وجوه مسرحية

في ذكرى ميلادها ..من فيروز إلى باريس.. جارة القمر التي جاورته ثمانين عاما

بقلم: مي فاروق

ـ

على مسافةٍ ليست ببعيدةٍ من القمر، تطل فيروز التي جاورته ثمانين عاماً تحمل رسائله، تقطع الليل، لتستقر على الأرض برداءٍ أبيض لامع.

برغم ثِقل هذا الزمن الاستثنائي الذي اِظْلم فضاؤه بغيومٍ سوداء، يقطر منها دماء الضحايا والأبرياء، ودموع المشردين واللاجئين، وتبرز منها نيوب الفاسدين والمتآمرين، يظل الفضاء محتفظاً بقمر هلالي مضيء، فربما اختفت من السماء النجوم، ربما، لكن القمر ما زال باقياً.

وعلى مسافةٍ ليست ببعيدةٍ من القمر، تطل فيروز التي جاورته ثمانين عاماً تحمل رسائله، تقطع الليل، لتستقر على الأرض برداءٍ أبيض لامع.

إنها فيروز تلك المرأة ذات الجسد الهاديء الرقيق الذي يحمل صوتاً عريضاً عريقاً خالداً كميراثٍ ثقافي.

في مدى زمني يفوق النصف قرنٍ، ظلت جارة القمر مع الرحبانية يشكلون عنصراً فارقاً ليس على الساحة الغنائية وحسب بل على الساحة الثقافية كلها.

إنه صوت فيروز الذي يأتي كبشارة الصباح، وكالشجن في المساء، كالشوق والحنين، كالثورة والكرامة. كانت مع الرحبانية سينفونية لا تحتاج لقوامييس كأنها الوحي الذي يعلو كل الحكم والفلسفات.

صوتٌ بدأ في لبنان ليردده شعوب العالم شرقاً وغرباً، صُنف ليكون من العشرين صوتاً المؤثرين في العالم في القرن العشرين.

عموماً لا أريد الخوض في تفاصيل ومحطات حياتها لأني أراه حديثاً بارداً ليس لبرودة مشوارها الذي كان مفعماً بحرارة الحب والألم والثورة بل لأن الحديث من هذا النوع ليس سوى ثرثرةٍ متكررةٍ، لذا سأركز على أمور جعلتها ظاهرةً فنية فريدةً ربما لن تتكرر.

كما وصفها جاك لانغ وزير ثقافة فرنسا عندما سمعها تغني على مسرح بيرسي الفرنسي في أكتوبر/تشرين الأول ١٩٨٨، فقال عنها:

“صوتك سيدتي برهانٌ حي عبر عشرات السنين على التكامل الضروري والمثري للثقافات، جعلتِ من نفسكِ ليس فقط سفيرة لبنان إلى النجوم ولكن أيضاً رمز مجموعاتٍ ترفض أن تموت، صوتك يملك نقاء البداهات الأولى، البداهات التي لا تسمح بأي تناول، وبأي تواطؤ، إنه يشع بهذا التأثير الذي يعجز اللسان عن وصفه، والذي تنشره عطور لبنان وألوانه، إيقاعه استثنائي فعلاً لأنه لا يمكن الاستماع إليكِ دون الاحساس بتأثير كبير حتى ولم أفهم سيدتي كلمةً واحدةً من لغتك.. ” هكذا وصفها.

إن ما يميز فيروز عندي ليس الصوت وحده ولا حتى الألحان إن ما يميزها عندي أمران:

الأول: فن فيروز الإنساني .. هو فنٌ التزم بالانسان ذاته بعيداً عن الفروق الطائفية، صوت حليفٌ للطبيعةٍ بحياديتها وعدم عنصريتها، فقد غنت للإنسان، للأم، للطفل، للزهور، للطيور، للقمر، للعاشقين، للحرب، للسلام تلك فيروز الانسانية، أما فيروز العربية فقد كانت أعظم مناورة فنية ناجحة، وحّدت العرب جميعاً، فبعد خطابها للبنان “بحبك يا لبنان” خاطبت أغلب العواصم والبلدان العربية فتقول: يا شام عاد الصيف، عمّان في القلب، شط اسكندرية، مصر عادت شمسك الذهب، زهرة المدائن، يا قدسُ، تونس يا وردة البلدان، وللمغرب آرض البطوله والبطولة تكاد تكون مغربية، وخاطبت القضية الجزائرية في أغنيتها سافرت القضية، ولجميلة بوحيرد أرسلت رسالتها الغنائية بعنوان “صديقتي جميلة”.

كأن صوتها جامعة عربية، وبصمةً وثائقيةً أرشيفية خالدة وشاهدة على الزمن.

كان صوتاً يدعم السلام، بعيداً عن الفروق الدينية، فنجدنا ننتقل معه بأريحية رائعة بين ترنيمة (ما بين شعبي، ماذا صنعت) المستوحاة من الكتاب المقدس، إلى (غنيت مكة أهلها الصيدا والعيد يملأ أضلعي عيدا) لتكون مفارقة إنسانية مبهرة بل تكتمل هذه المفارقة عندما نعلم أن شاعر مكة حينها الشاعر المسيحي سعيد عقل، أليس ذلك انفرداً يبرهن أن للفن سلطة أخلاقية ليس مثلها لفلسفة ولا لتعليم.

علامةٌ أخرى فارقة وهامة في تاريخ فيروز الانساني والادبي قبل أن يكون الفني الا وهي أنها ببساطة وبلا تعقيد احتضنت جزءاً مهماً من شخصية الأدب العربي، فغنت لعنترة، وأبي نواس، وجرير، وابن سناء الملك، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، والأخطل الصغير، وسعيد عقل، وأحمد شوقي، ورفيق خوري، و بدوي الجبل، ونزار قباني.

في محاولةٍ ناجحة وراقية لايجاد مناخ ثقافي وفني، ويؤصل هذا الاتجاه أيضاً المسرح الغنائي الذي تميز به الرحبانية، ذلك المسرح الذي جمع بين الحب والأرض والتاريخ في دراما ملحمية يتخللها التحاور بالصيغ الشعرية.

أليس هذا برهاناً على أن الموسيقى ليست لغة العواطف فحسب بل لغة الفكر الانساني بكل ظواهره.

ثانياً : من فيروز إلى باريس

كان صوتها الراقي جواز مرور للعالم كله ليس باريس فحسب لكني اليوم لا أدري لماذا تستوقفني الرحلات التلاث التي قامت بها لباريس، الأولى ١٩٧٩ على مسرح الاولمبياد، (المسرح الشهير بسقط أم كلثوم عندما أراد أحد الحاضرين تقبيل قدميها) والثانية ١٩٨٨ على مسرح بيرسي، عندما منحتها فرنسا وسام الكوموندور الفرنسي، والثالثة ٢٠٠٢ على مسرح الآيل.

هل كان هذا عشقاً من فيروز لباريس، أم عشق مدينة النور للغناء العربي كله، وكيف لا وقد شغلت باريس بالموسيقى العربية وشغلت حيزاً كبيراً من اهتمامها، باريس عاصمة الاستشراق الاولى في العالم، أراها اليوم تبتعد وسط سجال من التوترات.

أسمع الآن شعر بودلير في قصيدة تأمل يقول:

كن حكيماً، أيا حزني،

وابق هادئاً أيا حزني،

هات يدك، تعال من هنا

بعيداً عنهم، شاهد السنوات المتوفاة

تميل على شرفات السماء بأثوابٍ بالية

ككفن طويل منسحب نحو الشرق.

لترد عليه فيروز برسالة إلى باريس

إلى باريس ، يا زهرة الحرية يا باريس، يا ذهب الحرية يا باريس

لبنان باعتلك بقلبي سلام ومحبة بيقلك لبنان

رح نرجع ونتلاقى عالشعر، عالصداقة، عالحق، وكرامة الإنسان.

فهل يا باريس سنلتقي للوعد ثانية؟

ــــــــــــــــــــــ

ميدل ايست أونلاين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى