مقالات ودراسات

أوغست سترندبيرغ ينثر أوجاعه الخاصة في “لعبة حلم” على خشبة مسرح Rose Playhouse اللندني


 

علي كامل

ـ

 

“لعبة حلم، هي ثمرة ألمي الكبير” (سترندبيرغ)
يندر العثور على كاتب انعكست أوجاعه الخاصة في جلّ نتاجاته مثلما هو الحال مع أوغست سترندبيرغ، فزيجاته المضطربة الخائبة الثلاث تركت جرحاً عميقاً في روحه وأصبحت الثيمة الأساسية لجميع كتاباته مثل ترنيمة مكرّرة بتلاوين مختلفة. ولعل “لعبة حلم” هي المرآة الأكثر جلاء لصورة ذلك الجرح. كان هدف سترندبيرغ من “لعبة حلم” هو كتابة مسرحية تحاكي شكل الحلم. وكانت المحّصلة، كما يقول هي «مزيج من الذكريات والتجارب والابتكارات المحضة والعبث والارتجالات، حيث الشخصيات تنشطر، تزدوج، تتضاعف، تتبخر، تتكثف، تتشظى ثم تتماسك». تعتبر «لعبة حلم»، حسب أغلب النقاد، الدراما التي مهدّت لانبثاق المدرستين التعبيرية والسوريالية على حد سواء. إنها رحلة في أرض الأحلام، كتبها المؤلف وهو تحت تأثير محموم بالديانة الهندوسية، لذا يمكن القول أنها بمثابة صدى لكلمة الإله “كريشنا” في الملحمة الهندية الشهيرة “مهابهاراتا”، حين يُعلن أن “العالم هو مجرد وهم”. في مقدمتها كتب ستريندبيرغ يقول:«إنها ثمرة ألمي الكبير» وهذه الملاحظة تعكس حقاً أن الحياة بالنسبة له هي، على غرار الحلم، مجرد وهم. قامت بإعداد النسخة الجديدة عن النص الأصلي الكاتبة المسرحية البريطانية “كاريل تشرتشل”، حيث أجرت تغييرات جوهرية على النص الستريندبيرغي، لعل أهمها أنها نقلت مكان وزمن الحدث من ستوكهولم مستهل القرن الماضي إلى خمسينياته في لندن. أما القلعة فقد استبدلت بمبنى لشركة أسهم. ليس هذا فحسب، بل إن المحور الفلسفي والعاطفي للنص الأصلي، والذي تجسده شخصية أگنيس، إبنة الإله إندرا، التي تهبط إلى الأرض لتجد أن الحياة هي أشبه بوادٍ من الدموع، أُستبدل بشخصية سمسار للأسهم المالية يدعى ألفريد غرين، الذي يمثل شخصية الحالم هنا، فيما شغلت أگنس موقع إحدى سكرتيراته، والتي ستوكل لها تشرتشل دور ملاك يرشده في رحلته الحلمية ـ الكابوسية تلك.
كتبت كاريل تشرتشل في مقدمة نسختها الجديدة للمسرحية تقول:”لست موقنة، ما سيكونه شعوري لو أن أحداً أراد أن يعالج أو يعيد كتابة واحدة من مسرحياتي بالطريقة التي عالجتُ فيها مسرحية سترندبيرغ هذه. ومع ذلك، آمل أن أكون قد جعلتها أكثر جلاء ولم أفسدها..”. العرض الذي تولت إخراجه “كيتي ميتشيل” هو ثمرة لمخيلة تجريبية جريئة، فالمخرجة لم تكتفي بنسخة كاريل تشرتشل، بل تفحصت دفتر مذكرات سترندبيرغ السري الذي دوّن فيه أحداثاً غريبة من أحلام وتجارب استبصارية ومراقبة شّيقة لسلوك الطيور. فضلاً عن تعمقها في دراسة سيرة حياة الكاتب، فقد نهلت منها الزيجة المختلـّة بين الأرستوقراطي وخادمة الحانة، اللذان هما بمثابة صورة لوالدي سترندبيرغ، وموت والدته حين كان عمره ثلاثة عشر عاماً، ثم زيجاته الفاشلة الثلاث، وفقدانه لطفلته. تقول المخرجة: “إن هدفي في هذا العرض، يتماهى تماماً وهدف سترندبيرغ، وهو أن أجسّد الحلم على خشبة المسرح. إن خيار الحلم، كان التحدّي الأول لي وللممثلين، فقد ابتدأنا في تشييد عناصر عالم يقظة الحلم، لنتعرف ونتخيل ما الذي يحرّضنا على الأحلام!. لماذا نحلم؟”.
إن ثيمة «لعبة حلم» تتحدث عن الوجود كنوع من الحلم، فهي ليست مسرحية عن الحلم بالمعنى الحرفي للكلمة، إنما وظفت حالة الحلم كمجاز للطبيعة المفككة المضطربة والمربكة للوجود الإنساني. فلأجل مسرحة هذا الوجود، بكل ما فيه من فوضى وتعقيد، على خشبة المسرح، تطّلب من المخرجة إجراء بحث عميق يتجاوز علم النفس بالطبع ليشمل فضاء اللامعقول.
تقول كيتي ميتشيل:”ومن أجل العثور على على لغة مسرحية بمقدورنا أن نعقد من خلالها صلة بالحلم، قمنا بدراسة أحلامنا وأحلام الآخرين. إلا إن مسرحة أحلامنا الخاصة لم يكن أمراً سهلاً بالطبع، فهناك ملائكة يحملون حقائب تحوي جثث موتى، وثمة قنابل مخبأة تحت الطاولات، وإرهابيون في دورات المياه، وسرطانات بحرية بخصى، وأسنان تسقط من الأفواه، وطيران وزيجات ومآتم..الخ.. وأخيراً قررنا أن ننتقي ما يمكننا مسرحته من تلك الأحلام دون استخدام تقاليد مسرحية ثقيلة غير قابلة للتطبيق. ثمة مشاهد في المسرحية تتعلق بماضي حياة سترندبيرغ الشخصية، مثل زيارة الحالم لأمه (ماتت أم سترندبيرغ وعمرة ثلاثة عشر عاماً)، وثمة مشاهد يمكن الإحساس بها أنها مسرحية أكثر منها مشاهد حلمية، لذا بدأت بإقصاء وحذف كل ما لا يشبه الحلم. وفي الآخِر، وبعد شهرين، ابتكرنا عرضاً وحدّ ما بين النص الأصلي ونص تشرتشل وإضافاتنا أنا وطاقم العاملين معي. ومع ذلك، فإن الصيغة التي توصلنا إليها تتباين نوعاً ما عن الصورة الأولى التي تخيلها سترندبيرغ، إلا إن في مركزها تتضمن الهدف ذاته، وهو أن نضع الحلم على خشبة المسرح..”.
***
إن الأفكار الجوهرية التي عالجها العرض تمثلت في المحطات التالية: «الطفولة»، «الخيانة الزوجية»، «الفقدان»، ومن ثم «الموت»، كل ذلك من خلال أحلام رجل واحد، هو ألفريد غرين، الذي سعت المخرجة أن تضيء الأحلام جلهّـا من خلاله. يجري الحدث في غرفة مستطيلة مضغوطة ذات أبواب عديدة متنوعة ومزدوجة تفتح وتغلق بذاتها آلياً وظفت لتستخدم بالتناوب كمكتب سمسار، منزل الأُسرة، غرفة نوم، صالة لرقص الباليه، مسرح لولبي، ثم مدرسة. وقد صُممت بشكل متناظر تتجاور فيها الأماكن الداخلية والخارجية معاً يعطي إحساساً بالخوف من الأماكن المغلقة. يبدأ العرض في نهاية يوم عمل، حيث نتعرف على ألفريد غرين “الممثل أنگوس رايت” وهو يتهيأ للخروج من مبنى عمله للذهاب هو وزوجته في المساء إلى المسرح لحضور أوبرا، إلا أنه ولشدة إعيائه يغفو على طاولة مكتبه وينام، فتحل العتمة. تظهر أربعة موظفات، من بينهن أگنيس “الممثلة لوسي ويبرو” التي تلعب دور سكرتيرة ألفريد، وقد تحولن جميعاً إلى ملائكة نمت على أكتافهن أجنحة. يقتربن من ألفريد في محاولة لإيقاظه من نومته، لكن عبثاً. من هنا، وما بين غبش اليقظة والحلم، يحلّق بنا العرض إلى فضاء العقل الباطن في سلسلة مشاهد هي بمثابة حلم واحد طويل يستغرق مدة العرض كلها. تنهل تلك الأحلام مضامينها من التأريخ الشخصي المضطرب لحياة هذه الشخصية في تداخل زمني غير خاضع إلى آلية كرونولوجية أو تسلسل منطقي، زمن مطواع لمنطق الحلم وغواياته. حيث تقود أگنيس (الملاك) رب عملها الفريد، بما يشبه حلم اليقظة، إلى فضاءات اللاوعي، بواعز من ذكرياته. فنعثر عليه شيخاً يقف عند بوابة مسرح، منتظراً عشيقته بريمادونا، المغنية الرئيسية في الأوبرا وقد شاخت تجلس ُمقعدة على كرسي متحرك غير قادرة على الظهور ثانية على المسرح. يتلوه حلم آخر نتعرف
فيه على زوجين سعيدين، يدركان فجأة أن سعادتهما لن تدوم طويلاً. فيقول الزوج للزوجة:”يمكننا أن نموت معاً. السعادة هي مجرد شيء وقتي، إنها هناك بعيداً عند أسفل الجبل.. إنني أخشى السعادة!.”. ويقررا أخيراً الانتحار بالمسدسين اللذين كانا هدية زواجهما!.
فجأة، عودة إلى الطفولة، إلى الخزانة المعتمة المخيفة التي كان يندّس فيها ألفريد في طفولته. تُفتح الخزانة، فتخرج منها لعبتان مشنوقتان، إحداهما تشبه الملكة فيكتوريا التي سبق وأن منحت ألفريد لقب فارس!عودة أخرى له وهو شاب يقف عند بوابة المسرح منتظراً زوجته الممثلة المتقلبة المزاج، ثم تداعي متداخل معاكس سريع له وهو طفل يخضع لعقوبة معّلم المدرسة بسبب عدم إنجازه واجباته المدرسية. تقودنا أگنيس إلى حلم آخر هو لقاء الفريد وهو صغير بأمه كريستين خادمة الحانة “الممثلة أناستاسيا هيلي” التي هي صورة لوالدة سترندبيرغ، (عتمة) ثم نقلة أخرى سريعة، إلى قاعة رقص للباليه، حيث يجلس الفريد وهو صغير، يتطلع نحو أمه، وهي ترقص مع عشيقها. بحركة لولبية للأبواب الدوارة غاية في الدقة يعاد عرض المَشاهد ثانية وبالمقلوب في ذهن الحالم، كما لو إنها إيحاءات كابوسية مرحة ولاذعة تشي بتكرار الوقائع بشكل مضجر ومفجع ومميت. يُطرد الفريد من مركزه الوظيفي في حلم آخر، فيظهر وهو عارٍ يحيطه حشد من كورس الباليه، فيرى أسنانه تتساقط أمام عينيه، محدثة طقطقة على الأرض. تحل العتمة ليجد نفسه في مكان آخر مرتدياً تنورة منتفخة وسط راقصي الباليه. ثم عودة إلى بوابة المسرح، حيث العجوز ألفريد وهو بانتظار عشيقته التي لن تظهر ثانية مطلقاً. تظهر الملاك أگنيس في الآخر خلف الباب وحيدة وحزينة، تقول: “إنني أشعر بحزن عميق نحو الناس، إنهم حقاً يواجهون مصاعب جّمة”. تتجمع الشخصيات في الختام ليروا أگنيس وهي تفتح الباب التي تكمن خلفها الإجابة عن مغزى الحياة. وحين تفعل ذلك، لا تجد هناك سوى الخواء.
تتأرجح المناضد وتهتز فجأة كما لو أن ثمة زلزال أرضي ثم تتكدس الجثث على تلك الطاولات، ومن بين تلك الجثث نتعرف على جثة ألفريد وهو في داخل نعش يحيطه حشد من المعزّين من موظفيه. وتحل العتمة.عشرة ممثلين لعبوا الأدوار جميعاً، رأيناهم وكلاء أسهم مالية، ملائكة، أطفال، راقصوا باليه، عرسان ومعزوّن، فضلاً عن قيامهم بتغيير قطع الديكورات من مشهد لآخر.
إن سينوغرافيا العرض جسّد العالم المزعزع لشخصية ألحالم، سواء ذلك الذي يتعلق بماضيه أو راهنه، عن طريق تشييد تكوينات وأكسسوارات سوريالية، جدران مضغوطة وأبواب مزدوجة ومتماثلة، غرف منحرفة أو سائبة في الفضاء، تكويناً أشبه بسفينة تترنح وسط البحر. ترافقها إنارة المصمم كريس ديري، التي أسهمت بدورها في خلق مناخ ومزاج تلك الأحلام. أما المؤثرات
البصرية فقد كانت مذهلة في تجسيدها لزمان ومكان الأحلام وكذلك المناخ الخانق للكوابيس. والمشهد الأكثر إثارة حقاً، ربما، هو مشهد المناضد المتأرجحة التي تستدعي صورة سفينة في بحر هائج.
الموسيقى لعبت دوراً مميزاً في خلق حالة التداعيات تلك، فكانت مزيجاً من كلاسيكيات شوبير إلى “مجنون” ويلي نيلسون، تخللتها موسيقى شعبية توحي بلندن الخمسينات. ومن أجل أن يتحقق تجسيد الأحلام بالأبيض والأسود، ظهرت جل ملابس الشخصيات بلون إحادي هو الأبيض والأسود.
كان عرض مسرحية «لعبة حلم» بمثابة رحلة سوريالية في فضاء غامت فيه الحدود بين اليقظة والحلم، بين الواقع وخشبة المسرح. كتب سترندبيرغ مرة: “إن حياتي تبدو لي أشبه بمسرحية، عليّ أن أعانيها، وأكتبها في نفس الوقت!”.

ـــــــــــ

إيلاف


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock