي عرض مسرحي هو ذلك الحيّز الذي يُمَكِّنُنَا أن نرى من خلاله حيوات تتجسد ورؤى لا تتوقف مدلولاتها عند حدود لغة الحوارفقط، وإنما تنطلق معه بمشاركة السينوغرافيا ذلك السحر الذي يتيح للجسد والضوء وقطع الديكور والظل والنور، أن يكون لها فعل السحر على المتلقي فتدخله في هوة التجربة ليلتحم بكل أجزائها ويصير شريكا في محاولة فك شفرات العرض ليصل إلى المراد من اللعبة المسرحية التي تُقدّم له ” ليس على طيقٍ من فضة” كما كان يُعتقد!
ما السينوغرافيا؟
للسينوغرافيا المسرحية تعريفات كلها تدور حول معنى واحد؛ فهى “فن تنسيق الفضاء المسرحي والتحكم في شكله بهدف تحقيق أهداف العرض المسرحي، الذي تجري فيه الأحداث، وهى ” فن تصميم مكان العرض المسرحي وصياغته وتنفيذه، ويعتمد التعامل معه على استثمار الصورة والأشكال والأحجام والمواد والألوان والضوء”، وهي” فن تشكيل المكان المسرحي، أو الحيز الذي يضم الكتلة، والضوء واللون، والفراغ، والحركة وهي العناصر التي تؤثر وتتأثر بالفعل الدرامي الذي يسهم في صياغة الدلالات المكانية في التشكيل البصري العام”. ومع ذلك فللسينوغرافيا أكثر من 24 مدرسة، منها الواقعية والرمزية والسحرية والكيوغرافية .. إلخ
“مايا” الجزائري
من العروض التي لعبت الرؤية البصرية دورا كبيرا في إنجاحها بل وتفوقها على كثير من عروض الموسم التي عرضت فيه هو عرض “مايا” الجزائري وهو من إنتاج فرقة مسرح موزاييك الحرة بمدينة سيدي بلعباس الجزائر، وحقق 64 ليلة عرض وطنيا وعربيا ودوليا، فكان العرض الأول: 12/7 /2012ـ على خشبة المسرح الجهوي سيدي بلعباس- الــجــزائــر.

شارك في 9 مهرجانات بالجزائر ومهرجانين بالمغرب وحصل على عدة جوائز وطنية علاوة على مشاركة في مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما بالامارات العربية المتحدة 2014، كذلك مهرجان البقعة الدولي للمسرح بالسودان 2014 و قد حصل على 6 جوائز: أحسن عرض متكامل، جائزة احسن نص، أحسن اخراج، أحسن أداء نسائي أول، وأحسن سينوغرافيا، أحسن مؤثرات صوتية، كما تم عرض شرفي بمهرجان المسرح المدرسي لدول مجلس التعاون الخليجي بدولة البحريين، وكذلك تم عرضه بمهرجان بولندا الدولي للمونودراما لسنة 2014وحصل على الجائزة الكبرى.

وقد حالفني الحظ لرؤية “مايا”، عبر فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان البقعة في السودان الشقيق، 2014 كما حضرت فعاليات الأيام العربية بسطيف الجزائر حيث كان مشاركا خلالها عام 2013. وهو من تأليف وسينوغرافيا وموسيقى مصاحبة هشام بوسهلة هواري ومن إعداد أحمد بن خال، وبطولة سعاد جناتي.

وعرض مايا يجسد قصة حياة فتاة جزائرية مكافحة تنتمي للطبقة الفقيرة، وتبدأ أحداثها من الجزائر وحتى ” أسبانيا” بلاد الأندلس، بلد الغجر، بلد الفن والموسيقى والصخب والحياة، بلد الغجريات اللائي يسكنّ شارع الفنانين، أو ما يسمى بشارع الرمال ببرشلونة، فمن معهد بيت العالم تبدأ أحلام مايا بالتجسد عبر انتقالاتها الجسدية والصوتية والحركية والموسيقية من خلال تلك الرقعة ” خشبة المسرح” ، فيعايش المشاهد كيف غامرت تلك الـ “مايا” منذ أن “حُرِّقَتْ” أي هاجرت بشكل غير شرعي على ظهر إحدى السفن، وما عانته من الويلات حتى وصلت لبلاد الفن ولكنها، سقطت من علياء حلمها لتنكسر على صخرة الواقع، حيث لن تكون سوى خادمة، ومع ذلك نراها كيف عشقت وغنت ورقصت الفلامينكو، وقدمت حكايتها بكل اللغات، العربية الفرنسية والأسبانية، بصدق وإحساس، فضحكت، وبكت، وشخصت وتقمصت كل ما صادفته.

السينوغرافيا الكيوغرافية .. بتصرّف!
قد يتسرب الملل إلينا بعد الدقائق الأولى من حضور بعض العرض المسرحية، فما السبب؟ السبب أن مثل تلك العروض إما تنحو باتجاه تعظيم اللغة المنطوقة والحوار اللفظي المجرد، وإما تنحو باتجاه استخدام المايم والبانتوميم والكوليغرافيا الجسدية والرقص الاستعراضي والباليه وتطويع جسد الممثل لينجز مجموعة من الحركات الطبيعية أو المحاكية لحركات معينة.
ومخرجو الاتجاه الثاني يتمثلون “أنطونين أرطو” ومسرحه المسمى بـ “مسرح القسوة” الذي اهتم بالسينوغرافيا الكوليغرافية وتجريب الرقص والحركات الصامتة مع تقليص اللغة الحوارية الملفوظة لحساب الجسد وأوضاعه التشكيلية الدرامية.
وهذا ما فعله هشام بوسهلة مخرج العرض بشكل يُغبط عليه هذا الاتجاه في مايا إلا إنه اعتمد مع ذلك على الحوارات والمونولوجات المطوّلة التي امتلأ بها العرض.

فقد قام بالقبض على مشاهد عرضه النصية والتأكيد على ديلوجات قوية التأثير في مسار الحدث الدرامي، بحيث يستطيع تصويرها وهى الدراما اللفظية بتكنيك الصورة المشهدية، وإعادة الفرصة الذهبية لعمل الرؤى البصرية بشكل مبتكر في العرض خاصة تلك المناطق الغنية بالحركة الدرامية في حياة الشخصية، أي مناطق الصراع والتي تنقسم إلى صراع داخلي “بينها وبين آمالها وطموحاتها، وهو ما يترك أثره على تصرفاتها وحركتها الجسدية داخل (دخولا وخروجا وحركة سريعة أو بطيئة) داخل الفضاء المسرحي مانحا المشاهد صورة حية وترجمة لما يحدث بهذا الداخل، أوخارجي .. وهو ما نتج عن العلاقة ـ أيا كانت ـ تلك التي كانت بينها وبين كل الشخوص التي استدعتهم في العرض.

علاوة على قدرة المخرج الذي نفسه المؤلف وصانع السينوغرافيا على تفعيل الدلالات السيميائية عبر مواقف عديدة منذ مشهد البداية والذي نسمع من خلاله وقع أقدام صاخبة مصاحبا لصرخات السيدة ” أنونة” التي ما إن تنتهي حتى تعود وهي كما يقول المؤلف على لسان مايا ” الكل في الكل.. السكرتيرة العامة في بيت العالم و الخاصة بمسيو خوانيتو” صاحب معهد بيت العالم، وينتهي بالصخب الذي تحدثه الشخصية وهى تتكلم وترقص الفلامنكو وتصرخ وتصعد وتهبط معبرة عن المرحلة الأخيرة في رحلتها التي قطعتها بكثير من الأسى والمعاناة لتتحقق أحلامها مؤخرا.

كما حمل العرض وعلى الرغم من كونه مونودراما على عناصر بالرغم من بساطتها إلا إنها بحيوية استخدامها استمرت طوال مدة تجسده على خشبة المسرح وهى: “اليتارة البيضاء الخلفية” والدلو والمكنسة وفوطة التنظيف” التي تحملها البطلة طوال العرض.
فتتحول الستارة لغطاء رأس الجدة، وتتحول لساري السفينة .. كما تتحول للموج.. تتحول لخباء وخيمة.. أو شمسية تقي الحر والمطر.. كل تلك الصور تأخذ مدلولاتها العميقة بمشاركة فعالة من الإضاءة والتي تعبر عن خصوصية كل مفردة من تلك المفردات التي تتخلق من الظلال والضوء . اللذين يقومان بالتأكيد على المدلول السيكولوجي والنفسي الذي ينبئ عن مكنون شعور الشخصية.
ومن خلال مايا، يقوم بو سهلة بفك شفرات النص وتحويل اللغة المنطوقة إلى مشاهد عن ملء فضاء الحيز المسرحي بمفردات تغنيه فيشعر المشاهد بالشبع العاطفي من خلال:

1ـ تنوع الأداء الجسدي للممثلة في فضاء المسرحي
2ـ تعدد طرائق استخدام موتيفات العرض التي اتخذت من ستارة بيضاء منقسمة إلى جزئين معلقة عبر خلفية خشبة المسرح ومنسدلة بشكل فضفاض يسمح للبطلة التحرك بها هنا وهناك واستخدامها وتشكيلها بما يغني الفراغ المسرحي برؤى وفلسفات معبرة عن الحالة الآنية للشخصية ومحملة بمدلولاتها.
3ـ لم يعمد المخرج إلى تقديم صور مجهولة على مشاهده، ففي الوقت الذي يغوص فيه حوار منودراما مايا في مزيج من اللغة العربية الفصحى، /والعامية الجزائرية المحكية / الجزائرية الأمازيغية / الفرنسية/ الأسبانية ) إلا أنها تمثل إنعكاسا واضحا للعلاقات والشخصيات والعادات والتقاليد وخاصة المحورية منها، إلا أن كل من شاهد العرض استمتع بالصورة حين عجزت الكلمة في توصيل المعنى المادي لها تاركا التشكيل البري ليقوم بهذا الفعل المتمم لجمالية العرض.

ولو أن هذه التشكيلات البصرية تمثل جزءً من العرض وليس العرض كله. خاصة حين ينقل المشاهد لتقاليد الأجيال الماضية وهى ورة مجتزأة “الجدة وطقوسها في رمضان، حيث الحلوى الجزائرية التقليدية المعروفة بـالمقرود.. ـ والتي توزعها الجدة بعد فطور رمضان أو قبيل السحور.. وما يتبع هذه الصورة المجتزأة من اجترار الذكريات الحميمة فيحفز جموع المشاهدين على استكمال الصورة الذهنية عبر الشذرات الكلامية التي تطلقها الشخصية و التي تدعو المشاهد ليتخيل بقية طقوس وتقاليد الشهر الكريم. ولعل أكثر الوسائل التي استخدمها بوسهلة في صياغة وتشكيل فراغ الصورة المسرحية في مايا

1ـ الاكسسوارات. Les Accessoires
الاكسسوارات في مايا منه ما هو “مؤقت” ينتهي وجوده على خشبة المسرح بانتهاء توزيعه على الجمهور أو التهامه من قبل البطلة “المقروض” وهو نوع من الحلوى التقليدية الجزائرية موضوعة في كيس ورقي” أو دائم مثل “دلو لزوم التنظيف، تستخدمه أحيانا كمقعد وأحيانا كسلم وأحيانا أخرى بئر للاختفاء، مقشة أو مكنسة تستخدمها في التنظيف، فوطة لإزالة الأتربة، حقيبة أورق فضية اللون، وشال مزركش تستخدمه في نهاية العرض أثناء قيامها بدور المغنية التي تغيبت فتوافق السيدة أنونة أن تحل محلها وهذا كناية عن تحقيق طموحها الأثير في عالم الفن .

2ـ الملابس ـ Les Costumes
استخدم بوسهلة في بداية عرضه عرضه زي بسيط سروال وقميص أسود وبعد وصول مايا لأسبانيا ودخولها للعمل كخادمة في بيت العالم أضاف قطعة أخرى للنصف الأسفل ليصير “تنورة ذات كرانيش حمراء فيما يشبه ثوب الرقص الأسباني”، وغطاء للشعر مربوط للخلف بحيث لا يبدو شعر الممثلة، وهى ملابس محايدة لا يمكن تحديد شخصية صاحبتها إلا بمصاحبة العناصر الأخرى، “المكنسة والدلو وفوطة التنظيف” فتبدت أنها خادمة.
واستخدام اللون الأحمر سواء على مستوى الملابس أو الإضاءة فله دلالة مهمة حيث إنه من الألوان المثيرة على المستويين الداخلي والخارجي للشخصية.

3ـ الإضاءة ـ -L’éclairage
حينما تسقط الإضاءة على خشبة المسرح وتتحرك الأجساد بدرجات مدروسة يستطيع المشاهد امتلاك أولى أبجديات تواصله مع ما يتم تقديمه له، يقول إبراهيم، زكريا في كتابه مشكلة الفن عن أهمية الإضاءة كعنصر من عناصر العرض المسرحي: “في سنة 1879 التي كتب فيها إبسن مسرحية بيت الدمية اخترع توماس أديسون المصباح المتوهج. وكانت المسارح من أوائل المجالات التي عرفت هذا المنبع الضوئي الجديد. وكانت أوبرا باريس أول من استخدم النظام الجديد في الإضاءة المسرحية سنة 1880 . وسرعان ما عرف المصباح المتوهج طريقه الى المسارح في شتى أنحاء العالم”.

وفوق الخشبة لا يكتمل كل شيء إلا بفن الإضاءة، فهي التي تصنع الانسجام بين عناصر العمل الأخرى. وكثيرة هي الأعمال التي تعطي للإضاءة الدور الكبير والبارز، فهى ترفع من مستوى التصميم وذلك من خلال الألوان، بتقوية لغة العرض والمساهمة في إنتاج لغة بصرية متوهجة تموج في رؤى جمالية تتناسب مع الحوار اللفظي وتعطيه مزيدا من العمق حيث توجه نظر المشاهد للحظات ومناطق بعينها ليركز عليها دون غيرها، فلا يمكن أن نرى الشكل العام لخشبة المسرح؛ “المنظر” وما تحويه من مفردات جمالية إلا بواسطة الإضاءة، فمن الخطأ اعتبار الإضاءة مجرد ظل ونور، أو أن عملها ينتهي عند الإنارة فقط، فالإضاءة عنصر هام من عناصر السينوغرافيا لها لغتها وتأثيراتها، خاصة لحظة سقوطها على المصدر بألوان ودرجات محسوبة وهذا بحد ذاته يعني أنها عنصر شديد الحساسية والتأثير، حيث لم تعد مهمتها توضيح مكان الممثلين وقطع الديكور بل تخطت ذلك إلى أنها صارت جزءا لا يتجزأ من بنية العرض.

ففي “مايا” استطاعت الإضاءة شحن الجو النفسي للبطلة، بداية من اللحظات الأولى وعلاقاتها بكل الشخصيات حولها سواء الأساسية أو الفرعية، فنرى تجسد سخريتها من السكرتيرة العامة لبيت العالم مستر خوانيتو، والشخصيات الأخرى كـ “سي أحمد” السائق الخاص لمستر خوانيتو، وتوماس اليهودي، الذي حاول إغراءها لتصير فتاة أغلفة لكنها رفضت توقيع وثيقته المشبوهة ووافقت أن تعمل خادمة في بيت خوانيتو وهى في هذا كأنما ترعى حلمها، ثم تأتي شخصية جدتها التي تدعوها للمسجد، ثم الجيران ، ثم “ماريا” جارتها الأسبانية التي تعطي دروسا في رقص الفلامنكو، بعد تقاعدها كنجمة كانت صورها تتصدر الصفحات الأولى من المجلات الفنية، وعلاقتها بالصغيرة “حرودة” التي تحتاج لعملية، ووجوه من الحارة، فالإضاءة مع الموسيقى ساعدت كثيرا على شحن دواخل الممثلة لتبدي تغيرات شخصياتها التي تنوعت ما بين الفرح والحزن والسخرية والقهر والقلق كما توحي بتحولاتها من شخصية لأخرى.
3 ـ الدّيكورـ Le Décor
في “مايا” ساحة المسرح خالية تماما إلا من ستارة بيضاء. وهذا دليل على الإمكانات الهائلة للفنانة سعاد جانتي على مستوى حركة الجسد وتلوين الصوت والغناء فق حولت ساحة المسرح إلى ساحة تبارز فيها نفسها بنفسها لتنتصر مايا وتصير كائنا حيا بشحمه ولحمه.
الموسيقى:le musique
سيطرت موسيقى الفلامنكو منذ اللخظة الأولى والتي عبرت عن التوق الشديد من ناحية البطلة لاجتياز كل تلك العقبات التي تقف أمامها كالسد، لكن بوسهلة اختارها في بعض الأوقات لتناسب حالاتها المختلفة الأخرى، الشجن وهى تتألم على المركب، الصخب وهى ترقص، معبرة وهى نغني فتصبح الموسيقى عنصرا يساعد على غنى العرض وثرائه.

كلمة أخيرة
في مايا هشام بوسهلة وسعاد جانتي.. تكاملت العناصر الفنية، نص، سينوغرافيا، موسيقى ،ديكور، أداءا حقق لمتابعيه في كل مكان المتعة والفرجة المسرحية دون إسفاف ولا ابتذال، حتى إن التطويل (وهو ملاحظتي الوحيدة على العرض) تناسيته تماما لما تحققت الفرجة البصرية والمتعة الروحية معا وتجعل المتفرج يهتف من أعماقه: كلنا مايا مع اختلاف الحلم.

ــــــــــــــــــــــ

مجلة الخيال  ـ الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى