مقالات ودراسات

الناقدة البحرينية “زهراء المنصور” تكتب عن مونودراما “وجود” وتتساءل: من يمنحها عمرًا أجمل؟!


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات دراسات

ـ

بقلم : زهراء المنصور
ناقدة من البحرين
لا يحتاج أي عرض مونودراما بطلته أنثى إلى التفكير مطوّلاً عن القضية التي ستعرض عبرها. تضيق التصورات في التخمين، فهذا مخلوق إشكالاته مقدرة عليه منذ حكاية خروج آدم من الجنة، وما لحقته من آثام مجانية تحيل إلى الإدانة غالباً، تكوينه النفسي/ العاطفي والجسدي –بالتأكيد- يشكل منافذ يسهل الدخول منها وإليها، إلقاء اللوم عليها وتحميلها أي تبعات قائمة أو قادمة يسير ومتوفر دائماً، والمنفذ إلى دخوله رهافة الخلق؛ لذا فإن أي مشكلة تسرد لها علاقة بطبيعة هذا الجنس، وعلاقته الآخر به، والعكس.
ولو حاولنا في استعراض سريع لمسرحيات مونودراما بطلتها أنثى، ستتولى مخيلتنا مسئولية تخمين المعاناة بمجرد بدأ الحدث، لأم كل معاناتها جاهزة ومتوفرة، رغم أن كل البشر -يقيناً- يعانون من أشياء مختلفة وبنسب متفرقة، لكن ما أسهل أن تعلق الهموم الإنسانية كلها في جنس الأنثى، لأنه -ببساطة- قادر على التعبير عن كل هذا، وأكثر. لذا تعبر بطلة عرض المونودراما “وجود”، الممثلة “ريم ونوس”، عن معاناة “ما”، لا يدرك المتلقي ماهيتها منذ البداية، عبر تجسيد حالات متتالية تعبر عن آلام؛ هل هي فقد؟ هل هي فراق؟ معاناة مستمرة؟ ألم جسدي؟ نفسي؟ لا يستطيع أحد أن يجزم طبيعة المعاناة، لأن البطلة تجول هنا وهناك في جمل متفرقة، تخاطب بها شخوصاً غير مرئيين، وتخاطب الغائب الذي يرقّ قلبها له: “هكذا صنوان، قد قُدّا من الجَلَدِ، اثنان كالحبر والكتابة، ظلان في حقيقة البلاء والابتلاء والمساواة. غير أني، وحدي، أضيء بتأويل الرؤى. فمتى، أيها الكون، أفكّ القوافي، أعبر نحو مصيري مثل سواي”. يميز من بين “المخاطبين” التنويع في حدة الصوت، ورِقّته، مع تناغمه أدائياً في المساحة المخصصة لحركة البطلة.
قدم هذا العمل المخرج جمال الغيلان، الذي عمل على خلق رؤية جديدة لنص الكاتب العراقي د.كاظم مؤنس، هيّأت العرض لمستوى من الغموض الكافي لإثارة الفضول وإرباك المتلقي وقتاً لا بأس به من وقت العرض الذي لا يزيد عن النصف ساعة، فاختار أن يدمج الجمهور مع البطلة، لذا تخلّى عن العلبة الإيطالية المعتادة، ودفعه لوسط الحدث حتى يتمازج مع الخطاب الذي توجهه للغائب/ للجمهور، وهو أيضاً تكوين سينوغرافي يجعل من المتفرجين جزءاً من اللعبة في العرض. فلمن ستوجه البطلة، مجهولة الاسم، عتابها وعذاباتها؟ كيف سنشعر بحبات العرق الندية على الجبين وصرخات الحرقة على الوجع المكتوم، واهتزازات الخوف من تخطي الحدود حتى لا تظهر صفارة الإنذار المادية في العرض، والمتوافرة في الحياة بكثرة، وبصور متعددة، تمارس بحق الأنثى؟ ثم كيف عمل العرض على الإمعان في تمويه قضيته عبر السينوغرافيا التي اعتمدت على إفراد المراحل التي تمر بها البطلة من خلال المؤثرات البصرية والموسيقى الحية، المتمثلة في صوت الأذان، أو تراتيل الكنيسة، أو أذكار الصوفية، لئلّا تحسب على طائفة، أو فكر، أو توجه، فتحصر الفكرة وتموت في وقتها!
واشتغل المخرج على إعادة تشغيل النص برؤيته، بدءاً من العتبة الأولى للتلقي، فحوله من “حين يعود الإنسان إليك” إلى “وجود”. والحقيقة أن العنوانين دالّان وحاملا أوجه؛ الأول مال إلى الفلسفة والتجريد، والثاني وضع عنواناً مطلقاً لا يستدل على مضمون العرض من خلاله، ليقع المطلع في حيرة فكرة النص/ العرض. فتجاوز الغيلان كشف الموضوع منذ البداية في المخاض والولادة وموت الطفل الذي كشف عنه المؤلف في كتابته للنص: “صوت طفل يرى النور للمرة الأولى”، تتبعها أغنية تراثية “دللّول يا الولد يا ابني دللّول”، وهي كما تذكر المصادر ترنيمة الأم العراقية لولدها قبل النوم، أي لأنها تخص جغرافية وبيئة معينة ما، حتى وإن تناسجت الثقافات المختلفة، فكيف إن كانت متقاربة ومتشابهة؟ ولو كان المخرج قد “نفّذ” النص كما هو حسب ترتيبه، فسيكشف هوية الشخصية/ المكان/ الحدث باعتبارها علامات دالة، ولانجلت حالة الغموض التي تتبعها المتلقي حتى الوصول للقسم الرئيس من العرض.
لم يعطِ العرض أيضاً وجهة نظر ملموسة في سرد معاناة بطلته، استعرضها ومضى؛ لا إشارة لتجريم، أو تعزيز لنصرة ما، أو حتى تحديد هوية الطرف الآخر غير المرئي، فقد يكون ذكر على اعتبار أن الشخصية أنثى، أو مجموعة معادية لأي سبب، أو أن المجتمع الذي قد يرمز له بالقيود وصفارات الإنذار التحذيرية حينما تتخطى الحدود. إذاً فالعرض يلقي بتبعاته على المتلقي نفسه في التحليل وتقييم الحالة، وأيضاً إصدار الحكم! بعض السرد يليق به أن يرمي ما في جعبته ويمضي، حتى تظل شائكة في الذهن، وهنا الحدث لا شائك ولا غريب؛ لأنه يحدث في كل وقت، وليست فكرة فقدان الطفل ومعاناة الأم إلا مستوى أولياً على مد النظر الذي تحدّه أطر حدود البطلة على الأرض وفي محيطها، لكن العرض -بشكل ما- يرمينا في بحر آخر غير هذا الذي نحن فيه، عبر إشارات وحركة الممثلة:
” تنهض بهدوء، تنظر إلى مصدر الضوء، تعود بنظرها للجمهور، ثم تعاود النظر إلى مصدر الضوء مرة أخرى، في محاولة لمشاركة الجمهور في تفسير سجنها داخل دائرة الضوء
السيدة: ( بهدوء)
هكذا يتربص بي الموت، يتربص بي مرتين… أموت هنا.
(تشير إلى الدائرة)
أو أموت هناك!”
على صعيد التجسيد، وعلى الرغم من أن المعاناة جسّدت للأنثى التي تفقد وتفارق؛ حبيبةً، وزوجةً، وأماً، إلا أن أداء ونّوس يظهر الجسد الأنثوي كأداة من أدوات التشخيص “الإنساني” الصميم، وهي إشارة مهمة إلى أن المعاناة لا تختص بجنس عن آخر، حتى مع الإشارة لوضع الأم الحائرة/ الثكلى، عدا أن كل ثقل المونودراما أساساً يتحمله الممثل الواحد، الذي يجب أن يتقن الأداء وشد الانتباه حتى يحظى بالمتابعة وإيصال العمق الذي أراده، ببساطة مناسبة، دون أن يتخلل هذا سأم مونولوج طويل ومبهم. ولا شك أن العرض محظوظ بوجود ممثلة مجتهدة تبذل كل طاقاتها من أجل خدمة هذه الشخصية/ الشخصيات، التي سبق وأن قامت بأدائها في عروض مسرحية بحرينية، وعرض “وجود” هو تجربتها المونودرامية الأولى التي تستعرض فيها جزءاً من طاقتها المخلصة للتمثيل وحده، وتسيطر على الخشبة؛ وحيدة، وقادرة.
وفي المشهد الرئيسي الذي يكشف سر المعاناة من الذين “نصبوا مشنقة”، ومقاومتها العنيفة للآخر/ الآخرين غير المرئيين، ولا المسميين، والمتحكمين في حياتها ومصيرها دون ظهور مادي، تتجلى “ونوس” في أداء مبهر صامت، وهي متربعة على الأرض، تصدر الشعور بفقد “الولد” بفجاعة ملموسة، ومكتومة، لا تملك إلا التفاعل معها، ومع إنسانية حالتها التي فسرت كل هذيان الحالات السابقة من المنظور القريب على الأقل. وعلى الرغم من أن تقديمة العمل تذكر عن العرض أن فكرته الفلسفية في التعلق بالأمل، وإنسان اليوم المشغول بحيرته وعذابه، و”الدعوة لتحرير ذاته، ومناشدة للمساواة، وتحرير نصفه الآخر من كل المتحجرات القديمة”، إلا أن الجمل المشغولة بعناية تحدّ جمال النص والعرض معاً، اللذين يحضّان على التأويل وإعمال الفكر في قصدية المؤلف والمخرج معاً، أو منفردين، وليس أجمل من عرض نغادره فيشغلنا بما رمى إليه، ونختلف في رؤيتنا له، وأن نستجمع أن ما حصل في البداية مقيدة الأطراف، والتي تنهك فيها الممثلة حتى تفك أسرها، تعني أنها في مشهدها الآخير سوف تمد نفس اليدين لطرفين “آمنين”، وهذا يدعو إلى السكينة والاطمئنان، وأن نهاية المقاومة ستؤتي أُكُلها، وإن طالت.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock