مقالات ودراسات

د. حسن عبود النخيلة يكتب: الديكولونيالية والمتحوّل الميتامسرحي.. إطاحة  المركزيات في “إنسوا هاملت”


المسرح نيوز ـ القاهرة: مقالات ودراسات

ـ

 أ.د. حسن عبود النخيلة

  أكاديمي وناقد عراقي

ليس من قبيل الاطراء او لمجرد التدوين ، اوالانهمام بانجاز  مقالة ما ، بل من اجل جاذبية كبيرة ، وتأثير لا تغادرنا أصداءه ، وشعور كبير بالمسؤولية في انتاج نص مواز ، لتجربة مسرحية صادقة ، حفلت بملكات فكرية ، وطاقة فنية ، لا يمكن تجاوزها بالنسيان ، وعدم الاكتراث ، او الركون الى زوايا الصمت .

انطلاقا من كل ذلك ، لابد من أداء الدور الإنساني والمهني بإخلاص ، أمام ثقل الأمانة التي قام  بادائها المخرج المجتهد  الدكتور – عبد الكريم عبود ، ووضعها بين أيدينا ،  في زمن صعب ، اختاره. ليطلق صوتاً مدوياً  ، عبر عرض ( انسوا هاملت) ..

فقد برز تحطيم المقدس ، الذي صنعته الفبركة الاورومركزية ، والذي بات يحاصرنا من كل صوب وحدب ، وهذا الانسلاخ عن الذات ، والتباعد الكينوني ، الذي  لم يترك أرضا ولا سماءً لها خصوصيتها ، وينعم فيها أهلها .

إزاء هذه المحنة الكبرى – يشكل هذا العرض ناقوساً مدوياً ، في منعطف الفكر الديكولونيالي – وهذه المرة عبر الممارسة المسرحية – بروح عربية أصيلة – وعراقية لا تموه رؤيتها – أكاذيب الزمن وخداعه .

أزمة كبيرة مدوية يترجمها المخرج د. كريم عبود . مع كادره التمثيلي الذي لم يكن منطلقاً بأداء هذه المهمة الصعبة ، دون بسالة وحرص وتمكّن ، جعل من العرض طاقة واعية في تسديد الخطاب لهدفه ، بجماليات عالية ، أعطت للفن المسرحي كنهه ، وموقعه من السمو ، ومنحت لتشخيصات الواقع الإيحاء التام بحيثياتها وتفاصيلها وشموليتها ، التي منحت العرض بعداً جغرافياً شمولياً . دون الابتعاد عن رسم الهوية الوطنية والانتماء الجنوبي لبصرتنا المهيبة – لاسيما – قربها من البحر ، وما تفرضه جغرافيا المكان من عادات وتقاليد ، استعارها العرض – ليمنح لعالميته دفقا محلياً ، ويكسبه روحاً جدلية ، أعطت للتجربة المسرحية بعداً ميتامسرحيا فاعلا ومؤثرا جدا  .

امتازت شخصية الممثل ( عبد الزهرة سامي ) المؤدي لدور (هوراشيو) بممارسة ميتامسرحية عالية الامتياز ، فقد كان أداء هذا الممثل ممسكاً بطرفين مختلفين ، لكنه روعته في تلك التلقائية والانسيابية التي تجعله يمر بينهما أدائياً دون ان يُشعر المتلقي بمفارقة النقيض ، وهو هنا شاهد على زمنين مختلفين . زمن مضى وزمن قائم ، جغرافية بعيدة جداً ، ولسان حال ملاصق للواقع الآني . ما بين المد الغربي – وما بين الهم العربي .

اقترب( عبد الزهرة  كثيرا ) من طبيعة الأداء المتأمل لذاته ، لم تكن الشخصية سوى حجة لتمرير خطاباته الساخنة ، ولم تكن الاستعارة التمثيلية سوى جواز مرور لأهدافه التي وصلت بخفة ظل كبير ، وتقبّلٍ ، لم يُشعر المتلقي حتى بفارق اللغة الدارجة عن اللغة القياسية التي حملها نص ( جواد الأسدي) – الملغوم أصلاً .

نقول ملغوماً – لأنه هكذا فعلاً – وهو يمارس الديكولونيالية عبر صحوة الكتابة المسرحية . وهو يضع عنواناً آخراً لمسرحية – هاملت – ( انسوا هاملت)

فليس لمعالم السقوط ما يوازيها في هاملت واحد – أو هاملت بالصفات ذاتها ، أيّ هاملتٍ يحتمل متواليات السقوط العالمي والعربي اليوم .في ظل هذا الجنون الترامبي المنفلت ، الذي طال كل شيء !.

إنّ المخرج د. كريم عبود . كان ذكياً جداً ، وبارعاً جداً ؛ أولاً بحكم اختياره لهذا النص للمؤلف والمخرج ( جواد الأسدي) هذا النص المنغمر بروح النقد الثقافي – عبر الممارسة الكتابية المسرحية ، وهو نص ميتامسرحي بامتياز ، كما وانّه نص ديكولونيالي بامتياز .

والفعل الإخراجي الذي خاض به المخرج ، عندما جاء بالوتيرة ذاتها التي افلح فيها الأسدي كثيراً بإنتاج نصه ، قاد التجربة المسرحية إلى تصاعد ميتامسرحي وديكولونيالي مضاعف .

المؤثرات الصوتية الذكية والغنية بروح التعبير ، والمساندة لطاقة أداء الممثل، وكأنها جزء لا يتجزأ منه ، ساهمت بتحقيق الوحدة الأدائية ، والتماسك الكبير في بناء الفضاء         المسرحي ، الذي امتد للناظر والمتلقي إلى ما يوحي باللانهاية ، أو ذلك الاستبدال بالنهاية التقليدية بــ (نهاية  ديناميكية ) التي جاءت مكانياً وفعلاً أدائياً في عمق المسرح ، واستوعبت وجود الشخصيات المكشوف حتى عند مغادرتها من أداء دورها . لتوحي باللا نهاية  ؛  لذلك نجد هذا العمق يتشكل جمالياً وبديمومة ، وبأبهى وأروع صور في علاقات التوزيع والحجم والتشكّل ، ومنطق الصورة الرقمية، والإضاءة المؤدية التي لا تكف عن البوح .  التي حققها وعي السينوغراف الرائع “علي السوداني” ، وامكانية الفنّي ” علي غانم” في صناعة فيديو الذكاء الاصطناعي .

هذا العالم اللامتناهي – يعطي تصورا لفداحة الظلم اليوم ، وفيه بلاغ وخطاب إيحائي    كبير ، اكسب العرض طاقة عظيمة ومسافة جمالية مضاعفة ، عندما ارتكز على الاستعارات الجمالية ، وانعتق من المباشرة.

اجتهد المخرج كثيرا عبر مضاعفة الأداء، والأفعال ميتامسرحياً ، وقد عزز ذلك كثيرا عبر تقنية الذكاء الاصطناعي ،والتضحيم السمولاكري ، الذي يؤجج شساعة الموقف ، وامتداده ، والإعلان عن عبوره للحدود المعتادة .

إنّ هذه العلاقة ما بين العمق الذي حفل بسطوة العالم المنبعث من الذكاء الاصطناعي ، وهيمنة السيمولاكر  ، وتلك السينوغرافيا العالية الدقة ، وما حفلت به من الوان وإيحاءات ، وانبعاثات صورية ميزت بجدارة الممثل حال بلوغه هذا الحيز – الذي في العادة يعني الانتهاء ، والانفصال عن اللحظة الأدائية ، وعودة الممثل إلى ذاته الشخصية الواقعية  ، فكان العكس هو الحاضر في إنتاج تشكّل جديد لكل شخصية تمثيلية تنهي دورها في جغرافيا الخشبة المسرحية ، وتحل في هذا الحيز المكاني، الذي ميّزه على السوداني بأعمدة ضوئية توحي بعالم فخم ، أو عالم مختلف تماما يعطي للمسرح مساحات أدائية مختلفة ، ومتفاعلة ، وإنّ اعتماد غشاءً شفافاً للستار الخلفي في عمق المسرح ، يؤكد لعبة ( الاستمرار)  و اللا نهاية التي تطوق العالم اليوم ببؤس لا ينقطع ، بل أن أفعال، وأشكال، وتكوينات الأشكال الأدمية للممثلين ، وقطع الديكور، والرسم الضوئي للمكان ، وسلطان الذكاء الاصطناعي والسمولاكر ، كلها ، تفصح عن أن الخطاب اليوم بات عارياً ، وان وقاحته لا تحتمل     الإخفاء ، بل انه صار يعلن عن نفسه ، دون خجل ولا خشية ، ولا اكتراث ، لكل المشاعر الإنسانية – التي ما عادت تشكّل عائقاً ، يوقف الجريمة ، وفادح الأفعال الخانقة .

إن تكشّفات الفكر الديكولونيالي ، الذي كرس له المخرج السطوة الأبرز في هذا         العرض؛ ليمنح عرضه المسرحي المهم مساحته من استنطاق الزمن ، والحلول فيه ، سانده بشكل كبير طبيعة الأداء الميتامسرحي ، المتصل بميتامسرحية النص الحاذقة والحاضرة ، لذا فأنّ الأداء المركب ، كان حاضراً بشدة لدى جميع ممثلي هذا العرض . نعم ، إن هناك درجات تمييزية لهذا الأداء ، على الصعيد التمثيلي ، بل وعلى مستوى الأداء الداعم للمؤثرات الصوتية      ( نقول أداءً للمؤثر الصوتي – وللموسيقى ) ؛ لأنّ وظيفة هذه العناصر في هذا العرض، ليست وظيفة تأثير في لحظة ما – ليس هذا فقط – بل هي وظيفة أدائية بامتياز

فالموسيقى المتقنة في العرض المسرحي ، يجب أن تؤكد حضور الذات الإنسانية ، وتضاعف من درجات التأثير لأفعالها ، بل وتبقي حضورها حتى في لحظات الغياب المادي ، بل إنها يمكن أن تحقق ممارسة ضدية ، حينما تبرز موقفاً مغايراً للحظة الأداء المنطلق من الممثلين انفسهم . والأغلب الأعم يعرف أن المهمة الفكرية للموسيقى – كما قدمها برتولد بريخت – تجعل من الأخيرة مُعلّقةً على الأحداث ، متضمنة أيديولوجيا خاصة ، توصل رسائل معارضة لما استقر في الخطاب المنتج من الممثلين انفسهم – وهذا ما افصح عنه عرض انسوا هاملت ؛ فالاعتماد على الإيقاع  ( البصْري)  ـــــ نسبة إلى تراث البصرة – وما يتداوله المرتحلون في عباب البحر ، ورقصاتهم ، وترانيمهم ، لا سيما الإيقاع الذي أكده هذا العرض – وجعله كاشفاً عن نهايات الموقف في المشهد المسرحي  ، والتمهيد والبدء في مشهد لاحق .

لا يعدّ فقط مساحة ترويحية من ثقل ما يكتنف المشهد من أهوال يفصح عنها  الممثلون ، بل هو موقف فكري ، في استناده على الإيقاع الذي يسمى ( الحدادي) لدى البحارة في البصرة ، وهو يرتبط لديهم بأهوال المغامرة البحرية ، التي تنذر بالموت ، فكان هذا الإيقاع يرتبط بالموقف الحزين ، الذي تنطلق فيه رحلة البحارة من جمع يصل إلى 60 بحارا ، ثم العودة بعد نهاية الرحلة بـــ 20 بحار  فقط ، بعد فقدان 40 منهم .

على هذا الأساس ، يأتي التوضيف الفكري الميتامسرحي ، في عملية التركيب للمشاهد بشكل معلن ، مشفوعا بطاقة ميتامسرحية مضاعفة بمصاحبة هذا الإيقاع ، لينتج مضاعفة متوالية للفكرة ، التي يُفصح عنها الممثلون في نهاية العرض ، في إعلانهم الأخير عن جدلية الفناء والبقاء – الهاملتي – الكلوديوسي –  .

فالكرسي باقٍ ما دام كلوديوس باقٍ ، والفناء مصير من اختاروا طريق الموت . لا طريق المقاومة ــ الديكولونيالي ــ .

والأدهى والأمر . إن حالة اللامبالاة هذه – التي تمثل نقدا ثقافيا – بدأه الكاتب (جواد الاسدي) في نص انسوا هاملت . قد غدت مفترقات العرض المسرحي ، لتذهب إلى استحضار مرآة كاشفة للواقع العام ، فأدهى المواقف تقع بجوار هاملت ، ولكن ردود أفعاله تظهره يغور في اللامبالاة ، وتعطيل الأحاسيس ، وهذا شأن ما يجثم على صدر مجتمع اليوم من حال لا يفترق أبداً.

وعلى الرغم من قبح الحالات والوقائع التي يطرحها هذا العرض ــ بمسؤولية عالية ـــ إلا انّه ارتكز على انبعاث جمالي يقترن بالفن ، فهذا الانبعاث الجمالي – كشف عن جدل النصوص –

إذا ما نظرنا إلى صيغ التقديم الإخراجي – التي اعتمدها المخرج – وهذه ميزة بارزة تفصح عن خصوصية إخراجية مائزة لدى المخرج . منذ عرضه لأحداث ، وانتقاله للأم شجاعة ، والآن هذا العرض الذي كشف عن رسوخ المنهج لديه في الكشف عن صراع النصوص ، وحاجته الماسة لممثل متشضٍ ينهض بهذه المهمة ، التي طالت في تجربته هذه ، جميع الممثلين بدرجات متفاوته ، ولم يفلت منها حتى حفّاري القبور ، اللذين أجادا في أداء دورهما ، الممثل الشاب (جعفر علي ) والممثلة ( انتظار حسن) ، بروعة أدائية واضحة .


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock