مقالات ودراسات

نقاد مصريون يقترحون.. كيفية خلق أجيال جديدة وواعية من النقاد المسرحيين


المسرح نيوز ـ القاهرة | تحقيق: كمال سلطان

ــ

 

 

د. حسن عطية: المقال ليس مجرد رأى وإنما هو بناء جمالي

صفاء البيلى: بعض النقاد أصبح لديهم شكل محدد وجاهز للمقال

د.وفاء كمالو: هناك خلط بين النقد وبين التغطية الصحفية

أحمد خميس: دور الناقد هو تسهيل العلاقة بين المبدع والمتلقي

هند سلامة: النقد لا يعنى التعرض للسلبيات فقط

داليا همام: النقد هو تنقية مابين الغث والثمين فى مفردات العرض المسرحي

د. ياسمين فراج: أهمية النقد أنه ينقل مافى وعى المبدع إلى وعى المتلقي العادى

 

إن العلاقة بين العمل المسرحي والنقد الفني مثل طرفي المقص، كلاهما مشدود للآخر، لكن كلا منهما في اتجاه، لو أغلقت المقص هناك شيء ما يقطع ، ذلك هو الشكل المرتسم في أذهان بعض النقاد الذين تعلموا أن النقد يعنى الهجوم والبحث عن الخطايا داخل العرض المسرحي ، لكن الأمر أكبر وأشمل من ذلك فالتعريف الدقيق للنقد هو إصدار الحكم على الأشياء بقواعد علمية تدرس وهو الحديث العلمي عن الفن ..أو شيء درس ووضع له قوانين ويمكن أن نصل إلى أساس علمي فيها ..

وفى هذا التحقيق الشامل نعرض لكم آراء عدد من النقاد المسرحيين من مختلف الأجيال لنتعرف من خلالهم على معنى النقد وأهميته ووظيفته ، وما هي نصائحهم للناقد المبتدئ ، وكيف يطور أدواته .. وما هي الأشياء التي يجب أن ينميها فى نفسه والأشياء التي يجب أن يتجنبها ..

يقول الناقد د. حسن عطية: النقد المسرحي هو عملية تحليل وتفسير وتقييم عمل إبداعي وتقريبه للمتلقى ، إذا كان النص من فترة زمنية سابقة مثل نصوص شكسبير أو آرثر ميللر كلها نصوص ناتجة عن مجتمعات وأزمنة معينة وأقرب مثال حى على ذلك هو نص “الحفلة التنكرية” الذي كتبه مورافيا كرواية عقب الحرب العالمية الثانية وتعرض خلاله لديكتاتورية أدولف هتلر ثم تحول إلى نص مسرحي بعدها بسنوات ، وحينما نتعرض له اليوم يجب أن نبدل فيه لكى يلائم العصر ويلائم الجمهور أيضا ، ولابد للناقد أن يكون ملما بسياق العمل الإبداعي والمتلقي، وظيفة النقد تختلف من ناقد إلى ناقد فهناك من يرى أن النقد مهمته هي إضاءة العمل الإبداعي فقط، وهناك من يرى أن حرية المبدع في عرضه توازيها حرية الناقد أيضا فى التعرض للعمل يكل تفاصيله بل ويعتبر نفسه جزءا من العملية الإبداعية ، غاية النقد هي أن يبين للمبدع المسافة التي وصل إليها من إبداعه ويبين للمجتمع أهمية هذا العمل ، فمن الممكن ألا ينتبه المتلقي لعرض مسرحي جيد جدا وعلى الناقد أن يشير إليه وأن ينبه لوجود عمل جيد في هذا المكان.

وحول نصيحته للناقد المبتدئ يقول د. حسن عطية: لا أعتبرها نصائح وإنما هي نقل خبرات من جيل نقدي إلى جيل صاعد يهتم بأن يصنع نقدا جيدا .. يجب أولا أن يكون موضوعيا فى نقده وألا يدخل العلاقات الشخصية في نقده ، ويجب ألا يتخذ موقفا من العرض قبل أن يراه ، أن يعمق ثقافته الفنية والأدبية معا وأن يتعلم جميع الفنون حتى يستطيع الحكم الجيد على العمل ، ولكى يطور من نفسه يجب عليه مشاهدة كم كبير من العروض حتى ولو لم يكتب عنها حتى يكون ملما بالفروق الجوهرية بين المدارس المسرحية المختلفة ، ويجب أن يتعلم أن المقال ليس مجرد رأى يقال وإنما هو بناء جمالي كامل يجب أن تكون صياغته متسقة.

وتقول الناقدة صفاء البيلى: النقد المسرحي لصيق بنشأة المسرح وتطوره ، والمشكلة أن كثير من النقاد لا يفصلون بين مدارس النقد ونظريته ، وأنا أرى أن مسألة تحليل النص المسرحي لتصل إلى عناصره هي عملية مهمة ، لكن تلك ليست العملية النقدية نفسها ، فالنقد معناه المتداول هو أن أحلل عناصر العرض المسرحي حتى أصل للصورة الكلية التى يقدمها العرض ، والمسألة يجب أن يكون لها ثلاثة أبعاد وهى البعد الفلسفي ، البعد التاريخي ، البعد الأدبي والذي يعمل به معظم النقاد حاليا وهو عمل مقدمة ثم تحليل العناصر ثم خاتمة معتادة ، وهناك نوع من النقد هو النقد الانطباعي الذي يكتبه الصحفيون وغير العاملين بالنقد المسرحي، وهم من يكتبون انطباعاتهم عن العروض بمجرد المشاهدة الأولية ، ويعرضون وجهة نظرهم عن العرض ، بينما الناقد الحقيقي عندما يتعرض لأحد العروض فإنه يضع نقاطا عديدة يسير عليها أبرزها إلى أي مدرسة ينتمي النص وإلى أي مذهب من مذاهب النقد ، يعود الناقد للنص الأصلي إن كان العرض مأخوذ عن نص ويقارن بينه وبين ما شاهده ، يرصد كيفية رؤية المخرج للعرض ، وهل غير في النص الأصلي أم حافظ عليه ، وفى الغالب يجب أن تكون للمخرج رؤية جديدة ومختلفة وإلا يعرض النص كما هو ، فهو لا يعيد تنفيذ النص حرفيا وإنما يقدم وجهة نظر جديدة تماما لم يكتبها الكاتب الأصلي ، فبإمكانه تغيير أو حذف أو إضافة بعض الشخصيات ، أو تغيير نهاية العرض أو تغيير مصائر الأبطال .

وتضيف البيلى: أهمية النقد تأتى في أنك تنقى بين الغث والثمين ، وترى هل عناصر العرض    الذي أمامك تتوافق مع مفهوم المسرح الذى درسته أم لا فإن خرجت عنه فإن ذلك يسمى تجريب ، وبعض النقاد المسرحيين حاليا أصبح لديهم شكل معين وجاهز للمقال لا يحيد عنه وهذا الناقد موجود فى كل زمان ومكان ، ونحن ينقصنا أن ننتج نقاد مبدعين وفنانين، هم موجودون بالفعل متمثلين فيمن تخرجوا من قسم النقد بالأكاديمية ويعملون بالإخراج ، فعندما يتعرض لكتابة نقد فإنه يكتب بوجهة نظر المخرج أو السينوغرافيا ، ومن أمثال هؤلاء الدكتور حسن عطية ، د. أحمد سخسوخ ، عمرو دوارة ، حسن سعد ، هؤلاء نقاد مبدعون ، وأنا أسمى النقد عملية إبداع الإبداع فإذا كان العرض المسرحي به إبداع فإن الناقد المسرحي يساعد على إبراز هذا الإبداع، فالناقد يمكن أن يبرز للكاتب أو المخرج أشياء لم يفطنوا إليها في عرضهم ، والناقد ليس هداما كما يعتقد البعض ، وإنما يضع يده أيضا على الأشياء الجيدة أيضا ويؤكد عليها ، ومن أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض النقاد هو فرض رؤيته عن العرض ويطلب من المخرج تبديل أشياء في العرض ، فهذه ليست مهمته .. فهو يعرض وجهة نظره فقط ولكن لا يملى على المخرج ما يجب أن يفعله ، فطالما خرج العرض إلى النور فالمخرج هو صاحبه ومبدعه الأول.

وتنصح الناقدة صفاء البيلى الناقد المبتدئ بأن يحتفظ بكل النظريات التي درسها في رأسه ، وأن يخرج إلى المسارح لمشاهدة العروض المسرحية وأن يطابق بين ما شاهده وما درسه ويجب على كل ناقد مبتدئ أن يكون له وجهة نظره الخاصة وأسلوبه المختلف ، وأن تكون له لغته الخاصة ، وبعمل على تطوير نفسه دائما بالقراءة في مختلف المجالات والمشاهدة المستمرة ، فالناقد بمثابة قاعدة مشتركة بين العرض المسرحي وبين الجمهور المستهدف ، والناقد هو الوسيلة التي تعرف الناس وجود عرض مسرحي جيد على خشبات المسارح.

وتقول د. وفاء كمالو: هناك خلط واضح بين النقد بمعناه العلمي وبين التغطية الصحفية والتي هي مجرد انطباعات ، فالنقد هو بالدرجة الأولى إبداع وبحث عن الجماليات فى العرض المسرحى ، والنقد مهمته أن يثير حالة من الجدل للمسرح ، فلو أن لدينا تيار مسرحى موجود وهناك غياب لتيار النقد تصبح العملية غير مكتملة فالاثنان مرتبطان ارتباطا وثيقا ، ونسمع من الفنانين والمثقفين من يقول ليس لدينا نقاد ، وهذه الجملة جاءت على لسان أحد وزراء الثقافة أثناء افتتاح مهرجان مسرحى وأثارت جمهور الحاضرين وكلهم من المسرحيين ، وهذا يوكد أن قيادة الوزارة غير متابعة ، حتى للمطبوعات التى تصدرها الوزارة والتى لو نظر إليها سيعلم أن هناك نقادا من عدمه ، والواقع الفعلي يؤكد أ هناك نقادا وهناك أجيال جديدة من النقاد تؤكد أن الحركة النقدية مستمرة وتحاول أن تكون لديها فكر ورؤية ومتابعة ولا أستطيع أن أقول أن النقد توقف عند جيل الستينيات أو الجيل التالى له وهو جيل أساتذتنا الذين درسوا لنا ، هناك نقاد موجودون حاليا ولكن الأجواء الراهنة من الممكن ألا تسمح للكثيرين منهم بوضع بصمتهم أو يقال عنه الناقد المعروف فلان الفلاني أيضا هناك حالة عدم تقدير للمقالات النقدية من جانب صناع المسرح مثلما حدث مع أجيال سابقة ، وأنا شخصيا عشت تلك الحالة مع الكاتب الكبير الراحل محفوظ عبد الرحمن الذى كان شغوفا بقراءة كل ما يكتب عن عروضه والتعبير عن رأيه فيما قرأ ، وكذلك المخرج الراحل أحمد عبد الحليم فقد كتبت يوما عن أحد عروضهما المشتركة فاتصلا بى وأبديا إعجابهما بالمقال النقدي الذي كتبته ، نفس الأمر كان يحدث مع كبار النجوم مثل نور الشريف وهو فنان مثقف جدا ويفهم معنى المقال النقدي ، وهو أمر غائب عن الأجيال اللاحقة وهو أمر خطير ، فالنقد هو القادر على خلق حركة مسرحية قوية ، وكما رأينا في الدورة الأخيرة من المهرجان القومي إضافة جائزة للمقال النقدي ، وهذا الأمر صنع ردود فعل عالية ويمكن أن تدفع كثير من الشباب الجديد للعمل بحماس وأن يخرج تيارا نقديا وتكون هناك حالة من المنافسة ويعود الاهتمام بالمسرح فى المطبوعات مثلما كان في فترات سابقة أفرزت لنا أسماء كبيرة في النقد المسرحي.

ويقول الناقد  أحمد خميس: النقد هو جزء من العملية الإبداعية المسرحية ، فالمكون الأساسي لأي عمل مسرحي هو ممثل في مقابل جمهور ،  دور الناقد هو تسهيل العلاقة بين المبدع والمتلقي حيث يفسر للمتلقي رسائل العرض الخفية ، جانب آخر موجه للمبدع نفسه حيث يطرح الناقد للمبدع وجهة نظره حول ما تم تقديمه.

ويوجه خميس نصيحته للناقد المبتدئ بأن يحدد الجمهور الذي سيعمل عليه بمعنى أن كان يكتب المقال لمطبوعة متخصصة فستختلف لغته عما لو كان يكتب لجريدة يومية يقرأها القارئ غير المتخصص ، يجب ألا يصدر أحكاما صارمة حول العرض وأن يخفف من غلوائه ولا يهاجم صناع العرض بضراوة وانما يوجه لهم النصيحة دون عصبية سواء أكانت معه أم ضده ، يجب أن يكون على إلمام بتاريخ النص والمخرج ويتابع الكتابات حول العمل حتى يكون مشحونا بشكل جيد ، ومن الضروري أن يستخدم لغة بسيطة يفهمها رجل الشارع العادي وأن يدقق كثيرا فى مفرداته ويكون حذر فيما يقدم.

الناقدة الشابة هند سلامة تعرف النقد المسرحي على أنه إبداء الرأي في المنتج الفني سواء أكان بالإيجاب أم السلب ، فالنقد لا يعنى التعرض للسلبيات فقط كما قد يعتقد البعض ، أنا أرى أن النقد يجب أن يكون داعما للحركة الفنية وليس العكس ، ويجب أن يبين دائما الهدف من وراء العمل الفني ، وأرى أن النقد يمارس هدف تنويري سواء لصناع العمل أم للجمهور.

وتنصح هند الناقد المبتدئ بأن يكثر من مشاهدة العروض المسرحية المختلفة لأنها أهم من القراءة في الكتب ، فمن المهم أن تقرأ ولكن المشاهدة ستمنحك قدرا من تقدير الجماليات في العروض المختلفة وتمنحك بالتالي القدرة على التمييز بين العروض ويجب عليه في سبيل تطوير نفسه قراءة مقالات زملائه والاحتكاك بصناع العمل نفسه فأنا مثلا عندما بدأت الكتابة للمسرح كنت أحرص على حضور البروفات ، فهذا يجعلك ترى كيفية صناعة العرض ، كما يجب ألا تقتصر مشاهداته على المسرح فقط وإنما السينما والأوبرا ، فالناقد يجب أن يكون ملما بكافة الفنون.

وتقول الناقدة داليا همام: النقد لا يقتصر على العرض وإنما يمكن أن يمتد للنص وهو بمثابة عملية تنقية بين الغث والثمين في مفردات العرض المسرحي ، والنقد عموما يقيّم عناصر العرض المسرحي بكل جوانبه ، ويقوم بتفسير العرض المسرحي ككل ، والدراسة تجعل الأمر أكثر سهولة في تقييم العروض لأنك ستتفهم المفردات المسرحية المستخدمة ، ويجب على الناقد ألا يجهز أراء مسبقة عن العرض ، ويتفهم طبيعة العرض وفكرة المخرج في تناوله فأحيانا يكون التضاد في صالح العرض ، حيث يكون هدف المخرج أن يدفع المتلقي للتفكر فيما يراه مثل أن يكون المشهد جاد جدا وفى خلفيته موسيقى بها فانتازيا أو لمسة كوميدية ، النقد مهم في تطوير العملية المسرحية إذا تفهمنا دوره بصورة صحيحة ، فالكل أصبح الآن ينتقد حتى الجمهور العادي.

وعن نصيحتها للناقد المبتدئ تقول داليا: عليه أن يهتم بالقراءة وبتثقيف نفسه لأن الثقافة هي أهم أدواته التي يعمل عليها، وعدم الاستماع للآراء الهدامة ، وأنصح ناقد المسرح أن يقرأ في جميع المجالات وألا تقتصر قراءاته على المسرح فقط ، ويجب أن يكون هناك اتساق بين العنوان وما يحتويه المقال وألا يسقط في فخ الهجوم على العرض منذ أول جملة ويجب أن يفند العرض حتى نفهم لماذا هو جيد أم لا.

وليس هدف الناقد أن يمتدح العرض أو يهاجمه وإنما مهمته الحقيقية هي أن يحلل ويفسر العرض بمنتهى الحيادية والموضوعية.

وتقول د. ياسمين فراج: معنى النقد تغير من قرن إلى آخر حسب المدارس الفنية التى ظهرت ، وحسب النقاد الذين حددوا شكل معين للنقد ، على سبيل المثال المدرسة الكلاسيكية فى النقد  وضعت شروطا صارمة جدا للعمل الجيد وما يحيد عن هذه الشروط يعتبر عمل فنى فاشل ، وجاء بعدها من قالوا أن هذا يعتبر جمود فى تقييم الفن ويجب أن تكون هناك مرونة أكثر لأنه من غير الطبيعى أن تكون نفس المعايير لتقييم كل العروض المسرحية.

المسرح هو أبو الفنون ولذلك فقد بدأ النقد معه ثم جاءت بعده فنون أخرى مثل الموسيقى ثم السينما ، والموسيقى لم يكن لها تيارات مستقلة عن تيارات المسرح ، وفى نهايات القرن العشرين ظهر لنا الكاتب البريطانى رونير ماكدونالد الذى أصدر لنا كتاب “موت الناقد” وقال فيه أن الناقد فى المجمل مات بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة لأنه أصبح من حق الجميع أن ينقد ولم تعد العملية قاصرة على أشخاص بعينهم .

وتستطرد قائلة: أهمية النقد هو أنه ينقل مافى وعى المبدع إلى وعى المتلقي العادي ، وتفسير علامات العمل الفني التي تحمل نوعا من الغموض يصعب على المتلقي العادي فهمها، وتوجيه الجمهور للأعمال الجيدة ويجب على الناقد أن يتسم بالحيدة والموضوعية إلى جانب العلم بالطبع .

وترى د.ياسمين أن الناقد المبتدئ يجب أن يتحلى بالعلم أولا حتى يستطيع تفسير العرض المسرحي بدقة وفهم ، لذلك فأنا كمتخصصة أفصل دائما مابين المقال النقدي والتقرير الصحفي ، من لا يمتلك أدواته لشرح لماذا العمل الفني جيد أو سيئ فهذا ليس ناقدا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock