مقالات ودراسات

د. علي خليفة يكتب: ثيمة الانتظار في مسرح صلاح عبد الصبور


المسرح نيوز ـ القاهرة: مقالات ودراسات

ـ

د. علي خليفة

أكاديمي وناقد مصري

 

ثيمة الانتظار في مسرح صلاح عبد الصبور

(1)

ثيمة الانتظار نراها في مسرحيات صلاح عبد الصبور الخمس التي كتبها، وإن كانت تتبدى بشكل قوي في مسرحية “الأميرة تنتظر”، لا سيما من خلال عنوانها الكاشف عن عقدتها؛ وهي انتظار الأميرة التي بها لخلاصها كيف سيكون.
وتصور هذه المسرحية أميرة مذنبة تكفر عن ذنوبها في كوخ بغابة السرو مع ثلاث وصيفات لها. وكان ذنبها – أو جرمها – في أنها استجابت لغواية حارس من حراس مملكة أبيها، فعشقته، وسلمت له جسدها، ثم عقلها. وبعد أن رأته قتل أباها في مخدعه، وأخذ خاتم ملكه وافقته على أن تعلن لكبير الحراس أن أباها قد مات ميتة عادية، وأنه أوصى بابنته وبملكه لهذا الحارس، واسمه “سمندل”.
ولكن الأميرة لم تستطع أن تتعايش مع هذا الشخص، وقد شعرت بعظم الجرم الذي شاركت فيه معه؛ ولهذا – كما قلنا من قبل – تفر مع ثلاث وصيفات لهذا الكوخ، ويأتي تكفير الأميرة عن ذنبها من خلال تشخيصها مع وصيفاتها الثلاث للحدث الذي تم فيه قتل والدها من قبل السمندل.
ونرى الأميرة خلال ذلك تنتظر خلاصها من هذا التعذيب الذي تقوم به لنفسها بمساعدة وصيفاتها الثلاث، وما أشبه ما تقوم به الأميرة هنا مع وصيفاتها من تجسيد حدث قتل أبيها الملك – بما يقوم به الشيعة في تعازيهم بتجسيد مقتل الحسين  في كربلاء، وهم يحيون تلك الذكرى.
والأميرة ليس عندها رؤية واضحة لكيفية خلاصها من هذه الآلام التي تعانيها، وتظن أنه من الممكن أن يأتيها السمندل في ذلك الكوخ، ويعدها بأن تحسن سيرته في ملكه، وأن يصطحبها معه لقصر المُلْكِ بعد شعوره بالندم، وأيضًا لديها ترقب وانتظار بأن خلاصها من تعذيب ضميرها قد يأتي من خلال شخص – أو أشخاص آخرين –.
ويدخل على الأميرة ووصيفاتها في الكوخ أولاً شخص من عامة الشعب، يقول: إن اسمه قرندل، وإنه جاء إلى هذا الكوخ؛ لأن لديه علمًا بأن هناك شخصًا ينتظره، سيأتي إليه، ومن خلال تعامله معه ستتم أغنيته.
ثم يأتي بعد ذلك لهذا الكوخ السمندل، وتكون الأميرة مع وصيفاتها قد انتهين من تمثيل مشهد قتل الملك الشيخ، وانهمرن في بكاء شديد.
ويحاول السمندل أن يغري الأميرة بأن تعود معه للمملكة عسى أن يخضع له جنوده والشعب بعد أن انقلبوا عليه، ولم يعودوا يصدقون حكاية الملك الشيخ الذي أوصى له بابنته وبخاتم ملكه.
وتكاد الأميرة أن تصدق السمندل، وتستجيب له، وتعود معه للبلاد وللقصر، ولكن القرندل يهجم على السمندل، ويقتله، وينصح الأميرة
بألا تخضع لأي رجل بعد ذلك، وأنها يجب أن تكفيها ذاتها، وتكون سيدة وأميرة فحسب.
وعند ذلك يقول القرندل: إن أغنيته قد اكتملت، وتستعد الأميرة مع وصيفاتها للذهاب للقصر؛ لكي تتسلم ملك أبيها الذي كان قد اغتصبه السمندل، ووافقته على ذلك حينًا، ثم أصابها الندم والألم.
ولا شك أن مسرحية “الأميرة تنتظر” تحتمل تأويلات عديدة، وأكثرها يصب في جانب الأحداث السياسية التي مرت بها مصر في الفترة التي كتبت فيها تلك المسرحية، وإن كنت أرى أن للمسرحية أبعادًا أعمق من ذلك، فهي تشير إلى أن خلاص كل أمة حدث لها انتكاسة وهزيمة
لا بد أن يكون من خلال أبنائها العاديين الذين يقيمونها من عثراتها وهزائمها.
(2)
ونرى في مسرحية “مسافر ليل” أجواء عبثية تحدث فيها، ففيها نرى راكبًا يجلس في مقعده بقطار، ويستشعر الرهبة والملل، وينتظر بصبر فارغ وصول القطار للمحطة التي يرغب في الوصول إليها لينزل منه، ويشعر بالطمأنينة والأمان.
ولكن الأحداث التي تحدث لهذا الراكب في ذلك القطار تزيد اضطرابه وقلقه، ولا تجعله يرجع آمنًا في رحلة عودته بالقطار، بل تنتهي أحداث هذه المسرحية بقتله على يد شخص يتلبس عدة شخصيات، كالحية وهي تغير جلدها، فهو يدعي في البداية أنه الإسكندر، ويرهب الراكب من حديثه، ويظن أنه الإسكندر بالفعل، وأن العظماء يعودون للحياة مرة أخرى؛ ولهذا يتذلل له عسى أن ينجو منه.
ثم يغير ذلك الشخص هيئته، ويستغرب من خوف الراكب منه، ويقول له: إنه عامل بالقطار لقطع التذاكر، ثم بعد ذلك يقول: إنه عشري السترة، وإنه مسئول عن هذه المنطقة، ويحقق في قضية كبرى فيها مساس بالمقدس، وتنتهي سادية ذلك الشخص بقتله الراكب، وسط ذهول الراوي بالمسرحية الذي يستجيب في نهايتها لأوامر ذلك الشخص الغريب؛ خشية أن يقتله، كما قتل ذلك الراكب المسكين.
وفي هذه المسرحية نرى أن خوف الراكب وضعفه، وقسوة ذلك الشخص الغريب وساديته – هما السبب في ضياع حلم الراكب في وصوله للمحطة التي يرغب في الوصول إليها، خلال انتظاره ذلك الوصول بذلك القطار في الليل.
(3)
ومسرحية “مأساة الحلاج” نرى في بدايتها الحلاج مترددًا فيما يجب عليه القيام به، هل يكتفي بنشوته الصوفية وأحاديث الوجد إلى ربه، أو يخلع خرقته الصوفية، وينزل للناس ليحدثهم عن العدل، وكيف يحصلون على حقوقهم؟ وبهذا يتحول لثائر سياسي بعد أن كان شاعرًا متصوفًا منعزلاً مع شعره ومواجده الصوفية، ولا يظل الحلاج طويلاً في حالة انتظار للقرار الذي سيتخذه بشأن حيرته هذه، فخلال حديثه مع الشبلي في الفصل الأول يقرر خلع خرقة التصوف والنزول للناس، والحديث إليهم عن العدل وأهمية أن يأخذوا حقوقهم ممن يظلمونهم من الحكام.
ثم نرى الحلاج في سجنه بعد أن قبض عليه خلال حديثه للناس في السوق – ينتظر خلاصه من ذلك السجن بمحاكمته، وحين يخبره السجان بأنه سيحاكم اليوم يفرح، ويرى أن هذا اليوم من أسعد أيامه، وأن الله قد اختار مصيره بعد طول انتظار له.
ثم يحاكم الحلاج محاكمة صورية، تنتهي بالحكم عليه بالزندقة والقتل؛ وبهذا تكون هذه المحاكمة أوقفت انتظاره، وجاءت له بالخلاص الذي كان يتمناه بالموت؛ لأنه كان يرى أنه لا بد له أن يموت ليتم خلاصه، وكان موته جزاء له؛ لأنه كشف سر الصحبة، وعبر عن مواجده.
(4)
وكذلك نرى ثيمة الانتظار في مسرحية “ليلى والمجنون”، وفيها نرى بعض الصحفيين في مقر إحدى الجرائد ينتظرون أن ينتظم عملهم بعد أن صدر قرار بعدم نشر الصحيفة التي يكتبون فيها؛ لأنها تثور على المحتل الإنجليزي لمصر خلال فترة احتلاله لها، لا سيما مع أحداث حريق القاهرة التي حدثت قبيل ثورة يوليو.
وفي هذه المسرحية نرى بطلها “سعيدًا” شخصًا مسلوب الإرادة، فهو رهين ماضيه المؤلم الذي تعذب فيه مع أمه، ويبدو عاجزًا عن الفعل، وحين ترى عجزه هذا حبيبته ليلى تهجره، وتسلم جسدها في نشوة لحسان، وإن كانت ندمت على هذا بعد ذلك.
ومن مظاهر ضعف سعيد أيضًا في هذه المسرحية أنه يرى نفسه وأمثاله من شباب عصره ضائعين وغير قادرين على الفعل؛ ولهذا فهو ينتظر القادم الذي يحمل سيفًا لا قلمًا، ونراه في مونولوج طويل يعبر عن انتظاره لذلك المخلص الذي يحمل سيفًا لا قلمًا مثله.
وتنتهي المسرحية بسجن سعيد بعد أن حاول قتل حسان؛ لكونه كان جاسوسًا عليهم، ويظل سعيد في حالة انتظار لذلك المخلص الذي لا يكتفي بالقول أو بمحاولة القتل الفاشلة.
(5)
أما مسرحية “بعد أن يموت الملك” فنرى فيها الملكة تنتظر خلاصها بعد موت الملك، ومن ضمن الحلول الثلاثة لخلاصها التي تعرضها الجوقة في هذه المسرحية، أن يقوم الشاعر بالزواج منها وإنجاب طفل يكون له الملك بعد ذلك.
وهكذا نرى أن ثيمة الانتظار لها أثر واضح في مسرحيات صلاح عبد الصبور الخمس التي كتبها، وكان هذا الأثر واضحًا في أحداثها، وعلى الشخصيات الأساسية فيها، كما رأين


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock