نصوص

ننشر “رحلة التجلي” مونودراما للكاتب العراقي.. ذو الفقار البلداوي

المسرح نيوز ـ القاهرة| نصوص

ـ

 

 

 

مونودراما

 

 

 

رحلة التجلي

 

 

 

ذو الفقار البلداوي

 

 

( منتصف الليل ، اغنية فؤاد سالم حبينه ضي الكمر ، اضاءة في وسط المكان تكشف عن رجل منهك يسعل بين الحين والاخر ، متوسط العمر، يجلس امام جهاز جواله المثبت على ستاند ، بجانبه دمية كبيرة جالسة على كرسي (

آلووو ، مرحبا ، نعم اراك بوضوح ، لا احد هنا سواي ، من تقصد؟  هذه.. هذه صديقتي سنبلة صنعتها منذ تم حجري بهذه الغرفة منذ تقريبا عشرة ايام ، الوووو هل تسمعني ؟

أوووف انقطع النت مرة اخرى ، لا ادري يا سنبلة لماذا يقطعون الأنترنت علينا بهذه الفترة  رغم قسوة هذه الجائحة و وحشة العزل عن الاخرين .

فعلا إنها وحشة ، خاصة أول ليلة، فهي تشبه ليلة الوحشة عندما يترك الميت في قبره.

أتعلمين يا سنبلة ما الفرق بين أول ليلة في القبر وأول ليلة في العزل؟

أنا ساقول لك

عندما ظهرت النتيجة بانني مصاب ،  هرع الناس ينشرون الخبر، الجار يهمس لجاره ، الصديق يحذر رفاقه ، تخيلي يا سنبلة حتى المقربين يحذرون بعضهم ، صورتي أنتشرت في جميع وسائل السوشيال ميديا  الفيسبوك ، الانستجرام ، تويتر ، حتى تلك المجموعات في الواتساب والفايبر والتلجرام   .

جميعهم اتفقوا على خبر واحد رغم انهم لم يتفقوا مسبقا

جاء بالخبر ( احذروا سليم الأعور فهو مصاب بكورونا ) كل الناس يا سنبلة تهرب مني ، جميعهم ، حتى أولادي وزوجتي ، لم يعد هناك أحد أستطيع أن أجالسه او أتكلم معه أو يهتم بي ، رغم إني أعرف خطورة هذا الفايروس اللعين وحريص جدا على عدم نشره لكنني بحاجة لمن يؤانسني في هذه الشدة  ، جاءوا بي لهذا المكان وحيدا، لا يمكنني ان أحتضن أولادي أو زوجتي أو حتى أقبل يد أمي، لا أستطيع الخروج ، جميعهم خائف من ملامستي بل حتى من الحديث معي ، كل ذنبي أنني مصاب بفايروس رغم أنني أتمتع بصحة جيدة .

يفتح هذا الباب لثلاث مرات باليوم في كل مرة يدخل اثنان لا أكاد أميز منهما الذكر من الأنثى بسبب الأقنعه والبدلات والكفوف ، واحد منهما ينظف المكان والآخر يهتم بعلاجي .

 

في تلك الليلة استدركت صورة التشابه بالتعامل مع الميت والمصاب بالفايروس، إنها ليلة الوحشة

يالها من ليلة ، كأنه ذلك اليوم الموعود ، يوم يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه ، اااااااااااااه ياسنبلة ، من الصعب ان يعزل الفرد جبرا من من حوله

من يلمس الجنازة عليه ان يغتسل غسل الميت

ومن يلمسني عليه أن يعفر نفسه بنفس طريقة غسل الميت

عندما يودع الأهل والأصدقاء فقيدهم يحملوه إلى قبره ويجتمعون حوله وهم يصرخون ويبكون بحرارة ومن ثم يوارونه التراب فالميت كما يقولون يسمعهم وينام بهدوء بعد الوداع الاخير

بينما عندما جيء بي إلى هنا  جميع اهلي وأصدقائي هربوا مني

افتح جوالي لأتصفح العالم الافتراضي، أجد صورتي والتحذير في كل مكان ، الناس جميعا خائفة ، سخّروا عالمهم الافتراضي لبث طاقة سلبية لا احتملها ،  ولسان حالي يقول: اقسم لكم بكرامتي وإنسانيتي أنا لا اريد أذيتكم او ملامستكم كل ما أحتاجه هو ابتسامة او كف يرفع لوداعي

كل ذنوبي أنني مصاب بهذا الفايروس اللعين

(يستدرك ويجلس على ركبتيه امام سنبلة )

أتعلمين يا سنبلة أنا لست بميت ، الموتى لا يستطيعون الحركة وأنا أتحرك هنا ، الموتى لا يستطيعون التواصل او التكلم مع الاحياء وأنا أستطيع وان كان ذلك عبر عالم افتراضي .

أنا حي مازلت اتنفس واتحرك واتكلم ، كل ما احتاجه هو طاقة ايجابية تساعدني على تجاوز هذه المحنة .

حينها استذكرت ذلك الفيلم الذي احتجز بطله في جزيرة لا يسكنها احد كيف رسم على الكرة عينان وفم وظل يحاكيها ليبقى على قيد الحياة

لهذا السبب صنعتك يا جميلتي لكي تسانديني لتجاوز هذه المحنة

( يقف امام سنبلة وكانه يقف امام حبيبته ، يطلب منها كأمير ان ترقص معه الأميرة ، أغنية ياس خضر مجروحين تبدء من المقطع الثاني ” حبيناكم والحب ضاع .. يلعفتونه بلايه وداع )

 

 

( يبدأ بالسعال وكانه يختنق ، يجلس ارضا وهو يحتضن سنبلة )

لا تخافي يا أميرتي من سعالي ، لن يؤثر رذاذ سعالي بك ، فهذا الفايروس يستهدف الانسان ، ولايؤثر بالعرائس والدمى .

( صوت باب يفتح ، يسرع نحو الباب  )

هاقد جاؤوا…. مرحبا …. أنا مازلت حيا هنا … أتسمعونني ؟

دكتور ….. أستاذ ….. إن تسمعوني فأنا بصحة جيدة ولا أحتاج لشيء سوى التاكد من استمرار الأنترنت لكي أتواصل مع أهلي

( يعود ببطء الى الدمية ، يجلس بجانبها )

لا تنظري إليّ هكذا .

إنهم منهمكون مع المصابين ليلا ونهارا، أكيد هناك حالة طارئة شغلتهم من الرد علي، ردوا علي أو لم يردوا هي بقت بكيف الله

( يحاول أن يغير الموضوع )

أتعلمين يا سنبلة قد فاتتنا مراسيم التعارف على بعضنا ، فنحن بني البشر نقضي عمرنا كله نعمل ، نكافح ، ندرس ،نتخاصم ، نبني قصورا ، نتزوج وننجب اولادا ، نجمع مالا ، نتقاتل من اجلها ، نتصارع من اجل ان يكون لنا جاه وعائلة وتاريخ ، كنت لا اعرف قوتها ، لكن في ليلة الوحشة عرفت بان فايروس لا يرى بالعين المجردة يموت بماء وصابون استطاع ان يمحو كل شيء هههههههههههههههههههههه ما اتفهنا …. نقضي حياتنا كلها من اجل ان  نكون واصغر الاشياء يحطمها بلحظة ، علينا ان نعيد النظر بما نعمل ونكرس ما تبقى من عمرنا لما هو لا تؤثر به اقوى الامور واعظمها  .. لا علينا

سنبلة يا أميرتي أعرفك عن نفسك ، أنت سنبلة دميتي  التي صنعتها من قماش وقطن وسادتي ، عمرك عشرة أيام ، وظيفتك هو الاستماع إليّ فقط ، أحركك كما يحلو لي

أما أنا

فاسمي سليم …. كل من يعرفني يدلعني ويسميني سليم الأعور ( يضحك ) لا اهتم لهذا اللقب رغم اني بعينين سليمتين كما يبدو لك

سليم الذي لم يسلم من مكائد الحياة ، دمية صنعت من طين يحركها القدر كما يحلو له ، دخلت المدرسة كان عمري ست سنوات والجميع يسميني سليم ابن الشهيد ، لا أعلم كيف استشهد والدي ، كل ما أعرفه أن أمي كأنت تقول إن والدك الشهيد كان يكره الحرب ويحب الحياة ، فهو كان صانع للعرائس ومسرحيا رائعا ، أجبروه على المشاركة في تلك الحرب التي قتلته . الحرب التي جردتني من طفولتي ، الحرب التي سلبتني والدي ، الحرب التي كانت ومازالت كابوس الطفولة والحياة الحرب الحرب الحرب الحرب الحرب الحر…….ب ببببببببببببب

 

( يبدأ في الارتجاف ، يلتحف بفراشه )

في سنتي الأولى بتلك المدرسة سقط صاروخ من الحرب التي يكرهها أبي الشهيد ، قتل أصدقاىي وأصابني بجروح ، حينها فقدت عيني اليمنى ، فظلت أمي الأرملة تلف بي بين مستشفيات البلاد محاولة إيجاد حل لعيني التالفة.. بلا فائدة .

لا أنسى يوم وقفت أمي بباب ذلك المستشفى العسكري .

(يقلد أمه ، يضع الغطاء فوق رأسه وكعباءة )

وينكم يهل الرحم ، هذا طفل ابن شهيد ، عينه راحت بصاروخ الحرب …… عفيه داده ابو خليل ماتعرف طبيب عيون هنا؟

عيني استاذ هذا ابن شهيد وعينه راحت بصاروخ الحرب ،

يولد عيني . آني مثل اختك ما توديني لمسؤول هنا أريد أحجي وياه الله يستر عليك

( يضع الغطاء على الدمية ، ينتحل دور المسؤول )

شبيج من الصبح بس تفترين لباب المستشفى؟

اشش ما اريدج تفكين حلكج

ثبرتينه بابنج …. ليش بس ابنج ابن شهيد؟

لو جنابج تريدين تثيرين الرأي العام على الحرب والثورة؟

اششششششششششششش

زوجة الشهيد المحترمة تكعد في بيتها مو تفتر كااااااااااافي

افتهمت عين ابنج مهجومة

وبعدين تعالي اكلج منو يكول ابنج اصلا كان بذيج المدرسة ؟

ومنو يكول ابنج ما متعارك بالشارع وتدعين هو جريح بصاروخ الحرب ؟

بس ميخالف ….. بما إنه أنتي حلوة ومطيعة …. نحسبه جريح حرب ونعالجه هنا بس افتحي العبايه شوية

 

(يمد يده المسؤول لفتح العباءة ، تبصق الأم بوجهه ويبتعد ، يعود سليم )

سنبلة … أمي الشجاعة بصقت في وجهه ودفعته ، وقالت : تف عليكم وعلى حربكم … تف عليكم وعلى ثورتكم … تف عليكم من رجال لا تحترم أرامل شهدائها وتعزها

خرجنا مسرعين إلى بيتنا … وفي المساء جاء رجال الأمن وانهالوا على أمي بالضرب … لم استطع الدفاع عنها …. أخذونا إلى بناية لا أتذكرها كل ما أتذكره أمي معلقة وثلاثة رجال يجلدونها ، ثلاثة أيام معلقة وأنا أراقبها وأبكي.. أبكي  بعين واحدة وحين تلتفت الي تبتسم بوجهي رغم المها   (يبكي) وعندما انزلوها بقيت مقعدة لا تستطيع الوقوف الى يومنا هذا .

بعدها زجوا بنا في تلك الصحراء، حيث بقينا هناك سنة وتسعة أشهر ، حينها صرت ام واب وابن لأمي ، وبعد ان منحونا الحرية ورجعنا لديارنا أصرت أمي أن اكمل تعليمي ، فكنت أكدح وأعمل لنعيش وفي المساء أدرس بإحدى المدارس المسائية التي كأنت تديرها امرأة مسنة ، إلى هذا الوقت وأنا اسمي سليم ابن الشهيد صانع العرائس .

في احد الأيام وبينما كانوا يكرمون أبناء الشهداء ، طلبت تلك المديرة من أبناء الشهداء تقدم الصفوف، وعندما خرجت قالت لمعلمي : فليرجع هذا الأعور إلى الخلف، ومن يومها صار الجميع يدلعني بسليم الاعور.

( يرن الهاتف وهو على الستاند )

سنبلة!.. إنها أمي

آلو …. صباح الخير حبيبتي … أنا بخير وأتمتع بصحة جيدة … أخبريني أنت … هل اكلتي جيدا ؟؟ هل دخلتي الحمام ؟؟؟

أنا بخير لا تهتمي لامري المهم أنت

اقسم لك بدم الشهيد أنا بخير وسنبلة ايضا بخير … ساقبلها من اجلك  .

عليك ارتداء الكمامة والكفوف ولا تنقطعي من تعقيم كل شيء ، اتسمعينني الووو

جل ما احتاجه هو ان ترفعي يدك بالدعاء من اجلي … احبك أمي … الله يتقبل … مع السلامة

سنبلة سنبلة ايتها العزيزة انها أمي …. لقد سمعت صوتها .. تبدو بصحة جيدة ….أمووووووا هذه القبلة من أمي لك … لقد وعدتني ان تصلي من اجلنا وترفع يدها للسماء بالدعاء لسلامتنا .

 

تعالي اجلسي بمكانك لكي أكمل لك ما بدأته

 

بعد تلك الحادثة تركت المدرسة ، وتعلمت صناعة العرائس من أمي التي ورثتها من ابي ، وبعد ان تغير النظام اصبحت أمي سجينة سياسية وخصصوا لها راتبا لا بأس به ، فكأنت المسكينة تذخر منه لعلاج عيني ، وأنا اعمل واذخر من عملي لعلاج أمي ، حتى تمكنت من اقناعها والسفر الى الهند للعلاج ، أنا اجريت عملية تجميلية لعيني وبقيت ارى بعين واحدة وهي بقيت مقعدة لتفاقم كسر عمودها الفقري ، هذه قصتي

( صوت نغمات تشير لعودة الأنترنت )

الحمد لله ها قد عادت الحياة الافتراضية للتواصل مع الاخرين

(أغنية طير الحمام للفنان رضا الخياط ، يحمل جهاز الموبايل يتصفح به ، تظهر داتاشو خلفه ، وهو يرد على اصدقائه وزوجته بالماسنجر ، ومن ثم يتحول الى  صفحته بالفيس بوك يتصفح بها ، تختفي الاغنية وتبقى شاشة الداتاشو خلفه ، تظهر له رسالة ماسنجر ، احدهم يرسل له فيديو المعاون الطبي ابن البصرة محمد وهو يغني لامرأة، المقطع المشهور يا أمي يا ام الوفه ، يقترب من سنبلة وكانه يريها اياه ، تختفي الداتاشوب لمجرد ان ينزل جهازه )

ما احلاه وهو يطمئن هذه الأم.. اااه لو كل الناس هكذا … يبثون طاقة إيجابية ، لأنتصرن على هذا الوباء ، ما يقتلنا هو الخوف وتلك الطاقة السلبية التي تبثها دمى نجهل محركها

( يقوم من مكانه ويتقدم وسط امام المسرح ويرفع يده )

يارب .. نحن عرائسك التي صنعتها من طين ونفخت بها وقلت لها كوني فكنا ارحمنا برحمتك يالله

يارب .. الم تقل في كتابك المبين ولاتزر وازرة وزر أخرى؟ فلماذا تؤاخذني على سوء اعمال غيري منذ صغر سني ؟

يارب .. ألم تبشر المظلوم بنصر حينما اقسمت ” وعزتي وجلالي لانصرنك ولو بعد حين ؟؟ أنا بامس الحاجة الان لنصرك

يا من تعلم الغيب اعلم اني لست أيوب النبي لأصبر ولا أملك قلب يعقوب لأحزن

إلهي ومولاي … أنا دميتك الحية التي سخرت لها كل شيء سخر لي نجاة مما أنا فيه

فأنت من جعل ابي يموت مبكرا.. وأنت الذي جعل أمي مشلولة.. وأنت الذي سخر ذلك الصاروخ لافقد عيني.. وأنت من ابتلاني بهذا الوباء .. وأنت قادر على نجاتي وأنت على كل شيء قدير

الهي لا تحاسبني اسوة بباقي العرائس التي صنعتها وتمتعت بحال افضل من حالي

إلهي أنا عبدك ودميتك وأنت ربي فإليك فوضت امري

( صوت آذان ، يتجه نحو الدمية يأخذ الغطاء من تحتها يفرشه للصلاة ، يضع الدمية على الأرض امامه ، ويبدء الصلاة وكأنه يصلي على جنازته)

 

دم

النهاية

 

ذوالفقار البلداوي

٢٤/٧ / ٢٠٢٠

 

٠٠٩٦٤٧٨٠٣٧٦٥٠٧٠

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى