مقالات ودراسات

 جورج طانيوس الزغبي يكتب:في “مسرح الطفل في لبنان” لعبيدو باشا: قصة حياة ووليمة عرس


المسرح نيوز ـ لبنان | متابعات

ـ
في زمن التحديات نستعين بالذاكرة ونسرد الطيب منها ونستزيد منها خبزاً ليومنا الحاضر والزمن المقبل. وها هو عبيدو باشا يأخذنا في رحلة استعادة حركة مسرح الطفل في لبنان (عرائس بلا أعراس/ مسرح الطفل في لبنان، الهيئة العربية للمسرح)، فيقص لنا وعلينا أخبار تلك الحركة التي عاشها وشارك فيها وتابعها بكل العشق والشغف والإدراك والمسؤولية. وهذا ما يظهر من اسلوبه في سرد الوقائع والأخبار.

يدعونا عبيدو باشا إلى الحفاظ على ما مضى من إنتاج فني وثقافي من خلال جمعه وتوثيقه في كتاب – مرجع ودليل يرشد إلى طريق المستقبل إذا اردنا نهضة جديدة في حقل المسرح. أهمية الكتاب أنه محاولة رصينة جدية لتأريخ حركة مسرحية رائدة في العالم العربي قبل أن تضيع تلك الأخبار والمراحل والنشاطات. انه شهادة ابن الحركة والبيت؛ هو الذي تعددت ادواره من التمثيل (ص 62) وتحريك الدمى ودور الراوي (ص71) الى كتابة السيناريو والأغاني لمسرحية “الغراب الأسود” (ص77 وص 120). وهو الملتصق بكل
جوانب تلك المرحلة والقائمين عليها من الرواد على اختلاف مساهماتهم.
اسلوب الكتاب دقيق لاذع، تهكمي ايضًا، إلا انه يحلل الأمور ويطرحها من جوانبها المتعددة. وهو كأنه قصة حياة عاشها المؤلف ويشعر بالحنين الى تلك الظاهرة الفنية التي ينتمي إليها في علاقة ارتباط وجودي ثابت. يدعونا إلى هذه الوليمة – العرس ولا يمكن إلا أن ننضم إليه في هذا الإحتفال المثير. كيف لا، والكتاب يتضمن مراجعة للتجربة كلها، مفصّلاً مضمونها ومنطلقاتها ومقيّماً اثرها ومستخلصاً العبر والدروس.
في فترة زمنية قصيرة (1975 -1984) قامت مجموعة كبيرة من التجارب والفرق المسرحية، بلغت 22 تجربة متنوعة (ص12 وص232) مما يدل على إدراك كبير لأهمية العمل الفني في ظروف الحرب. انها فورة بناءة وحركة نهضة (ص 17) راكمت التجارب والإختبارات. فالمؤلف يتناول تجربة مسرحية متكاملة العناصر والأسس، من النصوص الى الإخراج والتمثيل والديكور (ص 71)، تمكنت من فرض وجودها كحال ثقافية ناجحة وفاعلة، ومواجهة التحدي بالإبتكار وتأمين العناصر الفنية والجمالية اللازمة. بهذا، تحولت الى ظاهرة ثقافية لعلها الأبرز، كما يقول المؤلف، في الربع الأخير من القرن العشرين (ص156)، وبلغت مرحلة النضج والادراك والقدرة على استعمال الوسائل والتقنيات المتقدمة اسوة بما كان قائمًا في العالم الغربي (ص 172)
لمن الكتاب؟
تسألني صحافية صديقة: لمن هذا الكتاب؟ ومن يهتم حالياً بمثل هذه المسائل؟ إنه أولاً كتاب ذاكرة لتجربة مميزة يجب أن يطلع عليها طلاب الفنون والمسرح بنوع خاص؛ إنه مرجع لهم يساعدهم في توجهاتهم ودراساتهم وحتى في عملهم في ما بعد. لذا، يجب أن يوزع على مكتبات المعاهد والجامعات في لبنان والعالم العربي. إنه كتاب يستحق التوزيع مع التنويه والتقدير بالمنتجين.
يبقى نداء ملحّ، خلاصته أن على الأشخاص الذين عملوا في هذه التجارب ويملكون أرشيفا ووثائق ودفاتر وتسجيلات، القيام بمهمة جمع هذا التراث في المكتبة الوطنية لحفظه أولاً ووضعه في تصرف الباحثين والطلاب وكل محب للمسرح والثقافة. وهذا إقتراح برسم وزارة الثقافة عندنا.
لا بد من الاعتراف ان عبيدو باشا خزان كبير من الأخبار والحكايات والقصص التي تخص الفنانين والمؤلفين ومعظم تجارب المدينة! هذا الولد الذي عاش في بيئة متواضعة كان- والدنيا حرب وثورة (1958) يسعى عند الساعة الخامسة من كل عشية لتسلق الحائط والجلوس خلسة لمشاهدة العرض المسرحي الذي يبثه تلفزيون الجيران الميسورين والمسحورين بالبرامج الجديدة (ص 40). هذا الولد الحالم المليء بالمشاعر والأمل أصبح هو هذا الكاتب الشرس الذي لا يخاف الكلمة والموقف… إلا أنه لا يزال ذلك العاشق لكل إنتاج فني يثير الخيال والفكر والقلب.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock