نصوص

“الطفلة‭ ‬العجوز”.. مونودراما.. للكاتب السوري أحمد اسماعيل اسماعيل


المسرح نيوز ـ نصوص ـ الطفلة العجوز للكاتب| أحمد إسماعيل اسماعيل*

*كاتب سوري مقيم في تركيا

ـ

(المكان‭: ‬صالة‭ ‬مسرح‭ ‬يحتل‭ ‬الجمهور‭ ‬كراسيها،‭ ‬وعلى‭ ‬الخشبة‭ ‬وفي‭ ‬زاوية‭ ‬منها‭ ‬ثمة‭ ‬مكتب‭ ‬فيه‭ ‬بضعة‭ ‬كراس‭ ‬وطاولة‭ ‬عليها‭ ‬مصنفات‭ ‬وأوراق،‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الصالة‭ ‬عجوز‭ ‬ترتدي‭ ‬ثياب‭ ‬فتاة‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر،‭ ‬تتنكب‭ ‬حقيبة‭ ‬صغيرة،‭ ‬تسير‭ ‬نحو‭ ‬الخشبة‭ ‬وهي‭ ‬تلتفت‭ ‬حولها‭ ‬باستغراب،‭ ‬تصعد‭ ‬الخشبة‭ ‬بعد‭ ‬تردد‭ ‬وتجلس‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الطاولة،‭ ‬تحدق‭ ‬في‭ ‬الجمهور‭ ‬بنظرات‭ ‬الدهشة‭ ‬والخجل،‭ ‬تدفن‭ ‬وجهها‭ ‬بين‭ ‬يديها،‭ ‬ترفع‭ ‬يديها‭ ‬عن‭ ‬وجهها‭ ‬بحذر‭ ‬وهدوء،‭ ‬تدقق‭ ‬بنظرها‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬باندهاش،‭ ‬تتفحص‭ ‬المكان‭. ‬لنفسها)

هل‭ ‬كلّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬جاؤوا‭ ‬للغرض‭ ‬نفسه؟‭ ‬هل‭ ‬كلّهم‭ ‬لاجئون‭ ‬مثلي؟‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬هنا‭ ‬لكررت‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬دائماً‭: ‬لقد‭ ‬فرغت‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬أهلها‭!‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يتفوه‭ ‬بكلمة،‭ ‬يا‭ ‬للعجب‭! ‬لو‭ ‬اجتمع‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭ ‬لوصلت‭ ‬أصواتهم‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى،‭ ‬فعلاً،‭ ‬أوروبا‭ ‬مدرسة‭ ‬للنظام‭ ‬والأدب‭.‬

(‬تجلس‭ ‬وتنتظر‭ ‬بصمت،‮ ‬ثم‭ ‬تسترق‭ ‬النظر‭ ‬إليهم‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬تدمدم‭ ‬لوحدها‭(

لماذا‭ ‬ينظرون‭ ‬إليَّ‭ ‬فقط؟‭ ‬وهل‭ ‬أنا‭ ‬فقط‭ ‬اللاجئة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬البلاد؟‭ ‬كثيرون‭ ‬مثلي‭ ‬تركوا‭ ‬البلد‭ ‬وهربوا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬والجوع‭ ‬والظلمة‭..‬

(‬تخرج‭ ‬من‭ ‬حقيبتها‭ ‬كراساً‭ ‬وتخفي‭ ‬وجهها‭ ‬به،‭ ‬بنفاد‭ ‬صبر،‭ ‬للجمهور‭(

لماذا‭ ‬تنظرون‭ ‬إليّ‭ ‬هكذا؟‭ ‬ألا‭ ‬يعجبكم‭ ‬وجهي؟‭ ‬لتعلموا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬ترونه‭ ‬ليس‭ ‬وجهي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وإني‭ ‬لست‭ ‬عجوزاً‭.‬

(‬يرن‭ ‬جرس‭ ‬الهاتف‭ ‬النقال،‭ ‬تخرجه‭ ‬من‭ ‬حقيبتها‭(

ألو،‭ ‬نعم،‭ ‬نعم‭ ‬يا‭ ‬أمي،‭ ‬لا،‭ ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬بعد‭.‬

(‬بهمس‭(

ولكن‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬القاعة،‭ ‬وهم‭ ‬ينظرون‭ ‬إليّ‭ ‬بتفحص‭ ‬مثل‭.. ‬المخابرات‭. ‬ليسوا‭ ‬مخابرات؟‭! ‬من‭ ‬هم‭ ‬إذن؟‭! ‬هذا‭ ‬بلد‭ ‬ماذا؟‭ ‬ديمقراطي؟

(‬بفزع‭(

أقول‭ ‬لها‭ ‬مخابرات‭ ‬فتقول‭ ‬لي‭ ‬ديمقراطي‭ ‬وديمقراطية؟‭ ‬أمي‭ ‬أرجوك،‭ ‬لا‭ ‬تلفظي‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬أبداً،‭ ‬أنا‭ ‬أخاف‭ ‬عليك،‭ ‬ليس‭ ‬لي‭ ‬سواك، (‬تبكي)‬‭ ‬ألست‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬تقول‭ ‬دائماً‭: ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬خراب‭ ‬بيوتنا‭ ‬وموت‭ ‬شبابنا؟ وموت‭ ‬أبي،‭ ‬حسن‭ ‬سأكفُّ‭ ‬عن‭ ‬البكاء،‭ ‬أمرك،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬ترددي‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هؤلاء‭ ‬مخابرات؛‭ ‬فمن‭ ‬هم‭ ‬إذن؟‭ ‬ماذا؟‭! ‬معقول،‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬مجلس‭ ‬قضاة؟‭ ‬حاضر‭. ‬سأتكلم،‭ ‬حاضر‭.. ‬كفيّ‭ ‬عن‭ ‬الصراخ‭ ‬يا‭ ‬أمي،‭ ‬أمرك،‭ ‬أمرك،‭ ‬سأتكلم‭ ‬وأقول‭ ‬لهم‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬نعم‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لي،‭ ‬مع‭ ‬السلامة‭. ‬مع‭ ‬السلامة‭. ‬أف‭.‬

(‬تنظر‭ ‬إليهم‭ ‬باستغراب،‭ ‬بعد‭ ‬تردد‭(

المعذرة،‭ ‬لقد‭ ‬أسأتُ‭ ‬الظن‭ ‬فيكم،‭ ‬لقد‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬أمي‭ ‬من‭ ‬تكونون،‭ ‬ولذلك‭ ‬سأروي‭ ‬لكم‭ ‬قصتي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أخشى‭ ‬سخرية‭ ‬أحد‭ ‬منكم‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الأطفال‭ ‬معي‭ ‬البارحة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الألعاب‭. ‬يبدو‭ ‬عليكم‭ ‬الاحترام،‭ ‬وستفهمون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أرويه‭ ‬لكم،‭ ‬وستحسنون‭ ‬ترجمته‭ ‬ونقله‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭.‬

(‬تضع‭ ‬المصنّف‭ ‬الذي‭ ‬تحمله‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭(

وهذه‭ ‬كل‭ ‬أوراقي،‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬المعلومات‭ ‬عنّي‭. ‬ماذا‭ ‬كنت‭ ‬أقول؟‭ ‬آه،‭ ‬الأطفال،‭ ‬إنهم‭ ‬أطفالٌ‭ ‬لاجئون‭ ‬مثلي،‭ ‬قَدِموا‭ ‬من‭ ‬بلادي‭ ‬وبلاد‭ ‬أخرى،‭ ‬ولذلك‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬وجدتهم‭ ‬يلعبون‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الكامب‭ ‬وهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬بلغتنا؛‭ ‬حتى‭ ‬هرعت‭ ‬نحوهم‭ ‬وركبت‭ ‬المراجيح‭ ‬مثلهم،‭ ‬أحسست‭ ‬بأنني‭ ‬أطير،‭ ‬وبالسعادة‭ ‬تغمرني‭ ‬فرحاً،‭ ‬ورحت‭ ‬أضحك‭ ‬وأضحك‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قلبي‭. ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬غادرنا‭ ‬البلد‭ ‬لم‭ ‬أضحك‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يعجب‭ ‬الأطفال،‭ ‬تعلقوا‭ ‬بالمراجيح‭ ‬التي‭ ‬ركبتها‭ ‬وأوقفوها،‭ ‬ثم‭ ‬وجدتهم‭ ‬يتحلّقون‭ ‬حولي‭ ‬ويرددون‭: ‬‮«‬تشوز‭ ‬تشوز‮»‬‭ ‬يا‭ ‬عجوز‭. ‬‮«‬تشوز‭ ‬نشوز‮»‬‭ ‬يا‭ ‬عجوز‭. ‬أطفال‭ ‬وقحون،‭ ‬أبي‭ ‬كان‭ ‬يقول‭: ‬لقد‭ ‬أفسدت‭ ‬الحرب‭ ‬كلَّ‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬الأطفال‭ ‬الصغار،‭ ‬لقد‭ ‬صاروا‭ ‬وقحين،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬بعضاً‭ ‬منهم‭ ‬مجرماً،‭ ‬نعم‭ ‬مجرماً‭. ‬تابعوا‭ ‬الأخبار‭ ‬وستعرفون‭ ‬أن‭ ‬أبي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬حق،‭ ‬أما‭ ‬أنا،‭ ‬فلم‭ ‬أصبح‭ ‬مثلهم،‭ ‬نعم،‭ ‬أنا‭ ‬بنت‭ ‬مؤدبة،‭ ‬لقد‭ ‬كنت‭ ‬مجتهدة‭ ‬في‭ ‬مدرستي‭.‬

(‬تدقق‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الجمهور،‭ ‬بشك‭ ‬وضيق‭(

ما‭ ‬هذه‭ ‬النظرات‭ ‬والابتسامات‭ ‬الغريبة؟‭!‬هل‭ ‬ستشكون‭ ‬أنتم‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أقوله؟‭ ‬أقسم‭ ‬لكم‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬عجوزاً،‭ ‬أنا‭ ‬فتاة‭ ‬صغيرة،‭ ‬لا‭ ‬تحكموا‭ ‬عليّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجهي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وجهي‭ ‬كذلك‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬أنا‭ ‬طالبة،‭ ‬أقصد‭ ‬كنت‭ ‬طالبة،‭ ‬طالبة‭ ‬في‭ ‬بلدي‭ ‬قامشلي‭ ‬قبل‭ ‬سنتين،‭ ‬وهذه‭ ‬صورة‭ ‬التقطت‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬ثياب‭ ‬المدرسة‭.‬

(‬تخرج‭ ‬من‭ ‬حقيبتها‭ ‬صورة‭.. ‬تعرضها‭ ‬على‭ ‬الجمهور،‭ ‬ثم‭ ‬تخرج‭ ‬دفاتر‭ ‬وكتباً‭(

انظروا،‭ ‬هذه‭ ‬كتبي،‭ ‬وهذه‭ ‬دفاتري،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬دفتر‭ ‬الرسم،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬توقيع‭ ‬معلمتنا‭ ‬ليلى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬رسمته‭: ‬الربيع‭. ‬كتبت‭ ‬لي‭ ‬أحسنت،‭ ‬وهذه‭ ‬صورتي‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الخامس،‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬حطين‭..‬كنت‭ ‬أرتدي‭ ‬زيّ‭ ‬الطلائع‭: ‬طلائع‭ ‬البعث،‭ ‬ألا‭ ‬تعرفون‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬طلائع‭ ‬البعث؟

(‬تقف‭ ‬باستعداد‭(

استعد،‭ ‬استرح‭.‬

(‬تنفذ‭ ‬الحركات‭ ‬ثم‭ ‬تمدُّ‭ ‬يدها‭ ‬بتحية‭ ‬عسكرية،‭ ‬بصوت‭ ‬آمر‭(:

‭-‬‭ ‬رفيقي‭ ‬الطليعي،‭ ‬كن‭ ‬مستعداً‭ ‬لبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬الاشتراكي‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه‭.‬

‭-‬‭ ‬مستعدٌ‭ ‬دائماً‭.‬

(‬تتنهد‭(

كنا‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وكان‭ ‬المشرف‭ ‬يقول‭ ‬لنا‭ ‬أنتم‭ ‬جنود‭ ‬الأب‭ ‬القائد‭ ‬يا‭ ‬رفاق‭. ‬كان‭ ‬ينادينا‭ ‬بالرفاق،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬حصة‭ ‬الطلائع،‭ ‬ومن‭ ‬يُخطئ‭ ‬وينادي‭ ‬زميله‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬باسمه،‭ ‬فلا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬عقوبة‭ ‬قاسية،‭ ‬فلقة‭ ‬على‭ ‬رجليه‭ ‬مثلاً،‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬عصي‭ ‬على‭ ‬يديه‭: ‬تاخ‭ ‬تاخ‭ ‬تاخ‭.‬

(‬يتقلص‭ ‬وجهها،‭ ‬وهي‭ ‬تفرك‭ ‬يديها‭ ‬بألم‭(

أخطأت‭ ‬مرة‭ ‬حين‭ ‬ناديت‭ ‬صديقتي‭: ‬هيلين‭.. ‬هيلين‭. ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أستعير‭ ‬منها‭ ‬الممحاة،‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تسمعني،‭ ‬ولم‭ ‬يسمع‭ ‬المعلم‭ ‬أيضاً‭ ‬صوتي،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬أحد‭ ‬جواسيسه‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬أخبره،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬وحده‭ ‬مخبرون،‭ ‬حتى‭ ‬المدير‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مخبرون‭ ‬من‭ ‬التلاميذ،‭ ‬وكذلك‭ ‬للموجه‭. ‬المهم،‭ ‬وعلى‭ ‬الفور‭ ‬طلب‭ ‬هذا‭ ‬المعلم‭ ‬من‭ ‬عريفة‭ ‬الصف‭ ‬العصا،‭ ‬فقيل‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬معلم‭ ‬الصف‭ ‬الثاني‭ ‬قد‭ ‬استعارها‭ ‬ليضربَ‭ ‬الصف‭ ‬كلّه،‭ ‬وعلى‭ ‬الفور،‭ ‬بدأ‭ ‬يوجه‭ ‬لي‭ ‬الصفعات‭: ‬طاخ‭ ‬طاخ‭ ‬طاخ‭..‬

(‬تفرك‭ ‬وجهها‭ ‬بألم‭.. ‬وتصيح‭ ‬باكية):

دخيلك‭ ‬أستاذ،‭ ‬أبوس‭ ‬يديك‭ ‬أستاذ،‭ ‬توبة،‭ ‬توبة،‭ ‬والله‭ ‬لم‭ ‬أفعل‭ ‬شيئاً،‭ ‬والله‭ ‬لم‭ ‬أشاغب‭.. ‬وكلما‭ ‬كنت‭ ‬أرجوه‭ ‬كانت‭ ‬الصفعات‭ ‬تزداد‭ ‬شدة‭: ‬قولي‭ ‬رفيق‭ ‬يا‭ ‬حمارة‭. ‬رفيق‭ ‬وليس‭ ‬أستاذ‭. ‬صاحت‭ ‬هيلين‭ ‬صديقتي‭ ‬منبهة‭ ‬ولكني‭ ‬لم‭ ‬أفهم،‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الألم،‭ ‬كانت‭ ‬الصفعات‭ ‬تنهال‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬دون‭ ‬توقف،‭ ‬فاستمررت‭ ‬بمناداته‭ ‬أستاذ،‭ ‬دخيلك‭ ‬يا‭ ‬أستاذ،‭ ‬أبوس‭ ‬قدميك‭.‬

(‬تهدأ،‭ ‬تفرك‭ ‬وجهها‭(

ولم‭ ‬أكف‭ ‬عن‭ ‬قول‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬أمرني‭ ‬هو‭ ‬بمناداته‭: ‬يا‭ ‬رفيق‭. ‬قال‮ ‬‭)‬تقلده): ‬قولي‭ ‬يا‭ ‬رفيق‭ ‬يا‭ ‬حمارة‭. ‬نحن‭ ‬في‭ ‬درس‭ ‬طلائع،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬كلنا‭ ‬رفاق،‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬أستاذ‭ ‬ومدير‭ ‬وتلميذ،‭ ‬حتى‭ ‬الأب‭ ‬القائد،‭ ‬لو‭ ‬صادف‭ ‬ودخل‭ ‬الصف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نناديه‭: ‬رفيق‭. ‬حاضر‭. ‬حاضر‭ ‬يا‭ ‬رفيق‭. ‬أمرك‭ ‬يا‭ ‬رفيق‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬أحسست‭ ‬أن‭ ‬وجهي‭ ‬لم‭ ‬يعدْ‭ ‬وجهي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬ظل‭ ‬مُحمراً‭ ‬لعدة‭ ‬أيام،‭ ‬ملتهباً‭ ‬ومتورماً،‭ ‬كأن‭ ‬تمزقاً‭ ‬أصابه،‭ ‬أو‭ ‬حريقاً‭ ‬مسّه،‭ ‬وحين‭ ‬ذهب‭ ‬أبي،‭ ‬الذي‭ ‬جنَّ‭ ‬جنونه‭ ‬حين‭ ‬رأى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لي،‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬وشكا‭ ‬قسوة‭ ‬هذا‭ ‬المعلم،‭ ‬أقصد‭: ‬الرفيق،‭ ‬للمدير،‭ ‬وكان‭ ‬مديرنا‭ ‬زميلاً‭ ‬لأبي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬المدير‭ ‬بأسى (تهمس‭ ‬بحذر):

معك‭ ‬حق‭ ‬يا‭ ‬صديقي،‭ ‬ولكن‭ ‬أقسم‭ ‬بشرفي‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الفاعل‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬المعلم‭ ‬لأحلته‭ ‬إلى‭ ‬محاكمة‭ ‬مسلكية،‭ ‬ولكن‭ ‬الأستاذ‭ ‬موسى‭ ‬بالذات‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬فعل‭ ‬شيء‭ ‬معه،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬هدم‭ ‬المدرسة‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسنا،‭ ‬الرجل‭ ‬محسوب‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬فرع‭ ‬أمني،‭ ‬وفهمك‭ ‬كفاية‭.‬

(‬تصمت‭ ‬للحظات‭(

ومن‭ ‬وقتها‭ ‬أصبحت‭ ‬أنادي‭ ‬الجميع‭ ‬يا‭ ‬رفيق‭: ‬رفيقة‭ ‬ماما،‭ ‬إذا‭ ‬سمحت‭ ‬أنا‭ ‬جائعة‭.. ‬تصبح‭ ‬على‭ ‬خير‭ ‬يا‭ ‬رفيق‭ ‬بابا‭.. ‬رفيق‭ ‬جدو،‭ ‬رفيق‭ ‬دكتور‭.. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬سخروا‭ ‬مني،‭ ‬ثم‭ ‬غضبوا‭ ‬حين‭ ‬استمررت‭ ‬في‭ ‬نداء‭ ‬الجميع‭ ‬بهذه‭ ‬الصفة،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬اعتاد‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

(‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬كمن‭ ‬تفاجَأ‭(

يبدو‭ ‬أنكم‭ ‬أنتم‭ ‬أيضاً،‭ ‬مثل‭ ‬الآخرين،‭ ‬تنظرون‭ ‬إلى‭ ‬وجهي‭ ‬الذي‭.‬

(‬تتحسس‭ ‬وجهها‭(

لقد‭ ‬كان‭ ‬وجهي‭ ‬جميلاً،‭ ‬جميلاً‭ ‬جداً،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الجارات‭ ‬في‭ ‬حيّنا‭ ‬نصحن‭ ‬أمي‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬لي‭ ‬تميمة‭ ‬تحميني‭ ‬من‭ ‬شرِّ‭ ‬العين‭ ‬الحاسدة‭.‬

(‬تصمت‭ ‬بحزن‭(

لم‭ ‬تكن‭ ‬صفعات‭ ‬الأستاذ‭ ‬موسى‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لوجهي،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الصفعات،‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬إن‭ ‬كلّ‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬ينالون‭ ‬الضرب،‭ ‬على‭ ‬أيديهم‭ ‬وعلى‭ ‬أرجلهم‭ ‬وعلى‭ ‬وجوههم؛‭ ‬ولا‭ ‬يحدث‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لي،‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬كانوا‭ ‬يتلقون‭ ‬الضرب‭ ‬يومياً،‭ ‬ولأتفه‭ ‬سبب‭: ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬التلميذ‭ ‬تأخر‭ ‬عن‭ ‬الدوام،‭ ‬وذاك‭ ‬لم‭ ‬يجلب‭ ‬الوظيفة،‭ ‬وآخر‭ ‬لم‭ ‬يطرق‭ ‬الباب‭ ‬حين‭ ‬دخل‭ ‬الصف،‭ ‬ولم‭ ‬يفسد‭ ‬ذلك‭ ‬وجوههم‭ ‬ويحفر‭ ‬فيها‭ ‬خطوطاً‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬لوجهي‭.‬

(‬تصمت‭ ‬للحظات‭ ‬شاردة‭ ‬الذهن‭ ‬حزينة،‭ ‬تخرج‭ ‬لعبات‭ ‬من‭ ‬الحقيبة،‭ ‬تلاعبها‭(

لقد‭ ‬أعطوني‭ ‬في‭ ‬الكامب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الألعاب‮ ‬‭(‬تخرج‭ ‬لعبات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الحقيبة،‭ ‬دباً‭ ‬وديكاً‭ ‬وفتاة‭..‬‭)‬‮ ‬إنها‭ ‬جميلة،‭ ‬ولكن‭ ‬ليست‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬ألعابي،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬بالقامشلي،‭ ‬كانت‭ ‬لعباتي‭ ‬تتحدث‭ ‬معي‭ ‬وتفهم‭ ‬مني‭ ‬ما‭ ‬أقوله،‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تفهم‭ ‬مني‭ ‬أي‭ ‬كلمة‭ ‬أقولها،‭ ‬إنها‭ ‬جامدة‭ ‬بلا‭ ‬حسّ،‭ ‬حين‭ ‬ودعت‭ ‬ألعابي‭ ‬وأنا‭ ‬أتهيأ‭ ‬لمغادرة‭ ‬البيت‭ ‬مع‭ ‬أمي‭ ‬وأبي؛‭ ‬وجدتها‭ ‬تبكي،‭ ‬أقسم‭ ‬بالله‭ ‬أنها‭ ‬بكت،‭ ‬فضممتها‭ ‬إلى‭ ‬صدري‭ ‬وبكيت،‭ ‬بكينا‭ ‬حتى‭ ‬صرخت‭ ‬أمي‭ ‬وأمرتني‭ ‬باللحاق‭ ‬بهما‭.‬

(‬تحتضن‭ ‬الألعاب‭ ‬وتبكي):

لا‭ ‬تبكين‭ ‬يا‭ ‬صديقاتي،‭ ‬لن‭ ‬أغيب‭ ‬طويلاً،‭ ‬سأذهب‭ ‬مع‭ ‬أهلي‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬حتى‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬وسأعود،‭ ‬لن‭ ‬أطيل‭ ‬الغياب،‭ ‬أبي‭ ‬يقول‭ ‬شهر‭ ‬أو‭ ‬شهرين‭ ‬وستعود‭ ‬الأمور‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬حينها‭ ‬سأعود‭ ‬إليك‭ ‬ونلعب‭ ‬معاً‭.‬

(‬تغني‭ ‬لها‭ ‬وهي‭ ‬تضمها‭ ‬إلى‭ ‬صدرها،‭ ‬تصمت‭ ‬فجأة‭ ‬وتلقي‭ ‬بالألعاب‭ ‬جانباً‭(

أنت‭ ‬لست‭ ‬ألعابي،‭ ‬ألعابيدافئة‭ ‬وحنونة،‭ ‬وليست‭ ‬مثلك‭. ‬سأعيدك‭ ‬إلى‭ ‬مكانك،‭ )‬تعيدها‭ ‬إلى‭ ‬الحقيبة)‮ ‬لا‭ ‬بدَّ‭ ‬أن‭ ‬تعودي‭ ‬إلى‭ ‬أصحابك‭ ‬وصديقاتك‭.‬

آه‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬صديقاتي‭ ‬معي‭ ‬الآن‭: ‬ماريا،‭ ‬ونور،‭ ‬وهيلين‭.. ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬أهاليهن‭ ‬مثلنا‭ ‬ويرافقوننا‭ ‬إلى‭ ‬تركيا،‭ ‬كانوا‭ ‬جميعهم‭ ‬يشكون‭ ‬غلاء‭ ‬الأسعار،‭ ‬وانقطاع‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬المتواصل،‭ ‬وقلة‭ ‬الأمان‮…‬‭ ‬حين‭ ‬سألت‭ ‬هيلين‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬عدم‭ ‬مرافقتهم‭ ‬لنا‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬قالت‭: ‬لقد‭ ‬وجهت‭ ‬أمي‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬إلى‭ ‬أبي،‭ ‬سمعتها‭ ‬تقول‭ ‬له‭ ‬برجاء‭ ‬‭(‬تقلدها‭)‬‭: ‬يوسف،‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نغادر‭ ‬نحن‭ ‬أيضاً‭ ‬البلد‭ ‬مثل‭ ‬بيت‭ ‬جارنا‭ ‬أبي‭ ‬نسرين؟‭ ‬احتقن‭ ‬وجه‭ ‬أبي‭ ‬فجأة‭ ‬وقال‭ )‬تقلده):‬أنا‭ ‬لن‭ ‬أغادر‭ ‬البلد‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬متُّ‭ ‬من‭ ‬الجوع،‭ ‬لي‭ ‬ولأطفالي‭ ‬رب‭ ‬يحمينا‭.‬

بكت‭ ‬هيلين،‭ ‬وبكيت‭ ‬معها‭ ‬كثيراً‭ ‬حتى‭ ‬جفَّتْ‭ ‬دموعي،‭ ‬حينها‭ ‬أيضاً‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬وجهي‭ ‬أصابه‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬غريب،‭ ‬شيء‭ ‬أشبه‭ ‬بالجفاف‭.. ‬وكان‭ ‬وجه‭ ‬هيلين‭ ‬أيضاً‭ ‬قد‭ ‬تغير،‭ ‬آه‭ ‬كم‭ ‬اشتقت‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬هيلين،‭ ‬ماذا‭ ‬تفعلين‭ ‬الآن،‭ ‬هل‭ ‬تذهبين‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة،‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬تلعبين‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الباحة؟

قالت‭ ‬لي‭ ‬هيلين‭ ‬قبل‭ ‬السفر‭: ‬سمعت‭ ‬أبي‭ ‬يقول‭ ‬لأمي‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭: ‬إن‭ ‬حرس‭ ‬الحدود‭ ‬التركي‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬أحداً،‭ ‬إنه‭ ‬يضرب‭ ‬الصغار‭ ‬والكبار‭ ‬بقسوة،‭ ‬فخفت‭ ‬كثيراً،‭ ‬ومن‭ ‬فوري‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬البيت،‭ ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬أمام‭ ‬المغسلة‭ ‬يرشق‭ ‬وجهه‭ ‬بالماء،‭ ‬ورويت‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬أبو‭ ‬صديقتي،‭ ‬فكفَّ‭ ‬عن‭ ‬رشق‭ ‬وجهه‭ ‬بالماء‭ ‬وتنهد،‭ ‬ثم‭ ‬ضمني‭ ‬إلى‭ ‬صدره‭ ‬وقال‭ ‬‭(‬تقلده‭)‬‭: ‬لا‭ ‬يا‭ ‬ابنتي،‭ ‬التُرك‭ ‬أيضاً‭ ‬مثل‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬لا‭ ‬يضربون‭ ‬أحداً‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬عندنا،‭ ‬وخاصة‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء،‭ ‬إنهم‭ ‬يحبون‭ ‬الأطفال‭ ‬كثيراً‭. ‬مثل‭ ‬الأوروبيين‭ ‬تماماً‭.‬

(‬لنفسها‭(

ما‭ ‬حكاية‭ ‬هؤلاء،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬منهم‭ ‬يرد،‭ ‬أو‭ ‬يسأل،‭ ‬إنهم‭ ‬جامدون‭ ‬مثل‭ ‬التماثيل،‭ ‬يحملقون‭ ‬في‭ ‬وجهي‭ ‬وكأني‭ ‬كائن‭ ‬غريب؟‭! ‬طبعاً‭ ‬نحن‭ ‬غرباء،‭ ‬وهل‭ ‬هذا‭ ‬وجه‭ ‬فتاة‭ ‬ألمانية؟‭! ‬لا‭ ‬بأس،‭ ‬سأحكي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لديّ‭ ‬كما‭ ‬طلبت‭ ‬أمي،‭ ‬وهم‭ ‬أحرار‭.‬

(‬للجمهور‭(

نعم،‭ ‬ماذا‭ ‬كنت‭ ‬أقول،‭ ‬آه‭.. ‬تذكرت‭.‬

المسكين‭ ‬أبي،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬الأتراك‭ ‬مثل‭ ‬الأوروبيين؟‭ ‬فعندما‭ ‬غادرنا‭ ‬مدينتنا‭ ‬كان‭ ‬الوقت‭ ‬ليلاً،‭ ‬والظلمة‭ ‬دامسة،‭ ‬كنا‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬تركيا،‭ ‬نحن‭ ‬وجمع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬ونساء‭ ‬وأطفال،‭ ‬كان‭ ‬المهرِّب‭ ‬يسير‭ ‬بحذر،‭ ‬ونحن‭ ‬نتبعه‭ ‬بصمت‭ ‬وخوف،‭ ‬كان‭ ‬عصبياً،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬شتم‭ ‬رجلاً‭ ‬عجوزاً‭ ‬كان‭ ‬يدمدم‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬التعب،‭ ‬وهمّ‭ ‬بصفع‭ ‬امرأة‭ ‬أطلقت‭ ‬صيحة‭ ‬توجّع‭ ‬حين‭ ‬تعثرت،‭ ‬وفجأة‭ ‬ظهر‭ ‬لنا‭ ‬حرس‭ ‬الحدود‭ ‬كالأشباح،‭ ‬قبضوا‭ ‬علينا‭ ‬جميعاً‭ ‬واقتادونا‭ ‬بأعقاب‭ ‬البنادق‭ ‬إلى‭ ‬المخفر،‭ ‬وهناك‭ ‬بدأوا‭ ‬بتوجيه‭ ‬الركلات‭ ‬والصفعات‭ ‬للجميع،‭ ‬كان‭ ‬الضرب‭ ‬بقسوة‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬الرجال،‭ ‬وكان‭ ‬أبي‭ ‬واحداً‭ ‬منهم،‭ ‬بدأوا‭ ‬بضربه‭. )‬تمثل‭ ‬ضرب‭ ‬والدها‭ ‬وهو‭ ‬يتألم‭(

طاخ‭ ‬طاخ‭ ‬طاخ‭..‬أي‭.‬أي‭..‬أي‭..‬أأأأأي‭ ‬يا‭ ‬أبي،‭ ‬يا‭ ‬إلهي‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬أرى‭ ‬أحداً‭ ‬يضرب‭ ‬أبي،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬فظيعاً،‭ ‬فظيعاً‭ ‬جداً‭! ‬كان‭ ‬وجه‭ ‬أبي‭ ‬يزداد‭ ‬احتقاناً‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الألم،‭ ‬لم‭ ‬يبكْ‭ ‬بداية‭ ‬مثل‭ ‬رجال‭ ‬كثيرين‭ ‬ونساء،‭ ‬طبعاً،‭ ‬أبي‭ ‬بطل،‭ ‬دائماً‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭ ‬لرفيقاتي‭ ‬إن‭ ‬أبي‭ ‬قويّ،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬صامد‭ ‬أمامهم،‭ ‬ولكن،‭ ‬وفجأة‭ ‬علا‭ ‬صوته‭ ‬بالبكاء‭: ‬أبي،‭ ‬أبي‭! ‬لأول‭ ‬أسمع‭ ‬صوت‭ ‬بكاء‭ ‬أبي،‭ ‬كان‭ ‬يرجوهم‭ ‬الكفَّ‭ ‬عن‭ ‬ضربه‭ ‬وهو‭ ‬يبكي،‭ ‬تكوّمت‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬المخفر‭ ‬وبكيت،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬لماذا‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إليّ‭ ‬وهو‭ ‬يبكي،‭ ‬كانت‭ ‬نظراته‭ ‬غريبة،‭ ‬وسمعته‭ ‬يناديني،‭ ‬نعم،‭ ‬كان‭ ‬يناديني‭ ‬بصوت‭ ‬باك‭.‬

(‬تقلده‭ ‬ببكاءوحرقة‭(

نسرين،‭ ‬لا‭ ‬تبكي‭ ‬يا‭ ‬نسرينتي،‭ ‬لا‭ ‬تبكي‭ ‬يا‭ ‬روح‭ ‬بابا‭.. ‬أغمضي‭ ‬عينيك‭ ‬يا‭ ‬حبيبتي،‭ ‬أديري‭ ‬ظهرك‭ ‬لي‭ ‬يا‭ ‬بابا،‭ ‬وقال‭ ‬كلمات‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬أفهمها‭.. ‬وفجأة‭ ‬وجدت‭ ‬أمي‭ ‬تناديني‭ ‬بعصبية‭: ‬وكانت‭ ‬قد‭ ‬ارتمت‭ ‬على‭ ‬أحذية‭ ‬العسكر‭ ‬وهي‭ ‬ترجوهم‭ ‬أن‭ ‬يكفوا‭ ‬عن‭ ‬ضربه‭:‬

(‬تقلدها‭(

تعالي‭ ‬يا‭ ‬غبية‭ ‬وافعلي‭ ‬مثلي‭ ‬فقد‭ ‬يكفون‭ ‬عن‭ ‬ضرب‭ ‬والدك‭ ‬من‭ ‬أجلك،‭ ‬قد‭ ‬تتحرك‭ ‬مشاعر‭ ‬هذه‭ ‬الوحوش،‭ ‬سيقتلون‭ ‬والدك‭.‬

وفعلت‭ ‬مثلها،‭ ‬ارتميت‭ ‬على‭ ‬أحذيتهم‭ ‬راجية‭ ‬أن‭ ‬يكفوا‭ ‬عن‭ ‬ضرب‭ ‬أبي‭..‬

(‬ترتمي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وهي‭ ‬تبكي‭(

كفى،‭ ‬أرجوكم‭ ‬كفى،‭ ‬إنه‭ ‬أبي،‭ ‬إنه‭ ‬أبي‭.. ‬وأنا‭ ‬أحبه‭. ‬أبوس‭ ‬أياديكم،‭ ‬أبوس‭ ‬أقدامكم‭.‬

‮ ‬وبكت‭ ‬أمي‭ ‬وهي‭ ‬ترجوهم‭.‬

(‬تقلدها‭(

أرجوكم‭ ‬يا‭ ‬إخوان،‭ ‬أنا‭ ‬بعرضكم‭ ‬أتركوه،‭ ‬إنه‭ ‬مريض،‭ ‬إنه‭ ‬مصاب‭ ‬بالربو‭.. ‬سيموت،‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬معيل‭ ‬سواه،‭ ‬أرجوكم‭ ‬أرحموه‮…‬

(‬تبكي‭(

وفجأة‭..‬

(‬تهدأ‭(

دخل‭ ‬ضابط‭ ‬منهم‭ ‬فهدأ‭ ‬العسكر،‭ ‬وكفوا‭ ‬عن‭ ‬الضرب،‭ ‬كانت‭ ‬ثياب‭ ‬أبي‭ ‬قد‭ ‬تلطخت‭ ‬بالدماء،‭ ‬والدموع‭ ‬تملأ‭ ‬عينيه‭ ‬وهو‭ ‬بالكاد‭ ‬يتنفس،‭ ‬وأنا‭ ‬أكاد‭ ‬أموت‭ ‬من‭ ‬الفزع‭ ‬والحزن‭ ‬على‭ ‬أبي‭. ‬تحدث‭ ‬الضابط‭ ‬بضع‭ ‬كلمات‭ ‬بالتركية‭ ‬فنقلونا‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬مكتب،‭ ‬وهناك‭ ‬سجلوا‭ ‬أسماءنا،‭ ‬ودفعونا‭ ‬خارج‭ ‬المخفر،‭ ‬وفي‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬التركية،‭ ‬تحسست‭ ‬وجهي‭ ‬فوجدته‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬يباساً،‭ ‬أكثر‭ ‬يباساً‭ ‬وتشققاً‭ ‬ممّا‭ ‬حدث‭ ‬له‭ ‬حين‭ ‬وجّه‭ ‬لي‭ ‬معلمي‭ ‬الصفعات‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬أقصد‭ ‬الرفيق‭ ‬موسى،‭ ‬أحسست‭ ‬أن‭ ‬شقوقاً‭ ‬عميقة‭ ‬قد‭ ‬حدثت‭ ‬فيه‭.‬

كانت‭ ‬الرحلة‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬صعبة‭ ‬وشاقة،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬وصلنا‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬باتمان‭ ‬التركية،‭ ‬قضينا‭ ‬الطريق‭ ‬كله‭ ‬بكاء‭ ‬على‭ ‬والدي،‭ ‬وحين‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬عمتي،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬سبقتنا‭ ‬مع‭ ‬عائلتها‭ ‬باللجوء‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬إلى‭ ‬تركيا،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬وقع‭ ‬نظرها‭ ‬على‭ ‬أبي‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الحال‭ ‬حتى‭ ‬أطلقت‭ ‬صرخة‭ ‬فزع‭ ‬قوية‭: ‬أخي‭.‬

(‬تقلد‭ ‬عمتها‭ ‬المفجوعة‭ ‬وهي‭ ‬تحتضن‭ ‬أخاها‭ ‬وتبكي‭ ‬وتشتم):

(‬يا‭ ‬أولاد‭ ‬الكلب،‭ ‬يا‭ ‬مجرمين،‭ ‬اللعنة‭ ‬عليكم‭ ‬وعلى‭ ‬حدودكم،‭ ‬من‭ ‬تظنون‭ ‬هذا‭ ‬المسكين،‭ ‬إرهابي‭ ‬يا‭ ‬إرهابيين،‭ ‬الإرهابي‭ ‬من‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬عندكم‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬يدخل،‭ ‬ولكن‭ ‬الحق‭ ‬ليس‭ ‬عليكم،‭ ‬الحق‭ ‬على‭ ‬ثورنا‭ ‬الكبير،‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬دمر‭ ‬البلد‭ ‬وشردنا‭).‬

واستمرت‭ ‬بالصياح،‭ ‬وأمي‭ ‬ترجوها‭ ‬أن‭ ‬تهدأ،‭ ‬وكذلك‭ ‬زوجها،‭ ‬ولم‭ ‬تكفّ‭. ‬ظلت‭ ‬تبكي‭ ‬وتصيح‭ ‬وتشتم‭ ‬الحرس،‭ ‬والمهربين،‭ ‬وتركيا،‭ ‬وحتى‭ ‬بلدنا‭ ‬سوريا،‭ ‬شتمتها،‭ ‬بل‭ ‬شتمت‭ ‬الأب‭ ‬القائد‭ ‬نفسه‭.‬

(‬بحذر‭(
لوحة: غيلان الصفدي

الحمد‭ ‬لله‭ ‬أن‭ ‬معلمنا‭ ‬موسى‭ ‬لم‭ ‬يسمعها،‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬عمتي‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬وتفوهت‭ ‬بنصف‭ ‬ما‭ ‬تفوهت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬لسمعها‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جارنا،‭ ‬ولم‭ ‬تصمت‭ ‬عمتي‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬طلب‭ ‬أبي‭ ‬منها‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬عمتي‭ ‬تحب‭ ‬أبي‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة،‭ ‬أمي‭ ‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬لي‭: ‬إن‭ ‬عمتك‭ ‬قاسية‭ ‬القلب‭ ‬ولا‭ ‬تحب‭ ‬أحداً‭ ‬سوى‭ ‬نفسها‭.‬

بقينا‭ ‬حوالي‭ ‬الشهرين‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عمتي،‭ ‬تماثل‭ ‬أبي‭ ‬خلالهما‭ ‬للشفاء،‭ ‬وكانت‭ ‬عمتي‭ ‬وزوجها‭ ‬يتشاجران‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كنت‭ ‬أسمع‭ ‬صوتيهما‭ ‬المخنوقين،‭ ‬وكانت‭ ‬أمي،‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬صوتيهما‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬بالمشاجرة‭ ‬مع‭ ‬أبي،‭ ‬وكان‭ ‬أبي‭ ‬يكرر‭ ‬دائماً،‭ ‬وبعجز‭: ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬يا‭ ‬امرأة،‭ ‬إني‭ ‬مريض،‭ ‬أقسم‭ ‬بالله‭ ‬أنني‭ ‬بالكاد‭ ‬أسير‭ ‬إلى‭ ‬السوق،‭ ‬أولاد‭ ‬الحرام‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬أساؤوا‭ ‬إليَّ‭ ‬كثيراً‭. ‬وأمي‭ ‬تهمس‭ ‬بحنق‭:‬

(‬تقلدها‭(:

ألا‭ ‬تسمع‭ ‬يا‭ ‬رجل؟‭ ‬ستخرب‭ ‬بيت‭ ‬أختك،‭ ‬حرام‭. ‬عيب‭ ‬وحرام‭.‬

ومرت‭ ‬الأيام‭.. ‬أسبوع،‭ ‬أسبوعان‭.. ‬استأجرنا‭ ‬بعدها‭ ‬بيتاً‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها،‭ ‬كان‭ ‬صغيراً‭ ‬وقديماً،‭ ‬ومن‭ ‬حينها‭ ‬لم‭ ‬أعدْ‭ ‬أرى‭ ‬أبي‭ ‬كالسابق،‭ ‬كان‭ ‬يخرج‭ ‬كلّ‭ ‬يوم‭ ‬منذ‭ ‬الصباح‭ ‬ويعود‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬وحين‭ ‬كنت‭ ‬أصحو‭ ‬على‭ ‬صوته،‭ ‬كنت‭ ‬أسمعه‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ )‬تقلده‭(:

لا‭ ‬أحد‭ ‬يوافق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬لديه،‭ ‬الجميع‭ ‬يكررون‭ ‬العبارة‭ ‬نفسها‭: ‬لا‭ ‬عمل‭ ‬لدينا‭ ‬لرجل‭ ‬لا‭ ‬يتقن‭ ‬أيّ‭ ‬صنعة‭. ‬وحين‭ ‬وجدت‭ ‬عملاً،‭ ‬كان‭ ‬قاسياً‭ ‬ولا‭ ‬يناسب‭ ‬صحتي،‭ ‬أنا‭ ‬مدرس‭ ‬يا‭ ‬امرأة،‭ ‬مدرس‭ ‬لغة‭ ‬عربية،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬عمل‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬مهنة‭ ‬التدريس،‭ ‬لم‭ ‬أمارس‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬أيّ‭ ‬مهنة‭ ‬سوى‭ ‬التدريس‭.. ‬فترد‭ ‬أمي‭ ‬عليه‭:
(‬تقلدها)

حاول‭ ‬يا‭ ‬رجل،‭ ‬حاول،‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬عاجزاً‭ ‬فدعني‭ ‬أنا‭ ‬أعمل‭.‬

(‬تصرخ‭(

لا‭. ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬يصرخ‭ ‬مثل‭ ‬الوحش‭ ‬المجروح‭..‬

(‬تقلده‭(

لا،‭ ‬لن‭ ‬أسمح‭ ‬لكِ‭ ‬بالعمل‭ ‬وفي‭ ‬داخلي‭ ‬روح‭. ‬وكنت‭ ‬أسمعه‭ ‬يتأفف‭ ‬ويتألم‭ ‬وأنا‭ ‬تحت‭ ‬اللحاف‭ ‬أبكي‭ ‬وأبكي‭.. ‬وفي‭ ‬مرة‭ ‬سمعته‭ ‬يقول‭:‬

(‬تقلده‭ ‬بألم‭(

يا‭ ‬رب،‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل،‭ ‬ما‭ ‬الحل؟‭ ‬هل‭ ‬أسرق،‭ ‬هل‭ ‬أتسول؟‭ ‬هل‭ ‬أقتل؟‭ ‬ولكني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع،‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭. ‬يا‭ ‬رب‭ ‬توفني‭ ‬وخلصني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭.‬

(‬تنحني‭ ‬لأبيها‭ ‬بألم‭ ‬وقهر‭(

لا‭ ‬يا‭ ‬أبي،‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬يا‭ ‬أبي،‭ ‬أنا‭ ‬أحبك‭ ‬يا‭ ‬أبي،‭ ‬إذا‭ ‬متَّ‭ ‬فسأقتل‭ ‬نفسي،‭ ‬نعم‭ ‬سأقتل‭ ‬نفسي،‭ ‬كيف‭ ‬سأحيا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أراك‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬وأنت‭ ‬تدخل‭ ‬البيت،‭ ‬تناديني‭:‬

(‬تقلده‭(

نسرين،‭ ‬وردة‭ ‬أبيها،‭ ‬يا‭ ‬حلوتي‭.‬

(‬وكان‭ ‬يضمني‭ ‬إلى‭ ‬صدره‭ ‬ويغني،‭ ‬تغني‭ ‬مقلدة‭ ‬أباها‭ ‬بحزن‭ ‬وشوق،‮ ‬ثم‭ ‬تبكي،‭ ‬وتتلمس‭ ‬وجهها‭ ‬بحزن‭ ‬وقهر‭(

ومرض‭ ‬أبي‭ ‬فجأة،‭ ‬أصبح‭ ‬طريح‭ ‬الفراش،‭ ‬فاضطررنا‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬أنا‭ ‬وأمي،‭ ‬كنا‭ ‬نعمل‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المطاعم،‭ ‬نعمل‭ ‬ونعمل‭ ‬ونعمل‭.. ‬نمسح‭ ‬ونغسل‭ ‬ونكنس‭..‬

(‬تكرر‭ ‬الجملة‭ ‬بعصبية‭ ‬وحرقة‭ ‬وهي‭ ‬تكنس‭ ‬المكان‭ ‬وتغسل،‭ ‬تهدأ‭ ‬وتحني‭ ‬ظهرها‭(

حتى‭ ‬تجعد‭ ‬وجهي‭ ‬وتشققت‭ ‬يداي‭.. ‬وانحنى‭ ‬ظهري‭ ‬أيضاً،‭ ‬حينها،‭ ‬وفجأة،‭ ‬راح‭ ‬يناديني‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يصادفني‭: ‬يا‭ ‬خالة‭.‬

(‬بحسرة‭ ‬وهي‭ ‬تقلد‭ ‬مناداة‭ ‬الآخرين‭(

يا‭ ‬خالة‭.. ‬خالة‭.. ‬يا‭ ‬عجوز‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬طردنا‭ ‬صاحب‭ ‬المطعم،‭ ‬فعملنا‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬آخر،‭ ‬فسطا‭ ‬صاحبه‭ ‬على‭ ‬أجرتينا‭ ‬وطردنا،‭ ‬فعملنا‭ ‬في‭ ‬مغسلة‭ ‬للسجاجيد،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬كنا‭ ‬نعود‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬ينظر‭ ‬إلينا‭ ‬ويبكي‭.‬

كان‭ ‬يضمني‭ ‬إلى‭ ‬صدره‭ ‬ويقول‭ ‬لي‭..‬

(‬تقلده‭(:

(‬آسف‭ ‬يا‭ ‬ابنتي،‭ ‬آسف‭ ‬جداً،‭ ‬لو‭ ‬أستطيع‭ ‬العمل‭ ‬ما‭ ‬تركتك‭ ‬تعملين،‭ ‬ولكن‭..‬‭)‬‭ ‬ويغص‭ ‬بالكلام‭. ‬فأرتمي‭ ‬في‭ ‬حضنه‭ ‬وأتمنى‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يغني‭ ‬لي،‭ ‬ولكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يفعل،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬طريح‭ ‬الفراش‭ ‬وهو‭ ‬صامت،‭ ‬عيونه‭ ‬فقط‭ ‬كانت‭ ‬تمتلئ‭ ‬بالدموع،‭ ‬ينظر‭ ‬إلينا‭ ‬أنا‭ ‬وأمي‭ ‬بنظرات‭ ‬حزينة‭ ‬وغريبة‭ ‬حين‭ ‬نغادر‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬وحين‭ ‬نعود‭.‬

لم‭ ‬يمضْ‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬حتى‭ ‬عاد‭ ‬الشجار‭ ‬بين‭ ‬أمي‭ ‬وأبي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭..‬

(‬بانفعال‭ ‬يتصاعد)

أبي‭ ‬يقول‭ ‬وأمي‭ ‬ترد‭.. ‬أبي‭ ‬يقول‭ ‬وأمي‭ ‬ترد،‭ ‬أمي‭ ‬ترد‭ ‬وأبي‭ ‬يقول‭.‬

(‬تقلد‭ ‬الاثنين‭ ‬بانفعال‭(

ـ‭ ‬سنذهب‭ ‬إلى‭ ‬المخيم،

ـ‭ ‬لن‭ ‬أذهب‭.‬

ـ‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬البلد‭ ‬إذن‭.‬

ـ‭ ‬لن‭ ‬أعود‭.‬

ـ‭ ‬سنعود‭.‬

ـ‭ ‬لن‭ ‬نعود‭.. ‬لن‭ ‬نعود‭.‬

(‬تبكي‭( ‬كفى‭ ‬كفى‭.. ‬كفى‭ ‬يا‭ ‬أمي،‭ ‬كفى‭ ‬يا‭ ‬أبي‭.. ‬كفى،‭ ‬كفى‭.‬

(‬تهدأ)

ومرت‭ ‬أيام‭ ‬وأشهر‭ ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحال،‭ ‬وفي‭ ‬مرة‭ ‬دخل‭ ‬أبي‭ ‬علينا‭ ‬فرحاً‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬عادته،‭ ‬وراح‭ ‬يصيح‭..‬

(‬تقلده‭(:

ليلى،‭ ‬ليلى،‭ ‬أين‭ ‬أنت‭ ‬يا‭ ‬أم‭ ‬نسرين؟‭ ‬أم‭ ‬نسرين،‭ ‬وراح‭ ‬يغني‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬سابقاً،‭ ‬ووجهه‭ ‬ينضح‭ ‬بالفرح‭..‬

(‬تقلده‭ ‬وهو‭ ‬يغني)

يا‭ ‬الله‭ ‬كم‭ ‬كنت‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يغني‭ ‬ويستمر‭ ‬في‭ ‬الغناء،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يغني‭ ‬وهو‭ ‬سعيد‭ ‬كانت‭ ‬عيناه‭ ‬تبرقان‭ ‬وكأنهما‭ ‬نجمتين‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬صافية،‭ ‬وكان‭ ‬وجهه‭ ‬يزداد‭ ‬نوراً‭.‬وما‭ ‬أن‭ ‬دخلت‭ ‬أمي‭ ‬حتى‭ ‬انطلق‭ ‬نحوها،‭ ‬وراح‭ ‬يردد‭ ‬بفرح‭: ‬لقد‭ ‬جاء‭ ‬الفرج،‭ ‬خلص،‭ ‬فُرِجت‭ ‬يا‭ ‬امرأة‭.. ‬فُرجت،‭ ‬فرجت‭.‬

(‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬أمي‭ ‬فمها‭ ‬بالسؤال،‭ ‬أكمل‭(

إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬ألمانيا‭ ‬يا‭ ‬سيدتي،‭ ‬بلد‭ ‬الحرية‭ ‬والأمان‭ ‬والكرامة‭.‬

ـ‭ ‬كيف،‭ ‬من‭ ‬أين؟‭ ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬يا‭ ‬رجل؟

سألت‭ ‬أمي‭ ‬غير‭ ‬مصدقة‭.‬

فردّ‭:‬

ـ‭ ‬بيتنا،‭ ‬بيتنا‭ ‬الذي‭ ‬تركناه‭ ‬يا‭ ‬مريم،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أغراض‭ ‬مقابل‭ ‬أن‭ ‬ينقلنا‭ ‬المهرب‭ ‬إلى‭ ‬اليونان‭. ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬ماما‭ ‬ميركل‭.‬

ـ‭ ‬بيتنا؟‭ ‬قالت‭ ‬أمي‭ ‬باندهاش‭.‬

ـ‭ ‬نعم،‭ ‬بيتنا‭.‬

ـ‭ ‬لكنه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نملك‭ ‬يا‭ ‬أبا‭ ‬نسرين،‭ ‬إنه‭ ‬عشّنا‭ ‬الذي‭ ‬تزوجنا‭ ‬فيه،‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬أبصرت‭ ‬فيه‭ ‬نسرين‭ ‬النور‭. ‬كل‭ ‬غرض‭ ‬فيه‭ ‬عزيز‭ ‬عليّ‭ ‬له‭ ‬ذكرى،‭ ‬ومعنى‭.‬

(‬بشرود‭(

بيتنا،‭ ‬كم‭ ‬اشتقت‭ ‬له،‭ ‬غرفتي‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وألعابي‭ ‬وكتبي‭.. ‬وكذلك‭ ‬هيلين‭ ‬صديقتي‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نذهب‭ ‬معاً‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬ونعود،‭ ‬ونسيت‭ ‬أمي‭ ‬وأبي‭ ‬وحوارهما،‭ ‬ورحت‭ ‬أتذكر‭ ‬حينا،‭ ‬وشارعنا‭ ‬وأصدقائي‭ ‬الذين‭ ‬تركتهم‭ ‬هناك‭. ‬وبدأ‭ ‬صوتا‭ ‬أمي‭ ‬وأبي‭ ‬بالارتفاع،‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬شجار‭.. ‬ولكن‭ ‬أصوات‭ ‬رفاقي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تعلو‭ ‬في‭ ‬داخلي،‭ ‬وجرس‭ ‬المدرسة،‭ ‬ومعلمتي‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬وهي‭ ‬تنادي‭ ‬باسمي‭ ‬كي‭ ‬أمسح‭ ‬السبورة‭ ‬أو‭ ‬اقرأ‭ ‬الدرس‭.. ‬طغت‭ ‬على‭ ‬صوتيْ‭ ‬أبي‭ ‬وأمي،‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬ألعب‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬المدرسة،‭ ‬أركض‭ ‬وأطارد‭ ‬رفيقاتي‭ ‬في‭ ‬الباحة‭..‬

(‬تلعب‭ ‬لعبة‭ ‬ما‭ ‬وهي‭ ‬تصفق‭. ‬تقف،‭ ‬كمن‭ ‬ينصت‭(

ماذا؟‭! ‬تفجير‭ ‬شاحنة‭ ‬يقودها‭ ‬إرهابي،‭ ‬أين؟‭ ‬في‭ ‬حينا،‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬هيليكي؟‭ ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬يا‭ ‬أبي؟‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬صحيحٌ‭ ‬؟‭! ‬التقطت‭ ‬أذناي‭ ‬الخبر‭ ‬الذي‭ ‬نطق‭ ‬به‭ ‬أبي،‭ ‬ووجدت‭ ‬أبي‭ ‬يروي‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحدث‭ ‬لأمي؛‭ ‬وأمي‭ ‬تبكي‭ ‬بحرقة‭ ‬وهي‭ ‬تلطم‭ ‬وجهها،‭ ‬يا‭ ‬إلهي‭ ‬إنه‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يتفرع‭ ‬منه‭ ‬شارعنا،‭ ‬ذلك‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتحول‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جمعة‭ ‬إلى‭ ‬عرس،‭ ‬وكنا‭ ‬نحن‭ ‬الصغار‭ ‬نشارك‭ ‬فيه‭ ‬الكبار‭ ‬وهم‭ ‬ينادون‭: ‬حرية،‭ ‬حرية‭.. ‬نركض‭ ‬بين‭ ‬الصفوف‭ ‬المتجمهرة‭ ‬أمام‭ ‬جامع‭ ‬قاسمو،‭ ‬ننتظر‭ ‬خروج‭ ‬المصلين‭ ‬من‭ ‬صلاة‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬لتبدأ‭ ‬المظاهرة،‭ ‬وكنا‭ ‬نردد‭ ‬معهم‭ ‬بصوت‭ ‬عال‭: ‬الشعب‭ ‬يريد‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام،‭ ‬واحد‭ ‬واحد‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬واحد‭.‬

(‬تصمت‭(

وسمعت‭ ‬أبي‭ ‬يقول‭: ‬لقد‭ ‬سقطت‭ ‬البيوت‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الشعب‭. ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الصيدلاني‭ ‬الطيب‭ ‬جوهر،‭ ‬وعلى‭ ‬رأس‭ ‬كاسترو‭: ‬ذلك‭ ‬الطبيب‭ ‬الذي‭ ‬تخرّج‭ ‬حديثاً‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬الطب،‭ ‬وابن‭ ‬جارنا‭ ‬الولد‭ ‬الشقي‭ ‬ولاتبن‭ ‬الخال‭ ‬عبدي‭.. ‬وكذلك‭ ‬العم‭ ‬الطيب‭ ‬سليمان‭ ‬والخالة‭ ‬أميرة،‭ ‬وهوزان،‭ ‬ومحمد،‭ ‬والخالة‭ ‬منيفة،‭ ‬وجوان،‭ ‬ولقمان؛‭ ‬العريس‭ ‬لقمان‭. ‬وغيرهم‭ ‬وغيرهم،‭ ‬كلّهم‭ ‬ماتوا،‭ ‬تمزقت‭ ‬أجسادهم،‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مزق‭ ‬تحت‭ ‬أنقاض‭ ‬بيوتهم‭ ‬التي‭ ‬تهدمت‭. ‬‭)‬تنفعل‭(

لماذا‭ ‬أيها‭ ‬الإرهابي؟‭ ‬لماذا؟‭ ‬هل‭ ‬تعرفهم؟‭ ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬صيدلاني‭ ‬حينا‭ ‬الطيب،‭ ‬كان‭ ‬قصير‭ ‬القامة‭ ‬كثيراً‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬طيباً‭ ‬جداً،‭ ‬لو‭ ‬صادف‭ ‬أن‭ ‬ذهبت‭ ‬إليه‭ ‬يوماً‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬كان‭ ‬سيقدمه‭ ‬لك‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تملك‭ ‬نقوداً‭.. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬عَلِم‭ ‬أنك‭ ‬داعشي،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تشكو‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬تعانيه‭ ‬من‭ ‬وجع‭. ‬ولقمان،‭ ‬هل‭ ‬تعرفه؟‭ ‬كان‭ ‬عريساً،‭ ‬تزوج‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬فعلتك،‭ ‬كانت‭ ‬قصة‭ ‬حبه‭ ‬تروى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بيت‭. ‬والخالة‭ ‬أميرة‭.. ‬كانت‭ ‬أماً‭ ‬لطالبتيَّ‭ ‬طب‭ ‬بشري،‭ ‬هل‭ ‬كنت‭ ‬تعرف‭ ‬ذلك؟‭ ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء؟‭ ‬كانوا‭ ‬طيبين‭ ‬فلماذا‭ ‬قتلتهم؟‭ ‬ألا‭ ‬تخشى‭ ‬نار‭ ‬جهنم؟‭ ‬سيحاسبك‭ ‬الله،‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬القتل،‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬تقول‭ ‬عن‭ ‬الخالة‭ ‬بيروزة‭ ‬إنها‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الله،‭ ‬فقتلتها،‭ ‬وكان‭ ‬الخال‭ ‬سليمان‭ ‬دائما‭ ‬يقصد‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬ليصلي‭ ‬فيه‭ ‬فقتلته،‭ ‬وقتلت‭ ‬الطفل‭ ‬كريم،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬السنة،‭ ‬كريم‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬أمه‭ ‬تمسك‭ ‬يده‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬وتردد‭ ‬بصوت‭ ‬حنون‭ ‬كم‭ ‬أحببته‭..‬

(‬تقلدها‭ ‬وهي‭ ‬تلاعب‭ ‬دمية‭(:

تاتي‭ ‬ياما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.. ‬تاتي‭ ‬يا‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‮…‬وكان‭ ‬الولد‭ ‬يهرع‭ ‬صوب‭ ‬أمه‭ ‬وهو‭ ‬يكركر‭ ‬كالملاك،‭ ‬كم‭ ‬كان‭ ‬منظره‭ ‬جميلاً‭ ‬وهو‭ ‬يخطو‭ ‬بتعثر‭!‬

(‬بعنف‭(

الله‭ ‬يحرقك‭ ‬في‭ ‬ناره‭ ‬يا‭ ‬وحش‭.‬

(‬تهدأ‭ ‬للحظات‭(

وحش،‭ ‬وحش،‭ ‬وحوش‭. ‬الأسد‭ ‬وحش،‭ ‬والثعلب‭ ‬وحش،‭ ‬وداعش‭ ‬وحوش،‭ ‬لواء‭ ‬جيش‭ ‬القرود‭ ‬وحوش‭.. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬اعتدنا‭ ‬سماعه‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬جارنا‭ ‬وحش،‭ ‬الشاب‭ ‬مصطفى‭ ‬بن‭ ‬الحاج‭ ‬شكري‭ ‬العتال‭. ‬فهذا‭ ‬ما‭ ‬جعلنا‭ ‬كلنا‭ ‬نفتح‭ ‬أفواهنا‭ ‬دهشة‭.‬

إيه،‭ ‬لا‭ ‬تستغربوا‭ ‬كثيراً‭. ‬قال‭ ‬ذلك‭ ‬صديق‭ ‬لأبي‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬أزمير،‭ ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬حينها‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬مهرِّب‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬مهربنا‭ ‬الذي‭ ‬اكتشف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬نصاباً،‭ ‬مهرب‭ ‬ينقلنا‭ ‬إلى‭ ‬اليونان‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬دون‭ ‬غش‭ ‬واحتيال‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬العوائل‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬ضحية‭ ‬النصب‭ ‬والاحتيال‭. ‬قال‭ ‬هذا‭ ‬الصديق‭ ‬ونحن‭ ‬ننظر‭ ‬إليه‭ ‬وكأنه‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬حكاية‭ ‬أليس‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العجائب‭..‬

(‬تقلده‭(:

إيه‭ ‬لا‭ ‬تستغربوا‭ ‬كثيراً،‭ ‬مصطفى‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬تتحدثون‭ ‬عنه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تجد‭ ‬أيام‭ ‬زمان‭ ‬ما‭ ‬تأكله،‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المهربين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬لديه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قارب،‭ ‬أو‭ ‬يخت‭ ‬كما‭ ‬يسمونه،‭ ‬ويعمل‭ ‬تحت‭ ‬إمرته‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الشبان،‭ ‬ويقال‭ ‬إنه‭ ‬يملك‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭.‬

صاحت‭ ‬أمي‭ ‬باستغراب‭..‬

(‬تقلدها):

مصطو،‭ ‬مصطفى‭ ‬ابن‭ ‬خالة‭ ‬نعيمة‭ ‬يملك‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬ويحكم؟‭!‬

وردد‭ ‬أبي‭ ‬كلمات‭ ‬الاستغراب‭ ‬نفسها،‭ ‬ووجدته‭ ‬يصفه‭ ‬بصفات‭ ‬قبيحة‭..‬

(‬تقلد‭ ‬أبيها):

اللعنة‭ ‬على‭ ‬الحرب،‭ ‬حوَّلت‭ ‬الناس‭ ‬كلَّها‭ ‬إلى‭ ‬وحوش،‭ ‬الجميع‭ ‬ينهب‭ ‬ويأكل‭ ‬لحم‭ ‬الآخرين‭.‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬وقت‭ ‬اللعنات‭ ‬يا‭ ‬أستاذ،‭ ‬أنصحك‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إليه‭ ‬وترجوه‭ ‬أن‭ ‬يساعدك‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اليونان‭.‬

وضحك‭ ‬أبي‭ ‬من‭ ‬نصيحة‭ ‬صديقه‭ ‬وهو‭ ‬يردد‭..‬

(‬تقلده‭(:

أرجوه،‭ ‬أنا‭ ‬أرجو‭ ‬مصطو‭ ‬الأزعر‭..‬تفووو‭. ‬تفو‭ ‬يا‭ ‬زمن‭. ‬هل‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأفندي‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬طلابي،‭ ‬وكان‭ ‬كسولاً‭ ‬ومشاغباً،‭ ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬كم‭ ‬مرة‭ ‬نال‭ ‬عقوبة‭ ‬على‭ ‬يدي‭.‬

فضحك‭ ‬الصديق‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭: ‬أرجو‭ ‬ألا‭ ‬يذكر‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬ويرد‭ ‬لك‭ ‬الصاع‭ ‬صاعين‭.‬

أذكر‭ ‬حينها‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لوجهيْ‭ ‬أبي‭ ‬وأمي،‭ ‬لقد‭ ‬جمدا‭ ‬كأنهما‭ ‬من‭ ‬شمع،‭ ‬بعدها‭ ‬راحا‭ ‬يتبادلان‭ ‬النظرات‭ ‬بصمت‭ ‬غريب،‭ ‬وروت‭ ‬أمي‭ ‬حكاية‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬الفقيرة،‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬الأب‭ ‬يعمل‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬في‭ ‬العتالة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مصطو‭ ‬أو‭ ‬مصطفى‭ ‬هذا‭ ‬سوى‭ ‬ولد‭ ‬أزعر،‭ ‬ويقال‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يتعاطى‭ ‬المخدرات،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬مرّة‭ ‬سمعت‭ ‬أمه‭ ‬تدعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يهديه‭ ‬أو‭ ‬يقصف‭ ‬عمره،‭ ‬ووجدت‭ ‬أبي‭ ‬يردد‭ ‬بأسى‭ ‬تلك‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرددها‭ ‬بسخرية‭ ‬أيام‭ ‬زمان‭:‬

‭-‬‭ ‬أي‭ ‬والله‭ ‬هَرِمنا؛‭ ‬هَرِمنا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هُزمنا‭.‬

وما‭ ‬أن‭ ‬سمعت‭ ‬حكاية‭ ‬مصطو‭ ‬هذا‭ ‬حتى‭ ‬داخلني‭ ‬رعب،‭ ‬وتقلص‭ ‬وجهي‭ ‬حدَّ‭ ‬الألم،‭ ‬يا‭ ‬إلهي،‭ ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬لي؟‭!‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬خوف‭ ‬ورعب‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر،‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬قارب‭ ‬الوحش‭ ‬مصطفى‭ ‬يفوق‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لنا‭ ‬ولوجهي‭ ‬من‭ ‬تبدلات‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬وفي‭ ‬تركيا،‭ ‬كان‭ ‬مرور‭ ‬اللحظة‭ ‬فيه‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬سنة‭.‬

(‬تصمت‭ ‬للحظات‭ ‬وهي‭ ‬ذاهلة‭(

كان‭ ‬الوقت‭ ‬فجراً،‭ ‬كنا‭ ‬ومجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬نقف‭ ‬بصمت‭ ‬وخوف‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬البحر،‭ ‬كان‭ ‬الهواء‭ ‬بارداً،‭ ‬وهدير‭ ‬البحر‭ ‬يصلنا‭ ‬كتهديد،‭ ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تعب‭ ‬شديد‭ ‬جرّاء‭ ‬انقضاء‭ ‬يوم‭ ‬كامل‭ ‬صرفناه‭ ‬في‭ ‬التنقل‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬لمكان‭ ‬في‭ ‬أزمير‭ ‬بقصد‭ ‬تمويه‭ ‬البوليس،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يزول‭ ‬الفجر‭ ‬ويطلع‭ ‬النهار‭ ‬جاء‭ ‬رجالٌ،‭ ‬أربعة‭ ‬رجال،‭ ‬قيل‭ ‬إنهم‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬مصطو،‭ ‬كان‭ ‬كلُّ‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬يحمل‭ ‬مسدساً،‭ ‬أمرونا‭ ‬بالتوجه‭ ‬نحو‭ ‬البحر‭ ‬بسرعة،‭ ‬فاحتج‭ ‬بعض‭ ‬منا‭ ‬على‭ ‬الأمر‭ ‬طالبين‭ ‬أن‭ ‬ينتظروا‭ ‬حتى‭ ‬الصباح،‭ ‬أو‭ ‬هدوء‭ ‬الأمواج‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تهدر‭ ‬بقوة،‭ ‬فأسرع‭ ‬رجال‭ ‬مصطو‭ ‬بإشهار‭ ‬الأسلحة‭ ‬في‭ ‬وجوهنا‭ ‬وزعقوا‭ ‬برعب،‭ ‬ومن‭ ‬فورهم‭ ‬انقاد‭ ‬الجميع‭ ‬لأوامر‭ ‬المسلحين،‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والرجال،‭ ‬الذين‭ ‬توجهوا‭ ‬من‭ ‬فورهم‭ ‬كقطيع‭ ‬نحو‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬قارب‭ ‬غير‭ ‬كبير‭ ‬بانتظارنا‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬شاطئ‭ ‬مهجور،‭ ‬صعدنا‭ ‬إلى‭ ‬القارب‭ ‬وسط‭ ‬تهديدات‭ ‬المسلحين،‭ ‬وعلى‭ ‬الفور‭ ‬عَلَتْ‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬بالتأفف‭ ‬من‭ ‬ضيق‭ ‬المكان،‭ ‬وخشية‭ ‬الغرق‭ ‬بسبب‭ ‬زيادة‭ ‬الحمولة،‭ ‬فكان‭ ‬ردهم‭ ‬أن‭ ‬رموا‭ ‬أغلب‭ ‬الحقائب‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬وحين‭ ‬عَلَتْ‭ ‬أصوات‭ ‬معترضة؛‭ ‬أطلق‭ ‬أحدهم‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬فهبط‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬سوى‭ ‬لحظات‭ ‬حتى‭ ‬انطلق‭ ‬القارب‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬وهو‭ ‬يتهادى‭ ‬على‭ ‬كفّ‭ ‬البحر‭ ‬الهائج،‭ ‬وفي‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬بدأت‭ ‬النسوة‭ ‬يطلقن‭ ‬صرخات‭ ‬الفزع،‭ ‬وشرعنا‭ ‬نحن‭ ‬الصغار‭ ‬بالبكاء،‭ ‬وعلتْ‭ ‬أصوات‭ ‬الرجال‭ ‬بالتكبير‭:‬

(‬تقلدهم)

الله‭ ‬أكبر،‭ ‬الله‭ ‬أكبر،‭ ‬وحدوه،‭ ‬صلوا‭ ‬على‭ ‬النبي،‭ ‬اللهم‭ ‬صلّ‭ ‬وسلم‭ ‬عليه‭..‬

(‬تهدأ)

كانت‭ ‬الأصوات‭ ‬تهدر‭ ‬وكأن‭ ‬السفينة‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬بها‭ ‬الأمواج‭ ‬جنازة،‭ ‬ونحن‭ ‬فيها‭ ‬الموتى‭ ‬والمشيعين‭.‬

(‬تردد‭(

يا‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬لنا‭ ‬غيرك‭ ‬يا‭ ‬الله،‭ ‬يا‭ ‬الله‭ ‬مالنا‭ ‬غيرك‭ ‬يا‭ ‬الله‭.. ‬ثم‭ ‬صدحت‭ ‬أصوات‭ ‬بهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نسمعها‭ ‬في‭ ‬المظاهرات،‭ ‬حتى‭ ‬ظننت‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬مظاهرة‭ ‬أمام‭ ‬جامع‭ ‬قاسمو‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬قارب‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر،‭ ‬ولكن‭ ‬لماذا‭ ‬رددها‭ ‬الرجال‭ ‬هنا‭ ‬ونحن‭ ‬نكاد‭ ‬تغرق؟‭!‬

وفجأة‭ ‬بدأ‭ ‬القارب‭ ‬يتمايل‭..‬

(‬تنفعل‭(

وتحول‭ ‬الدعاء‭ ‬إلى‭ ‬صيحات‭ ‬فزع،‭ ‬صيحات‭ ‬الكبار‭ ‬والصغار،‭ ‬النساء‭ ‬والرجال،‭ ‬وكنت‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أمي،‭ ‬كانت‭ ‬يَدُ‭ ‬أمي‭ ‬تقبض‭ ‬على‭ ‬يَدي‭ ‬بقوة،‭ ‬وهي‭ ‬تصرخ‭..‬

(‬تقلدها‭(:

أبا‭ ‬نسرين،‭ ‬أبا‭ ‬نسرين،‭ ‬أين‭ ‬أنت‭ ‬يا‭ ‬رجل؟‭ ‬ورحتُ‭ ‬أصيح‭ ‬أنا‭ ‬أيضاً‭ ‬وأبكي‭: ‬بابااااا‭..‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬أحد‭ ‬يسمع‭ ‬صوت‭ ‬أحد،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬أمواج‭ ‬البحر‭ ‬تتقاذف‭ ‬القارب‭ ‬غير‭ ‬عابئة‭ ‬بصراخ‭ ‬أحد،‭ ‬والقارب‭ ‬يعلو‭ ‬ويهبط‭ ‬بنا،‭ ‬والناس‭ ‬تطلق‭ ‬أصواتاً‭ ‬مرعبة‭. ‬وفجأة‭.. ‬بدأت‭ ‬المياه‭ ‬تتسرب‭ ‬إليه،‭ ‬وراح‭ ‬يغوص‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً،‭ ‬وأخذت‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬ملأت‭ ‬السماء‭ ‬بصيحات‭ ‬الرعب‭ ‬التي‭ ‬تقطع‭ ‬نياط‭ ‬القلب‭ ‬تقفز‭ ‬إلى‭ ‬البحر،‭ ‬شاهدت‭ ‬أطفالاً‭ ‬يصفعون‭ ‬الماء‭ ‬بأيديهم‭ ‬وأكفهم‭ ‬الصغيرة‭ ‬ثم‭ ‬يختفون،‭ ‬ونساء‭ ‬يصرخن‭ ‬وهن‭ ‬يتمسّكن‭ ‬بعوارض‭ ‬القارب،‭ ‬ورجال‭ ‬يتدافعون‭ ‬ويدفعون‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضاً‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭.. ‬وأمي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمسك‭ ‬بي‭ ‬بيد‭ ‬وبعارضة‭ ‬خشبية‭ ‬وسط‭ ‬القارب‭ ‬بيد‭ ‬لا‭ ‬تكف‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬النسوة‭ ‬عن‭ ‬الصياح‭ ‬وطلب‭ ‬الاستغاثة‭. ‬كانت‭ ‬تصيح‭ ‬أبي‭ ‬بصوت‭ ‬غريب‭ ‬لم‭ ‬أسمعه‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭(‬تقلدها‭)‬‭:‬

فرهاد،‭ ‬أين‭ ‬أنت‭ ‬يا‭ ‬فرهاد‭..‬فرهادووووو‭. ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أردد‭ ‬معها‭ : ‬بابا،‭ ‬أنقذنا‭ ‬يا‭ ‬بابا‭..‬بابااا‭..‬سأموت‭ ‬يا‭ ‬بابا‭.‬

وفجأة،‭ ‬تناهى‭ ‬إلينا‭ ‬صوت‭ ‬صفير‭ ‬قوي،‭ ‬فهتف‭ ‬بعض‭ ‬الرجال‭ ‬بفرح‭: ‬النجدة،‭ ‬لقد‭ ‬جاؤوا‭ ‬لنجدتنا‭.‬

بعدها‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬حدث،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬المشفى‭ ‬وأمي‭ ‬إلى‭ ‬جانبي‭ ‬تحتضنني،‭ ‬حين‭ ‬فتحت‭ ‬عيني‭ ‬غمرتني‭ ‬بالقبلات‭ ‬وهي‭ ‬تبكي،‭ ‬وازداد‭ ‬بكاؤها‭ ‬حين‭ ‬سألت‭ ‬عن‭ ‬أبي‭. ‬أجابتني‭ ‬وهي‭ ‬تحبس‭ ‬دموعها‭: ‬إنه‭ ‬مصاب‭ ‬برضوض‭ ‬في‭ ‬قدمه‭ ‬وتتم‭ ‬الآن‭ ‬معالجته‭.‬

ومضت‭ ‬أيام‭ ‬ولم‭ ‬أرَ‭ ‬أبي،‭ ‬وبعد‭ ‬أيام،‭ ‬قررت‭ ‬القافلة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يسمون‭ ‬مجموعتنا،‭ ‬إكمال‭ ‬الرحلة‭ ‬بالقطار‭ ‬من‭ ‬اليونان‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬آخر،‭ ‬وهناك،‭ ‬في‭ ‬المحطة،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أصعدَ‭ ‬إلى‭ ‬القطار،‭ ‬سألت‭ ‬عن‭ ‬أبي،‭ ‬صمتت‭ ‬أمي‭ ‬قليلاً،‭ ‬ثم،‭ ‬وفجأة‭ ‬بكتْ‭: ‬أبوك‭ ‬مات‭ ‬يا‭ ‬نسرين،‭ ‬غرق‭ ‬أبوك‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬البحر‭ ‬ولم‭ ‬نعثر‭ ‬عليه،‭ ‬لقد‭ ‬فقدناه‭ ‬يا‭ ‬ابنتي‭.‬

(‬تصمت‭ ‬للحظات‭(

أبي،‭ ‬أبي‭ ‬مات‭ ‬؟‭!! ‬أبي‭ ‬في‭ ‬المشفى‭.. ‬وسيلحق‭ ‬بنا،‭ ‬وسنجد‭ ‬بيتاً‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،أجمل‭ ‬من‭ ‬بيتنا،‭ ‬لقد‭ ‬قال‭ ‬هو‭ ‬لي‭ ‬ذلك،‭ ‬وقال‭ ‬لي‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر‭: ‬سآخذك‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭: ‬مدرسة‭ ‬الضرب‭ ‬فيها‭ ‬ممنوع،‭ ‬والمعلمون‭ ‬طيبون،‭ ‬وستلتحقين‭ ‬بمعهد‭ ‬للموسيقى،‭ ‬هو‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬ذلك،‭ ‬وقال‭: ‬وستتعلمين‭ ‬العزف،‭ ‬ستعزفين‭ ‬وتغنين‭ ‬لي،‭ ‬لبابا‭..‬

(‬تغني،‮ ‬تبكي،ثم‭ ‬وبهدوء‭ ‬وحنق‭(:

المهرب‭ ‬مصطفى‭ ‬هو‭ ‬السبب،‭ ‬جشع‭ ‬هذا‭ ‬الأزعر‭ ‬هو‭ ‬السبب،‭ ‬إنه‭ ‬وحش،‭ ‬وحش‭ ‬كاسر،‭ ‬المهربون‭ ‬وحوش‭: ‬كلهم‭ ‬وحوش‭ ‬لا‭ ‬تخاف‭ ‬الله،‭ ‬وحرس‭ ‬الحدود‭ ‬الذين‭ ‬ضربوا‭ ‬أبي‭ ‬بقسوة‭: ‬وحوش،‭ ‬وصاحب‭ ‬مغسلة‭ ‬السجاجيد‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نعمل‭ ‬لديه‭ ‬أنا‭ ‬وأمي‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬النهار‭ ‬حتى‭ ‬آخره،‭ ‬ليسلبنا‭ ‬الأجرة‭: ‬وحش‭. ‬معلمي‭ ‬في‭ ‬المدرسة؛‭ ‬الرفيق‭ ‬موسى‭: ‬وحش،‭ ‬كلهم‭ ‬وحوش،‭ ‬كلهم‭ ‬دواعش،‭ ‬كلكم‭ ‬دواعش‭.‬

(‬تبكي‭.‬‮ ‬ثم‭ ‬تهدأ)

آسف،‭ ‬لقد‭ ‬أسهبت‭ ‬في‭ ‬الحديث،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بالرغم‭ ‬عني‭.‬

(‬تنظر‭ ‬إليهم‭ ‬للحظة،‭ ‬يَرّن‭ ‬الهاتف،‭ ‬تجيب‭(

ألو،‭ ‬نعم‭ ‬يا‭ ‬أمي،‭ ‬نعم‭ ‬أنا‭ ‬هناك،‭ ‬أين‭ ‬أنت،‭ ‬لقد‭ ‬تأخرت،‭ ‬ماذا،‭ ‬في‭ ‬المحكمة؟

(‬تلتفت‭ ‬حولها)

أين؟‭ ‬لا‭ ‬أراك‭ ‬هنا،‭ ‬ماذا؟‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬محكمة؟‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إذن؟ (‬بهمس‭(

وهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬أمامي‭ ‬من‭ ‬هم؟‭ ‬لقد‭ ‬رويت‭ ‬لهم‭ ‬كل‭ ‬حكايتي‭ ‬مُذ‭ ‬خرجنا‭ ‬من‭ ‬البلد‭ ‬وحتى‭.. ‬ماذا؟‭ ‬أخطأتِ‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬العنوان؟‭ ‬وهذا‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬أنا‭ ‬فيه‭ ‬الآن؟‭ ‬ليس‭ ‬محكمة؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إذن؟‭ ‬مسرح؟‭! ‬ولكنني‭ ‬لست‭ ‬ممثلة،‭ ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬يعترض‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬دخولي‭ ‬وحديثي‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬طوال‭ ‬هذا‭ ‬الوقت؟‭! ‬ماذا؟‭ ‬ديمقراطيون‭..‬

(‬بضيق‭(

مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬الديمقراطية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى؟‭ ‬ألم‭ ‬أقل‭ ‬لك‭ ‬لا‭ ‬تذكري‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة؟‭ ‬أكرهها،‭ ‬إني‭ ‬أكره‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭..‬

(‬تهدأ‭(

لا‭ ‬بأس،‭ ‬لا‭ ‬بأس،‭ ‬لن‭ ‬أفقد‭ ‬أعصابي،‭ ‬ولكن‭ ‬أنت‭ ‬السبب،‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬أرسل‭ ‬لي‭ ‬هذا‭ ‬العنوان،‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬اخطأ،‭ ‬حاضر،‭ ‬لن‭ ‬أحقق‭ ‬معك،‭ ‬إني‭ ‬قادمة،‭ ‬اكتبي‭ ‬لي‭ ‬العنوان‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬واحذري‭ ‬أن‭ ‬تكتبي‭ ‬لي‭ ‬عنوان‭ ‬مشفى‭ ‬مجانين‭ ‬أو‭ ‬مقبرة‭.. ‬حاضر،‭ ‬حاضر‭. ‬لا‭ ‬تصرخي‭.‬

(‬تلملم‭ ‬أشياءها‭ ‬وهي‭ ‬تدمدم‭ ‬وتضعها‭ ‬في‭ ‬الحقيبة،‭ ‬يرن‭ ‬الهاتف‭ ‬مرة‭(

أرسلت‭ ‬العنوان‭ ‬على‭ ‬الواتس‭ ‬آب،‭ ‬هل‭ ‬تأكدت‭ ‬من‭ ‬صحته؟‭ ‬حسن،‭ ‬سأجد‭ ‬من‭ ‬يرشدني‭ ‬إليه،‭ ‬البلد‭ ‬مليء‭ ‬باللاجئين‭ ‬من‭ ‬أمثالنا،‭ ‬لن‭ ‬أضيع‭. ‬حاضر،‭ ‬حاضر‭ ‬يا‭ ‬أمي‭. ‬Tschus

(‬تخرج‭ ‬وهي‭ ‬تخفي‭ ‬ارتباكها‭ ‬بإطالة‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬أمها‭ ‬واصطناع‭ ‬الانفعال)

‮ ‬النهاية
أحمد اسماعيل اسماعيل
‬كاتب‭ ‬مسرحي‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬تركيا


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock