مقالات ودراسات

ننشر نص دراسة “د. هشام زين الدين” حول الرائد مارون النقاش..قبل إقامة مناظرة ريادة المسرح العربي في الجزائر قريباً(3/3)

المسرح نيوز ـ مقالات | د. هشام زين الدين*
أكاديمي وناقد لبناني ـ (3/2)

ـ

بناء لطلب بعض الاصدقاء انشر نص الدراسة التي قمت باعدادها حول الرائد مارون النقاش.
وذلك قبل اقامة المناظرة حول ريادة المسرح العربي في الجزائر قريبا
الجزء الثالث
المسرحية الثانية “أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد” قدمها النقاش في نهاية عام 1849 وبداية 1950 في بيته أيضاً، وكما في المسرحية الاولى فقد مثّل فيها هو وأفراد عائلته وبعض أصدقائه.
الرحالة الانكليزي دايفيد اركيوهارت شاهد هذه المسرحية شخصياً وكتب قائلاً: “امتطينا الخيول وسرنا تتقدمنا مشاعل السنديان المتوهجة واخترقنا زقاقاً ضيقاً وهبطنا درجاً منحدراً يصعب على الخيل اجتيازه، وبلغنا بيتاً تعمّه الفوضى وهو يغص بجمع حاشد كانوا في هرج ومرج، ولمّا دخلنا إلى قاعة الاستقبال كانت الورود منثورة في أرجاء القاعة، والأنوار تتوهّج في كل ناحية، فتوالت علينا عبارت الترحيب، ثم أديرت أكواب القرفة الساخنة”، ويتابع واصفاً المسرحية ” الأزياء كانت تبدو مطابقة للتاريخ أمّا ادوار النساء فقد قام بها شبان مُرد نجحوا تماماً في تنكّرهم، وبالرغم من أن الحفلة كانت طويلة بل طويلة جداً لم يغادرها احد من الحضور، بل كنت ترى على وجوههم إمارات البشاشة والمرح، وكوفئ المؤلف والممثلون بالهتاف والتصفيق وأخذ الجمهور يرشق المسرح بوابل من الورود”، وفي تقييمه المستوى الفني من ناحية التمثيل والغناء والاخراج قال: “كان في التمثيل بعض الارتباك كما كان الغناء رديئاً، لكن إخراج المسرحية من الناحية الفنية كان موفقاً وقد دلت على مواعب كامنة عند المؤلف كما برهنت على أن النفس العربية يمكن إيقاظها وتحريكها بسهولة”(11).
لقد استوحى مارون النقاش موضوع هذه المسرحية من إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، وهي الحكاية التي ترويها شهرزاد في الليلة الثالثة والخمسين بعد المئة، وعنوانها “النائم واليقظان”، ولكن مارون النقاش لم يلتزم في تأليف مسرحيته الحبكة البسيطة والساذجة الموجودة في ألف ليلة وليلة ولم يتقيّد بالحوادث المحدودة التي نسجت منها بل أضاف إليها الكثير وزاد من عنصر التشويق والإثارة فأخرج شخصية البطل من نطاق قصة “ألف ليلة وليلة” وألبسه ثوباً انسانياً وجعل تصرفاته في الحياة نتيجة لبواعث انسانية كالحب والغيرة والحيرة والندم، هذا إلى جانب حشد كل عناصر الاضحاك ومقوماته بحيث أصبحت المسرحية خلقاً خالصاً وجهداً فنياً كبيراً.
أمّا أسلوب كتابة النص فاعتمد كما في “البخيل” على السجع والصور البيانية والتشابيه والاستعارات المصطنعة الى حد ما، والتي لم تخدم النص دائماً، كما اعتمد النقاش على الاكثار من الغناء والطرب على حساب الحركة المسرحية أحياناً، وذلك لكي يرضي ذوق الجمهور آنذاك، وعن هذا الموضوع يقول مارون النقاش في إحدى خطبه : “وإذا كانت هذه المراسح تنقسم إلى مرتبتين كلتاهما تقرّ فيها العين، احداهما يسمونها “بروزة” وتنقسم إلى كوميديا ثم إلى دراما وإلى تراجيديا، ويبرزونها بسيطة بغير أشعار وغير ملحنة على الآلات والأوتار، وثانيهما تسمى عندهم “أوبرا” وتنقسم نظير تلك إلى عبوسة ومحزنة ومزهرة، وهي التي في فلك الموسيقى مقمّرة، فكان الأهم والألزم بالأحرى أن أصنّف وأترجم بالمرتبة الأولى لا الأخرى، لأنها أسهل وأقرب وفي البداءة أوجب، ولكن الذي ألزمني لمخالفة القياس وممارسة هذا المراس، أولاً لأن الثانية كانت لدي ألذ وأشهى وأبهج وأبهى، ومن عادة المرء ألاّ يجود ممّا بيديه إلا على ما مالت نفسه إليه، والمصنّف حيث يكون مناه، يطفح نحوه جود قريحته ونهاه، ثانياً حيث ظنّ المرء بالناس كظنه بنفسه بلا التباس، فترجحت آرائي ورغبتي وغيرتي أن الثانية أن الثانية تكون أحب من الأولى عند قومي وعشيرتي، فلذلك قد صوّبت أخيراً قصدي إلى تقليد المرسح الموسيقي المجدي”(12).
إن أهمية هذه المسرحية تكمن في كونها قد جمعت العنصر التاريخي الذي استوحى النقاش منه المادة مع عنصر الإضحاك المولييري القائم على كوميديا الموقف والشخصيات المضحكة ولعل هذه الخطوة بالنسبة للنقاش كانت تجربة هادفة في سبيل البحث عن الأصول المحلية للمسرح الذي أسّسه بمعنى آخر، إن هذه المسرحية تمثّل نقطة البداية في البحث عن الصيغة المحلية للمسرح العربي وإن جاءت بشكل سطحي وبسيط، أي أن النقاش لم يكن ناقلاً للمسرح الأوروبي نقلاً غير مسؤول وغير واع، بل أن تأليفه للمسرحية الثانية واختياره الإطار والطرح التاريخي شكلاً ومضموناً كان مقصوداً هذه المرة ويهدف إلى إيجاد أسس متينة مختلفة عن المسرح الأوروبي، ينطلق منها لتحقيق حلم حياته، ولطالما عمل جاهداً لأجل تحقيق هذا الحلم. وعن رأيه بالمسرح ورسالته يقول مارون: “لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر، وعدا اكتساب الناس منها التأديب ورشفهم رضاب النصائح والتمدّن والتهذيب، فإنهم بالوقت ذاته يتعلّمون ألفاضاً فصيحة ويغتنمون معاني رجيحة، إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظّم ووزن محكّم، ثم يتنعّمون بالرياضة الجسدية واستماع الآلات الموسيقية، ويتعلّمون إن أرادوا مقامات الألحان، وفن الغنا بين الندمان، ويربحون معرفة الإشارات الفعّالة وإظهار الإمارالت العمّالة، ويتمتّعون بالنظارات المعجبة والتشكلات المطربة، ويتلذّذون بالفصول المضحكة المفرحة والوقايع المسرة المبهجة، ثم يتفقّهون بالأمور العالمية والحوادث المدنية ويتخرّجون في علم السلوك ومنادمة الملوك، وبالنتيجة فهي جنة أرضية وحافلة سنية، فأرجوكم أن تصغوا لها وتسمعوا، وهذا ضرب منها فتمتّعوا(13).
أمّا المسرحية الثالثة والأخيرة التي قدّمها مارون النقاش سنة 1851 فهي “الحسود السليط” التي عرضت على خشبة المسرح الذي بناه النقاش في حديقة منزله في منطقة الجميزة في بيروت وهو أول بناء مسرحي في تاريخ المسرح العربي.
“الحسود السليط” تميّزت عن سابقاتها إذ كان لها طرحها الجديد، فالمقارنة بينها وبين سابقاتها توضح أنها أقرب إلى الواقع خاصة من ناحية رسم شخصية البطل “سمعان” والغوص في عمق النفس الانسانية، فالبطل يبكي كطفل ويتأثر ويتغيّر بتغيّير المواقف ويسقط وينهار كأبطال المآسي في المسرحيات الكلاسيكية، هذا بالإضافة إلى الأسلوب السهل والبسيط في الكتابة، والواقعية في طرح الموضوع. كل هذه الأمور مجتمعة ميّزت تلك المسرحية عن “البخيل” و “هارون الرشيد” بالإضافة الى ذلك فالشخصيات المسرحية فيها تملك وضعها الاجتماعي الخاص ممّا دعا نقولا النقاش إلى امتداح أسلوبها بقوله: ” هذه الطريقة هي من أخص صنايع ودقايق هذا الفن، أي أنه كما أن مشخّص الدور ملزوم بإظهار الإشارات والحركات المناسبة بالنظر إلى دوره، هكذا أيضاً مطلوب من البمؤلف ان يعطي لكل دور حقه من الألفاظ لكي يكون كل شيء مناسباً ولائقاً لحالة صاحب ذلك الدور”(14).
وعليه فإن تطوّر قدرة التأليف عند مارون النقاش يبدو واضحاً بين المسرحيتين الاولى والثالثة، وكأنه انتقل من النص الادبي إلى النص شبه المسرحي الذي كتبه بعناية فائقة ورسم خطوطه الدرامية بدقة. ومن الطبيعي أن يكون ذلك قد حصل نتيجة الخبرات المتتالية عملياً ونظرياً، خصوصاً وإن النقاش كان دائم العمل على تطوير نفسه وثقافته المسرحية فجاء نص “الحسود السليط” ليكون الأقرب بين النصوص الثلاثة إلى نظرية التأليف الدرامي وقوانينه، وهذا ما يؤكّد على موهبة النقاش الخلاقة المبدعة في حينه.
وللمقارنة فقط، نوضح أن تأثر النقاش بموليير كان شكلياً وبسيطاً إن صحّ التعبير ولم يكن تأثراً مبدئياً، فالدراما كنوع مسرحي(و”الحسود السليط” تنتمي اليه) له شروطه وميزاته وقد ظهر بعد موليير الذي عاش في القرن السابع عشر، مثله مثل الكوميديا الشاعرية والميلودراما، ما يعني أن النقاش لم يكن ناقلاً للفن المولييري كما يحلو للبعض أن يعتقد، بل كان مسرحيا متفرداً بفنه وخلقه وابداعه. إلا أن السنوات القليلة التي عاشها والسنوات الأقل التي مارس فيها فنه المسرحي لم تكن كافية لتوطيد دعائم هذا الفن بشكل متين فقد مات مارون النقاش في عز شبابه وغمرة عطائه، مات وفي عينيه دمعة وفي قلبه حسرة وأسف شديد لعدم تقبل المسرح من قبل معاصريه والمجتمع الذي عمل لأجله، ألم يقل قبل موته: “إن دوام هذا الفن في بلادنا أمر بعيد”، ولعله كان شديد الاقتناع بذلك لأنه لم يترك المسرح الذي بناه لكي يبقى مركزاً لتقديم المسرحيات أو مكاناً يجمع تلامذته ومن سوف يأتون من بعده لممارسة هذا الفن، بل تبرّع به إلى الكنيسة فهل اعتبر مارون النقاش أن ما فعله كان خطيئة؟ فأوصى المسرح للكنيسة تكفيراً عن خطاياه، أم أن التقليد في حينه كان يقضي بأن يوصي الانسان بشيء مما يملك ليطيب ذكره بعد موته؟ سؤال محيّر والإجابة عليه ليست بالأمر السهل.
ويبقى القول إنه مع غياب الرائد الأول فقد لبنان والعالم العربي البناء المسرحي الأول، أما الفن المسرحي فقد استمرّ في لبنان في المدارس والجمعيات الخيرية والعلمية، وتابع تلامذة مارون النقاش رسالته من بعده فألفوا المسرحيات وقدموها حتى نهاية القرن التاسع عشر، وبفضلهم انتقلت “عدوى” المسرح إلى سوريا ومصر بل أن مشاركة اللبنانيين في تأسيس المسرح المصري كانت أساسية.
واليوم لا يسعنا إلا الفتخار بإن مارون النقاش اللبناني العربي كأن أول من حاول ممارسة هذا الفن في بلادنا، وبفضل موهبته الخلاقة تعرّف لبنان فن الخشبة لينقله بعد ذلك على أجنحة روّاده الجدد إلى كافة أقطار العرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى